لا يمكن النجاح في أي عمل مؤسسي إلا إذا كان وراءه منظومة قيم تدفعه في اتجاه معين، وتضع له فلسفة التعامل مع الأمور، وتضمن استمراره بتقويته وحمايته من التعثر، فالنجاح المؤسسي إذ لم يرتبط بقيم خلقية وفكرية وروحية ممنهجة ومستقرة في أذهان الأعضاء الموكل إليهم العمل، بات نجاحًا مؤقتًا مدفوعًا بالحماس الوقتي، ضعيف القدرة على الوقوف في وجه المشكلات والصمود أمام العواصف.

 

ولذا فإن من الخطورة أن يعتمد العمل الحزبي على برامج تندفع للعمل المجتمعي، لحاجتها إلى تحقيق إنجازات ملموسة وسريعة على أرض الواقع، وتسعى للزيادة العددية في العضوية، دون أن يرتبط هذا العمل بمنظومة قيم تضمن عدم الانحراف عن المبادئ ألأساسية، وعدم تشويه الصورة التي انتخب الناس الحزب على أساسها.

 

قد يتوهم البعض أن انضمامه لحزب الأغلبية يعني تحقيق استفادة مادية بتيسير أعمال غير قانونية له أو لأسرته ومعارفه، والبعض الآخر قد يتوهم أنه بحمله كارنيه حزب الأغلبية يعني أنه أعطي ميزة معنوية تدفعه للتفاخر أمام الناس دون أن يعمل ويجتهد ويقدم جهدًا حقيقيًّا مخلصًا لخدمة الناس والرفع من شأن حزبه الذي ينتمي إليه، وقد يكون غرض البعض الأصيل هو التسلق على الأكتاف للوصول لمنصب، وقد يتفنن آخرون في تصدير مشكلات بغرض الظهور أو كرد فعل على مشكلات شخصية.

 

إن اختفاء منظومة قيم محركة للعمل وموازية له، أو وجودها بصورة باهتة في الخلفية تحت بند (المرجعية الإسلامية)، قد يوقعنا في مشكلات على الأمد الطويل، ونحن نرى معاناة كثير من الأحزاب من الخلافات والصراعات الداخلية؛ حيث اعتمدت هذه الأحزاب على تفضيل نظرية الكم على نظرية الكيف، واعتمدت على أفكار دون أن تعاونها قيم تدفعها للعمل وتحجم المشكلات.

 

إن القيم تعني الاستقامة والاعتدال الذي يحمي من الانحراف عن المبدأ والجنوح عن الطريق، يقول تعالى: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" (الإسراء: 9).

 

تشكيل منظومة القيم

إن وجود هذه المنظومة القيمية التي تحرك النجاح وتدفعه باستمرار، ينبغي أن يتوافر بها شرطان حتى تؤدي مهمتها:

الأول: أن تكون منظومة قيم تتناسب مع طبيعة العمل الحزبي.

والآخر: أن تكون منظومة قيم تتناسب مع المرحلة الزمنية من حيث الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

 

 أولاً: منظومة قيم تتناسب مع طبيعة العمل الحزبي

قد تواجه اللجان النوعية داخل الحزب مشكلة ضعف المهارات الشخصية التي تعطل عملها أو تخرجه بكفاءة محدودة، ولكن قد تتوفر المهارات ولكن تختفي آداب الحوار والأخوة وقواعد العمل الجماعي والإخلاص في العمل ونظرة الإسلام في العلاقة بين المسئول ومسئولية، وتقبل النقد والمسائلة، وغيرها من القيم التي إذا تراجعت ستضع ألغامًا في طريق العمل مهيأة للانفجار في أي لحظة.

 

هناك مجموعة أخرى من القيم تدعو إلى الجهد وبذل الوقت والمال في سبيل إرضاء الله والتضحية من أجل بلوغ الهدف، والأجر العظيم العائد من وراء خدمة الناس وتوعيتهم ومحاولة حل مشكلاتهم قدر الإمكان.

 

ثانيًا: أن تكون منظومة القيم تتناسب مع المرحلة الزمنية من حيث الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

 

لا خلاف على أن المرحلة الحالية مرحلة في غاية الصعوبة، وعدم اجتيازها بنجاح- لا قدر الله- يعني الإحباط الشديد، وتراجع شعبية فكرة المشروع الإسلامي الإصلاحي جماهيريًّا، وصعوبة هذه المرحلة أنها تمر بظروف معاكسة قوية، من مؤامرات ثورة مضادة إلى تعجل غير طبيعي من الناس لتحسين أحوالهم، إلى إعلام يريد الانتقام من كل من انتخب الإسلاميين، إلى ضعف في الثقافة تجعل الحدود الفاصلة بين الحرية والفوضى تذوب في كثير من الأحيان.

 

هذه الطبيعة القاسية لا يمكن أن تغير قانون "التدرج"، ذلك القانون الرباني الذي طبقه الله على نفسه في خلق السموات و الأرض: "إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ" (الأعراف‏:54)‏.

 

لذا.. فإن الوقت أمر حتمي لعملية الإصلاح، وبالتالي نحن نحتاج إلى منظومة قيم لدى الأعضاء ترفع درجة تحمل الضغط النفسي، والصبر على الناس وكثرة الطلبات وتحمل النقد الشديد اللاذع والعمل تحت ضغط، والتمسك بالأمل والثقة بالله والتوكل عليه.

 

نحتاج إلى قيم أخرى توضح فلسفة تولي المناصب القيادية في الإسلام، وكيف تتسق هذه المفاهيم ولا تتصادم مع نظام الترشح في الانتخابات المعمول به في الأحزاب وفي الحياة السياسية، وما هي الدوافع المطلوبة التي تجعل العضو يرشح نفسه ويتولى منصبًا قياديًّا، وكيف تكون طبيعة العلاقة بين المتنافسين، في سبيل بناء تجربة ديمقراطية تتسم بالأخلاق وتنعدم فيها الصراعات والضغائن النفسية.

 

مرونة القيم

عند ما قررت ماليزيا أن تنهض، قررت معها أن يكون لديها منظومة قيم تنهض تتوازى مع هدف النهضة، فوضعت مجموعة قيم ووضعت خطة لترويجها وتوعية المجتمع بها، منها قيمة الوقت والعمل الجماعي والتعامل مع الإحباط، وتوازت مع هذه القيم مهارات كان الهدف منها أن يكتسبها الشعب حتى يسير بسرعة مناسبة مع خطط الحكومة، مثل مهارة تنظيم الوقت ومهارات العمل في مجموعة ومهارات تغيير المهنة، وكان من توفيق الله أن إعلام ماليزيا لم يكن يكره "الماليزيين" و"مهاتير محمد" (رئيس الوزراء وقتها) مثلما يكره الإعلام المصري الإسلاميين ومن انتخبوهم، فساندتهم برامج "التوك شو" في توعية الناس وإكسابهم هذه المهارات.

 

هذا النموذج يعني أن هذه القيم تحتاج إلى أن تتميز بالمرونة، فالقيم لا توضع جامدة لا تتغير مع الزمن والظروف، إنما توضع لتحقيق أهداف معينة في وقت معين ولأفراد بعينهم، لذا فإن منظومة القيم التي ينبغي وضعها لا بد أن تتمتع بالمرونة الكافية بحيث تتوازى مع احتياجات العمل الحزبي، وأن تسد الثغرات التي يضعف أو يهاجم منها كل فترة، لذا فهي تحتاج إلى عين بصيرة ومراقبة مستمرة للقيم المطلوبة، وأن يكون هناك عملية إحلال وتبديل حسب الحاجة وحسب أولويات العمل.

 

وتبقى بعد ذلك آلية بناء القيم، وهي آلية يعرف التربيون مراحلها جيدًا، كما ذكرت في الكتاب القيم (بناء القيم التربوية) للدكتور إبراهيم الديب.

 

لا خلاف أن التثقيف السياسي هام وضروري، إلا أن وجود منظومة قيم تتوازى مع عملية التثقيف السياسي لأعضاء الحزب هام وضروري أيضًا.

--------------------

* Ahmedsalah146@yahoo.com