- احترام المؤسسة التي تمتلك شرعية الشعب يفوق حكم الدستورية

- اختصاص الدستورية بالفصل في مدى دستورية القوانين واللوائح

- مقتضيات مصلحة مصر في استمرار عمل مجلس الشعب المنتخب

- العسكري خشي أن تكون السلطتان التنفيذية والتشريعية في يد الإخوان

- تهديدات الجنزوري للكتاتني بأن حل المجلس موجود في أدراج الدستورية

- القضاء غير مختص في حلِّ البرلمان بسبب الطبيعة السيادية للمجلس

- عدد من أعضاء الدستورية شاركوا في وضع قانون مجلس الشعب

تحقيق- أحمد هزاع:

 

مجلس الشعب قبل أن يصبح طبقًا للدستور الجديد مجلس النواب هو السلطة التشريعية، ويتولى المجلس إقرار السياسة العامة للدولة والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والموازنة العامة للدولة، ويمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.

 

وعلى مدى تاريخ الحياة النيابية في مصر بدءًا من عام 1866، تعاقبت على البلاد سبعة نظم نيابية تفاوت نطاق سلطاتها التشريعية والرقابية من فترة لأخرى ليعكس في النهاية تاريخ نضال الشعب المصري وسعيه الدءوب من أجل إقامة مجتمع الديمقراطية والحرية، وينتخب رئيس مجلس الشعب من بين أعضائه الناجحين في الدورة البرلمانية بحيث تنعقد جمعية عمومية للمجلس ويتم من خلالها انتخابه رئيسًا للمجلس.

 

ومنذ أكثر من قرن ونصف القرن لم ينتخب الشعب المصري مجلسًا برلمانيًّا بنزاهة مثلما كان مجلس الشعب 2012 الذي يعبر عن الثورة المصرية التي نالت إعجاب القاصي والداني في كل دول العالم ومع ذلك فوجئ الجميع بحل المجلس عن طريق المحكمة الدستورية العليا التي ليس من شأنها حل أي من مؤسسات الدولة.

 

وجاء قرار حل مجلس الشعب في عام 2012 وتحديدًا في الرابع من يوليو في العام نفسه في مفاجأة تعد الأبرز في العام المنصرم وأغرب قضية في تاريخ القضاء المصري؛ حيث تجاوزت الدستورية اختصاصاتها وتخلت محكمة النقض عن القيام بدورها لأنها الوحيدة المخولة بالفصل في عضوية البرلمان.

 

وجاء في نص الحكم وحيثياته أن مجلس الشعب بتكوينه الحالي غير دستوري وذلك بسبب عدم دستورية القانون الذي تم الاعتماد عليه؛ حيث إن عدم دستورية ثلث الأعضاء سينطبق بالضرورة على باقي الثلثين وهذا يعني بصريح العبارة حل مجلس الشعب المصري كاملاً وبشكل واضح لا لبس فيه!!!

 

ورغم توقع أكثر المتشائمين وفي مقدمتهم مقدم الدعوى للمحكمة الدستورية أن الإبطال سيكون للثلث الفردي الذي فاز به أعضاء الأحزاب السياسية وزاحموا المستقلين به، أي أن الحل سيكون لأقل من ثلث المجلس الفردي موضوع الخلاف وتبقى العضويات التابعة للقوائم الحزبية والتي تشكل ثلثي أعضاء البرلمان قائمة فإن الدستورية نصت على حل البرلمان كاملاً في سابقة لم تحدث من قبل.

 

ومن العجيب أن الدستورية تجاوزت في حكمها سلطاتها بوصفها محكمة، وقامت المحكمة بدور سياسي نيابةً عن المجلس العسكري، وقررت من تلقاءِ نفسها حل مجلس الشعب، ولم تحترم مبدأ الفصل بين السلطات فاعتدت على السلطتين التشريعية والتنفيذية وكأنها مدفوعة برغبة عارمة في الانتقام من مجلس برلمان الثورة.

 

وكان يتعين على الدستورية إحالة الحكم من الناحية الفنية إلى المحكمة التي طلبت منها الرأي الدستوري حتى تستكمل محكمة الموضوع النظر في القضية الأصلية، وبالتالي فإن حكم الحل جاء بناء على أسس سياسية وليست قانونية، دون النظر لرغة 30 مليون مصري انتخبوا البرلمان لأول مرة في تاريخهم.

 

ونسي أو تناسى أعضاء الدستورية أن اختصاص المحكمة محدد في النظر في مدى دستورية القوانين واللوائح دون إمكانية إلغائها أو تجاوز ذلك للقضاء بحل البرلمان من عدمه، فحكم الدستورية يتوقف عند القضاء بعدم دستورية نصوص المواد فحسب.

 

فالمحكمة الدستورية تختص بالفصل في مدى دستورية القوانين واللوائح، ومفاد ذلك أن المحكمة تقضى إما بدستورية القانون وإما بعدم دستوريته، وليس لها أن تتجاوز هذا الاختصاص لتقرر الحل من عدمه، ويجب الأخذ في الاعتبار احترام المؤسسة التي تمتلك شرعية وهي مجلس الشعب، كما أن أثر الحكم بعدم الدستورية يعني وقف العمل بالمواد المقضي بعدم دستوريتها ولا يعني إلغاءها.

 

وكان يجب- حتى لو كان قانون مجلس الشعب باطلاً- أن يتم تطبيق نظرية المجلس الفعلي، قياسًا على نظرية الموظف الفعلي، التي تفرضها حالة الضرورة والوضع الراهن والظروف التي تهدد حياة الأمة والحرص على مصلحة الوطن والشعب في وجود واستمرار عمل مجلس الشعب.

 

حق الشعب

ولم تكتف المحكمة الدستورية بإهدار حق النواب المنتخبين، بل أهدرت حق الشعب باعتبار الكلمة العليا للناخبين وليس لأي قاض أو محكمة مهما كانت؛ حيث كان على المحكمة احترام نظرية استمرار عمل المؤسسات خاصة في الأوقات الصعبة التي يمكن أن تهدد حياة الأمة، وأن المبدأ القضائي الدولي الذي ينص على حق الشعب في أن يتبنى نظامًا خاطئًا، وحق الناخبين في أن يكونوا على خطأ.

 

أيضًا كان يجب أن يظل مجلس الشعب قائمًا ليباشر اختصاصاته ، حتى لا يُحدث فراغًا تشريعيًّا، وإجراء انتخابات فور إقرار الدستور الجديد والانتهاء من قانون مجلس الشعب حفاظًا على مصالح الشعب والوطن، وهو ما فعله الرئيس محمد مرسي يوم الثامن من يوليو فور توليه مسئولية البلاد وأصدر قرارًا جمهوريًّا رقم 11 لسنة 2012 بإلغاء قرار المشير محمد حسين طنطاوي بحل مجلس الشعب، ودعوة مجلس الشعب المنتخب للعودة للانعقاد ابتداء من 15 يوليو الحالي لممارسة وإجراء انتخابات مبكرة للمجلس خلال 60 يومًا من تاريخ موافقة الشعب على الدستور الجديد.

 

ومنذ صدور الحكم بحل البرلمان المنتخب الأول بعد ثورة يناير إلا أنه لا أحد استطاع تفسير دافع الدستورية لحله فهناك من قال إن السبب الأول هو توقع المجلس العسكري- حاكم البلاد وقتذاك- التفاف الشعب المصري حول الثورة والتصويت لصالح المرشح الإسلامي الدكتور محمد مرسي وبالتالي ستكون السلطتان التنفيذية والتشريعية في يد الإخوان، وهو ما يشكل خطرًا واضحًا على النظام القديم والقيادات الفاسدة.

 

ومن المثير للجدل أن طريقة انتخاب مجلس الشعب هي نفس طريقة انتخاب الشورى، ومع ذلك حل الأول وبقي الأخير، وذلك لأن مجلس الشورى مجرد هيئة استشارية لا حول لها ولا قوة ولا خوف من وجودها، كما أن تهديدات رئيس الوزراء السابق، كمال الجنزوري، للدكتور سعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب بحل المجلس مدعمًا تهديده بأن حكم الحل في أدراج المحكمة الدستورية وهذا أيضًا يدلل على فساد المحكمة الدستورية.

 

أيضًا كان هناك تخوف من تطبيق النظام البرلماني في حالة فوز مرشح الفلول "أحمد شفيق " في الانتخابات الرئاسية وهو ما يعني أن التيار الإسلامي هو من يدير البلاد عن طريق البرلمان.

 

غرابة الحكم

والمدقق في حكم وحيثيات حل البرلمان يجد كثيرًا من العجائب التي لم يشهدها القضاء المصري من قبل؛ حيث أصدرت الدستورية العليا حكمها التاريخي بعد دقائق من فتح باب المرافعة الشفوية والذي يقضي بحل مجلس الشعب، غير أن الدستورية والقضاء عمومًا غير مختص في حل البرلمان بسبب الطبيعة السيادية لقانون انتخاب مجلس الشعب.

 

كما صدر الحكم بعد رفع القضية بعدة أيام وهي فترة وجيزة جدًا قياسًا على المدد التي تصدر فيها أحكام المحكمة؛ حيث هناك كثير من القضايا منظورة أمامها منذ سنوات ولم تقض فيها حتى الآن، فضلاً عن صدور الحكم مع حكم قانون العزل السياسي، وكلاهما صدر بعد أيام قليلة من تبرئة قيادات الداخلية والرئيس المخلوع ونجليه ووزير داخليته وكبار مساعديه من دم الشهداء!!

 

والغريب أن الحكم صدر قبل يومين من جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية بهدف إحباط مرشح حزب الحرية والعدالة، ولكنها أدت إلى العكس، كما أنه تم تنفيذه قبل أن يبلغ رسميًّا رئيس المجلس وهو ما يعد استهانة بمجلس الشعب المنتخب.

 

ولم يصدر قانون مجلس الشعب إلا بعد صدر التشاور بين كل الأحزاب والقوى السياسية من المجلس العسكري، أي أنه يعبر عن توافق وطني عام، وعمد المجلس العسكري إلى تحصينه، وأصدره في صورة إعلان دستوري يمتنع على القضاء النظر في المنازعات المتعلقة به، وبالتالي فإن الدستورية غير مختصة بنظر هذه الدعوى.

 

كما أن المشاورات التي تمت بين المجلس العسكري والأحزاب السياسية قبل إصدار القانون ضمت عددًا من مستشاري المحكمة الدستورية، وبذلك شاركوا في إصدار هذا القانون الذي أطلقوه فيما بعد.

 

أيضًا كان من الأسباب الواضحة لحل البرلمان عن طريق الدستورية هو التوتر الحاد بين سلطات الدولة الثلاث بسبب إصرار البرلمان على القيام بدور الرقابة على أعمال الحكومة، وإدخال تعديلات على قانون المحكمة الدستورية وهو ما أدي إلى ظهور موقف العداء بين المجلس العسكري وحكومة الجنزوري ومجلس الشعب من ناحية، وبين الأخير المحكمة الدستورية من ناحية وعليه فإن الحكم بمثابة عمل انتقامي ضد مجلس الشعب.

 

بطلان الحل

وكان عدد من نواب مجلس الشعب أقاموا دعاوى قضائية أمام المحكمة ضد كل من المشير محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة والقائم بأعمال رئيس الجمهورية بصفته، مطالبين فيها بوقف تنفيذ قرار حل المجلس لأن هذا القرار أطاح بالمركز الدستوري والقانوني للمدعي على غير سند من القانون؛ حيث إن ذلك القرار قد صدر ممن لا يملك إصداره.

 

وأكد النواب أن الإعلان الدستوري وهو المصدر الذي يحدد سلطات الدولة وصلاحياتها، قد خلا من تخويل أي جهة حق حل مجلس الشعب، كما أن المادة 56 من الإعلان الدستوري قد حددت صلاحيات المجلس الأعلى للقوات المسلحة وليس من بينها حل مجلس الشعب.

 

ويعبر ناصر الحافي عضو مجلس الشعب والمحامي بالنقض عن دهشته من حكم الدستورية بحل البرلمان المنتخب، مضيفًا أنه تقدم ببلاغ يتهم فيه المحكمة الدستورية العليا وأعضاءها بالتزوير في حكم حل المجلس، وقد تم التحقيق معي بتهمة إهانة المحكمة بطريقة غريبة عن القضاء المصري!!

 

ويوضح أن أعضاء المحكمة الدستورية ارتكبوا جريمة التزوير المعنوي المعاقب عليها بموجب نص الماده رقم 213 من قانون العقوبات؛ حيث أرسلت المحكمة الدستورية قرارها بحل البرلمان إلى المطابع الأميرية قبل انعقاد جلساتها وهو ما يؤكد أن الحكم كان مبيتًا ولم تتم دراسة القضية من الأساس.

 

صعود الإسلاميين

ويؤكد النائب محمد العمدة أن حكم الدستورية بحل البرلمان، والذي يعد فارقة في تاريخ القضاء المصري لما له من تأثير سلبي على الحياة السياسية والاقتصادية في مصر خاصة في الفترة الانتقالية- سياسي ولا يمت بالقانون بصلة، مشيرًا إلى أن صعود التيار الإسلامي وحصوله على أغلبية برلمانية أثار قلق القوى السياسية الأخرى خوفًا على مصالحهم.

 

ويضيف أنه أقام دعوى لم ينظر بها لسماع شهادة الدكتور السيد البدوي، رئيس حزب الوفد، حول المعلومات التي كشفها البدوي على قناة دريم 2 يوم 13 قبل صدور حكم حل لبرلمان بيوم واحد، والتي ذكر فيها أن شخصيتين إحداهما قضائية والأخرى قانونية اتصلا به وأكدا له أنهم، سوف يصدرون حكمًا بحل البرلمان.

 

ويطالب البدوي بكشف خيوط المؤامرة التي بدأت من المحكمة الدستورية العليا وترتب عليها العديد من التداعيات الخطيرة آخرها حالة الانقسام التي أحدثتها جبهة الإنقاذ رغم إقرار الدستور الجديد، قائلاً: هناك عدد من النواب غير المنتمين للتيار الإسلامي أكدوا لي أن أحزابهم قاموا بتحريضهم على رفض قرار رئيس الجمهورية بعودة مجلس الشعب في مقابل إعطاء الفرد 5 أضعاف راتبه في 5 سنوات مدة انعقاد البرلمان".

 

ويوضح أن المواطن أنور صبحي درويش مقيم دعوى حل البرلمان كان يقصد الحكم ببطلان ترشيح من ينتمون لأحزاب سياسية على ثلث المقاعد الفردية المخصصة للمرشحين المستقلين وليس حل مجلس الشعب، مؤكدًا أن المحكمة الدستورية العليا تعدت اختصاصاتها ولم يطلب منها سوى الحكم بالدستورية أو عدم الدستورية بالنسبة للقانون.

 

ويشدد على أن حكم الدستورية بحل مجلس الشعب يمثل تغولاً من المحكمة على السلطة التشريعية، مضيفًا أنه كان يفترض أن تقضي المحكمة بعدم الدستورية وأن يكون حكم حل المجلس من عدمه من اختصاص محكمة النقض كما تنص المادة 40 من قانون مجلسي الشعب والشورى.