بعد الدستور لا بد من ضبط الأوضاع لاحتجاجات تعدت كل الحدود ولا أعني بذلك إهمال حقوق المظلومين بل أزيد، إن المشكلة ليست فقط نتيجة تدني الأجور بالنسبة لغلاء الأسعار، بل أيضًا هناك تفاوت هائل في الأجور بين الوظائف المختلفة، هذا صحيح ولكن المعلوم أن انخفاض الأجور ناتج من عقود سابقة وفساد هائل فكيف يمكن رفع أجور الجميع سويًا.

 

- أذكر الجميع "وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (التوبة:105)، وليس بما كنتم تصلون أو تصومون فقط، فلا بد من تحمل كل طرف لمسئولياته أولاً أمام المولى سبحانه ثم أمام  "مصر أم الدنيا" ركيزة نهضة العرب والمسلمين، كل العالم ينظر لثورتنا باهتمام بالغ لما لها من تأثير إقليمي وعالمي.

 

- المطلوب شرعًا وحضاريًّا ووطنيًّا ودستوريًّا بل براجماتيًّا هو حتمية وسرعة تحقيق المصلحة العامة وما يحدث الآن يمثل العكس.

 

- هناك احتجاجات بقطع الطرق العامة نتيجة الانقطاع المستمر لمياه الشرب أو تلوثها مع عدم استجابة الدولة للنداءات الأولية، نحن مع هذه الاحتجاجات لإجبار المسئولين لحل المشكلة.

 

- لكن هل يعقل أن تكون المطالبة بزيادة الأجور عن طريق الانقطاع عن العمل الذي يمثل أصلاً السبيل الوحيد لصاحب العمل لدفع الأجور المتدنية، فضلاً عن زيادتها!! يبدو أن المطلوب هو الوعي بأهمية العمل إسلاميًّا وبالتالي عظم المسئولية التي تقع على الدولة.

 

- "إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ" (المزمل:20) مقارنات متوازنة بدقة بالغة، والمقصود أن واجبنا بشكل عام هو قيام الثلث الأخير من الليل بالتعبد بقراءة القرآن والصلاة، إلا إذا كانت حالتنا تدخل في الثلاثة احتمالات الآتية: المرض، العمل لكسب الرزق، الجهاد بالقتال في سبيل الله، فبهذه الاحتمالات الثلاثة يتم قبول ما تيسر من العبادة، ويعني ذلك أولاً :كل من هذه الاحتمالات الثلاثة تجزأ بالمعنى الشرعي تكفي هنا بديلاً عن قراءة القرآن وقيام الليل، ويعني ذلك قطعًا أن العمل لكسب الرزق لبناء الفرد والأسرة وبالتالي الوطن يوازي ويساوي العبادة.

 

ثانيًا : أن هذه الاحتمالات الثلاثة في حد ذاتها متوازية ومتعادلة، كل حسب أولوياته تبعًا لحالته الدنيوية؛ مما يعني قطعًا أن العمل للكسب هو جهاد في سبيل الله، فالقضية ليست بالبساطة التي يتصورها البعض فقبل الثورة كانت الأمور في مجملها مقلوبة عمدًا وبالقوة المسلحة وبدعم القوى الغربية ونحن الآن في بداية مسار الانعدال تبعًا لهوية وثقافة ومرجعية هذا الشعب وهو صلب ما نحاول إيضاحه.

 

أما من ناحية الدولة فالأمر عظيم والمسئولية تاريخية وقد يكون التقصير نتيجة لكون البلاد في مرحلة انتقالية بين عهدين متناقضين حضاريًّا بنسبة 100% لكن يلزم حتمًا الآن.

 

- لا بد للحكومة من رؤية وبرنامج يبدأ بمصارحة الشعب بتفاصيل صعوبة الأوضاع الاقتصادية ثم يتم عرض خطه زمنيه معقولة من خلال الحوار بين ممثلين عن الدولة وعن العمال؛ لرفع الأجور بنسب تتحملها الدولة مع حتمية تأسيس سبل التواصل بين الدولة والمجتمع عن طريق قنوات معلنة وميسرة للجميع حتى يتم من خلالها التعبير عن الرأي عمومًا، ورفع المظالم المادية خصوصًا حتى لا يضطر المواطنين إلى اللجوء إلى الشارع بالاحتجاجات.

 

- لا بد للحكومة من تسويق هذا البرنامج وآليات التواصل بين الطرفين من خلال وسائل الإعلام (العام والخاص(؛ مما سيؤدى لانخفاض كبير في معدلات الاحتجاجات.

 

- وبناء على ذلك فالدولة عليها الواجب الشرعي والدستوري، بسرعة إنجاز ما يلزم من سن تشريعات قانونية ودفع آليات تنفيذية لتفعيل الإطار الرسمي لعملية التظاهر والاحتجاج السلمي مع حتمية الضرب بيد من حديد على من يخرج على هذا الإطار؛ حفاظًا على أمن وسلامة البلاد، فضلاً عن دفع عجلة العمل والتنمية، ولكلا الطرفين، المسئولين والمحتجين، أقول "إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع" فلا يمكن للطرف الأول حاليًّا من تغيير الأوضاع كلها دفعة واحدة، ولا يمكن للثاني أن يهدأ إلا إذا وجد معالجة مقنعة ولو مرحلية ممتدة، وما قامت الثورة أصلاً إلا لتفعيل وضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع.

 

-----------------------------------------

رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار