ما أخيب المعارضة وما أقل شأنها، فالذي يرفع شعار (إسقاط النظام) في ذكرى أعظم ثورة سلمية معاصرة، لهو ناقص العقل، فاقد الرشد، أشرب في قلبه الحقد والغل تجاه كل ما هو وطني أو يمتّ للمصرية بصلة. إن الدعوة لإسقاط النظام لا يعترض عليها شخص حريص على بلده محب له؛ إذا كان هذا النظام خائنًا أو فاجرًا أو فاسدًا أو مستبدًا، وهو ما أنجح ثورة 25 يناير في مواجهة النظام البائد الذي كثر خبثه وشح خيره، أما الدعوة لإسقاط النظام لمجرد الرغبة في السلطة من قبل المعارضين، أو لنشر الفوضى وخلخلة الوطن من قبل الخونة الممولين من الخارج، فهذا عته وجنون، ولن تسمح جماهيرنا الواعية بتنفيذ هذه الخطط المخربة التي لا ينظر أصحابها إلى مصلحة وطن ولا إلى استقرار دولة، إنما ينظرون إلى مصالحهم الذاتية ولو خُرِّب هذا الوطن ولو مُزِّقت أركانه.

 

إننا لو نظرنا إلى النظام الحالي، الذي لم يمض عليه سوى ستة أشهر تخللتها أحداث عصيبة لوجدناه نظامًا محترمًا شفافًا، يعبر عما بداخل كل منا، حريصًا على مصلحة البلد، مجتهدًا في حل مشكلاته المستعصية، ورغم ذلك فإنه لا يسلم من التطاول والخروج عن حدود الأدب، وإلقاء الشبهات حوله، وكيل الاتهامات لمسئوليه، في مقابل غض الطرف عن إنجازاته، ولو كانت هذه الإنجازات في حجم انتزاع السلطة من العسكر، أو إقالة النائب العام الذي دارت حوله الشبهات وكان رأسًا وذيلاً لفلول النظام السابق.

 

نحن بحاجة إلى هدنة لالتقاط الأنفاس، وإعادة الانضباط إلى شوارعنا وساحاتنا المختلفة، وهذا لا يكون إلا بالاعتصام بحبل الله جميعًا، ونبذ الفرقة والانفصام، والانطلاق من أرضية واحدة مشتركة لتخليص البلد مما أصابه من عبث وفوضي، ومن عوز وفقر، فهذه أولويات لا يختلف عليها وطنيان اثنان يؤمنان بفكرة الانتماء، والتضحية من أجل الوطن، وتقديم مصالحه ومطالبه على مصالح الذات.

 

إن الداعين إلى مظاهرات 25 يناير يخربون البلاد، ويعطلون مصالح العباد، ويصرّون على إبقائنا في ذات المشهد الكئيب الذي نعيشه منذ عامين، وقذ فُزِّع المواطنون كثيرًا، وذهب الأمن الذي كانت تتميز به مصر، وحل محله البلطجة والجريمة والفوضى وغياب القانون.. والداعون إلى تلك المظاهرات العنيفة هم من تورطوا من قبل في قطع الطرق وغلق الميادين، وحرق المباني والمؤسسات، والاعتداء على رجال الشرطة والجيش، فوق أنهم يقطعون الطريق على كل محاولة للإصلاح، وكل خطة للانتقال من عهد إلى عهد، وهو ما يجزم أن هؤلاء ليسوا معارضة بمعناها السليم المتعارف عليه وهو أنها وسيلة تقويم وإصلاح للنظام القائم، إنما هؤلاء فاسدون مفسدون، يبغونها عوجًا، خرابًا يبابًا. ليكن الجميع على حذر من تلك الدعوات، وليكن الشباب خصوصًا واعيًا لما يدور على الساحة، فإن بلدنا بحاجة إلى صبر الصابرين وجهاد المجاهدين، وهي بحاجة إلى نبذ العنف وتحكيم لغة الحوار، بأدب وروية، وهناك تجارب عديدة أثبتت جميعها أن الوحدة وسلامة الصف وحب الوطن، تقود إلى النجاة والخروج من المحن بأقل الأضرار وبمكتسبات لا حصر لها، أولها استقرار البلد ورفاهية بنيه، وفي المقابل فإن الشغب والقفز على الحكم بطرق غير أخلاقية، تؤدي إلى خسارة الجميع واتجاه الوطن بكلية إلى نفق مظلم، الجميع فيه ضائعون خاسرون، لا ينجو أحدهم من الموت والغرق.

 

وإني أنظر إلى أصحاب تلك الدعوات المعادية للاستقرار، فأجدهم- جميعًا- مطعون في ولائهم، تفضحهم مواقفهم السابقة، وتعريهم ألسنتهم بما هو مخبوء في قلوبهم، وهم دائمًا أصحاب (لا)، إن قال الناس شرقًا قالوا غربًا وإن قالوا شمالاً قالوا جنوبًا؛ بسبب خيبتهم الثقيلة في عدم القدرة على الالتحام بالمجتمع وحوز أصواته، ومن ثم كان البديل: إفشال أي نجاح، وتعويق أي مسيرة وطنية، والتصدي لأي تقدم نحو النهوض ببلد عاش التيه ما يزيد على الستين عامًا، على أيدي العسكر وعصابات العلمانيين التي تتولى زعامة المعارضة الحاقدة هذه الأيام.

 

وإنني أتوجه بالنداء إلى المسئولين في الدولة، وإلى رئاسة الجمهورية، بأن يرحموا المواطنين من عبث العابثين، فكفى ما جرى على الساحة، على مدار عامين، من مهازل سياسية، ومن عنف وتخريب، وكفى أيضًا (طبطبة) على المخربين، فهناك شعرة دقيقة يا سادة بين الثوريين والفوضويين، بين من قدموا أرواحهم فداءً لبلدهم دون نظر لمكسب أو خسارة دنيوية، وبين من يتقاضى أجرًا للخروج إلى الميدان، وهدم وحرق المباني والمؤسسات تنفيذًا لما يأمره به سادته المجرمون.