نستقبل عامًا جديدًا على مصر الثورة، يحمل بين طياته وفي ثناياه العديد من التحديات التي تواجه مسيرة التحول الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات ونهضة الوطن، وفي المقابل هناك العديد من الآمال والطموحات التي نتوق إلى تحقيقها في هذا العام الجديد للمساهمة في رفعة شأن مصرنا الحبيبة.
ولعل من أبرز التحديات التي تواجه مصر الثورة استكمال عملية التحول الديمقراطي، من نظام شمولي أمني عنصري إلى نظام ديمقراطي حريص على وطنه ومواطنيه، ويعلي قدر الإرادة الشعبية ويعظمها ويحافظ على مقدرات وطنه، ويرسي دعائم دولة المؤسسات القائمة على الحق والمساواة والحرية والتنمية والعدالة وحقوق الإنسان والفصل بين السلطات، ويقضي على المحسوبية والرشوة والفساد والإفساد الضارب بجذورة في مفاصل الدولة الفاسدة التي رعاها النظام السابق.
إن عملية التحول هذه من الصعوبة بمكان يجعل تحقيقها صعبًا إلا بتوافر النوايا الصادقة والإرادة الحازمة والعزيمة الماضية والإدارة الحكيمة؛ فهناك من سيسعى جاهدًا لإفشال تلك العملية؛ لأنه مستفيد من الفساد المستشري، وعلى استعداد لبذل جل ما سرقه من قوت الشعب لعرقلة هذا التحول الذي سيحرمه من البيئة التي لا يجيد الحياة بدونها.. بيئة السرقة والرشوة والفساد وأخذ حق الغير دون وجه حق.
وهناك أيضًا من يدرك أن الإرادة الشعبية والوعي الكبير للمواطين الشرفاء والذي اتضح خلال الفعاليات الأخيرة؛ يمثل حجر عثرة أمام طموحاته ومستقبله المزعوم، فهو مرتبط بمنظومة الفساد التي تعظم من قدراته الضحلة وإمكانياته الوهمية؛ لذا فهو يحاول بكل ما أوتي من قوة عرقلة هذا التحول واختلاق العقبات أمامه حتى ينعم بما هو فيه من مكانة ومكاسب سيفقدها بلا شك حين ترسو قواعدُ الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة.
ولا يمكننا إغفال دور بعض رجال الأعمال المتربحين من النظام السابق الذين تربحوا بطرق غير مشروعة في إعاقة التحول المنشود، ولعل من أبرز أدوارهم المشبوهة توظيف وسائل إعلامهم لتشويه أي إنجاز يتحقق على الأرض وتسفيهه والتقليل منه وتعظيم أي مشكلة أو أزمة والنفخ في بوادر أي خلاف بين أي جهة في أي بقعة من أرض مصر، فبدلاً من أن يستغفروا الله عما ارتكبوه في حق مصر وشعبها ويكفروا عن سرقتهم لأموال الشعب بالعمل الصالح والأعمال الخيرية؛ نجدهم يسارعون في نشر الشائعات والأخبار الضارة التي تثير جوًّا من القلق وتضر بالاقتصاد والاستثمار.
وهناك أيضًا الفاسدون من بقايا النظام السابق والمتجذرون في بعض مفاصل الدولة، والذين يسعون لإفشال أي تطوير أو تقدم وعرقلة عملية البناء التي يريد المخلصون من أبناء مصر القيام بها لنهضة بلدهم، ولعل في مقدمة هؤلاء بعض القيادات الأمنية التي لا تقوم بدورها المنوط بها؛ مما يسهم في تعظيم الانفلات الأمني وانتشار ظواهر البلطجة والاعتداء على الأفراد والممتلكات.
وهناك التحديات الخارجية التي لا يمكن تجاهلها؛ فمصر دولة محورية ومهمة وكبرى في المنطقة، وبتقدمها ونهضتها ستكون القاطرة التي تقود دول المنطقة كلها، ولا يخفى على أحد أن هناك العديد من الدول والأجهزة الكبرى في العالم تستهدف مصر، وتريد أن تجعلها تابعةً لها وغير مستقلة في قرارها؛ لأن ذلك يساعد على تنفيذ مخططاتهم لنشر هيمنتهم ومشروعهم الاستعماري في المنطقة، وتمارس تلك القوى الخارجية العديد من الضغوط السياسية والاقتصادية والإعلامية على مصر لعرقلة بناء مصر الجديدة، وهو ما لن تنجح فيه بإذن الله وبفضله، ثم بوعي قيادة مصر وشعبها وتوحدهم في مواجهتها.
وفي مواجهة تلك التحديات الكبرى تبرز لنا الآمال العظيمة التي تنير لنا الطريق وتشحذ هممنا لمواجهة تلك التحديات؛ فبفضل الله تسير مصر على الطريق الصحيح لبناء دولة المؤسسات وإعلاء قيم الفرد والقانون والدستور والحريات؛ فأصبح عندنا لأول مرة في تاريخ مصر رئيس منتخب انتخابًا حرًّا ونزيهًا، ولدينا دستور جديد كتبه الشعب المصري بنفسه عن طريق ممثليه، وصوَّت عليه، وبعد شهور قليله سيصبح عندنا مجلس نواب معبر عن الشعب وينوب عنه في تشريع ومراقبة أداء الحكومة لبناء نهضته.
ومع بداية إشراق العام الجديد وتنفسنا لأولى نسماته أبهرنا إخواننا العاملون بالخارج بتحويلهم لملايين الدولارات للبنوك المصرية للمساهمة في تجاوز الأزمة الاقتصادية الحالية- التي هي من نتاج بعض الفاسدين بكل أسف- حبًّا لمصر وشعبها، فهذه هي مصر الحقيقية تنفض غبار العناء عن وجهها، ويتكاتف أبناؤها المخلصون لنهضتها؛ فهذه هي الروح المصرية الأصيلة التي يحاول البعض تشويهها والتقليل منها؛ ففي وقت الشدة يظهر المعدن المصري الأصيل، ويبهر العالم كما أبهره في ثورته السلمية، وفي الاستحقاقات السياسية المتعددة، ومشاركته بفعالية فيها رغم كل الصعوبات، فها هم أبناء مصر يتحدثون عن مصرهم الحقيقية ويبنون مجدها من جديد.
وننتظر في العام القادم إن شاء الله المزيد من الإنتاج في مختلف المجالات والمزيد من الاستثمارات التي ستتدفق على مصر من محبيها حول العالم، وقد رأينا سيل الدعوات المخلصة لدعم مصر وشراء منتجاتها والاستثمار بها من العديد من الشخصيات العربية والإسلامية، وستأخذ تلك الدعوات مسارها في الشهور القليلة القادمة بعد استكمال بناء المؤسسات والبنية التشريعية المكملة للدستور والمطمئنة والداعمة للمستثمرين؛ فلمصر أيادٍ بيضاء على العديد من الدول والشخصيات والمستثمرين، وآن الأوان لدعمها في محنتها، وهو ما عبر الجميع عن استعدادهم له بكل حب ووفاء.
ونأمل أن يكون العام الجديد عام محاربة الفساد واجتثاث جذوره لإعادة الحقوق لأصحابها؛ ليستفيد المواطن من كل موارد بلده ومقدراته، كما أن في محاربة الفساد بكل أنواعه وأشكاله دعمًا للاستثمار وجذبًا له واستقرارًا للمجتمع كله.
ونتمنى أن يشهد العام الجديد القصاص العادل والناجز للشهداء، وبخاصةٍ بعد انتهاء لجنة تقصي الحقائق من عملها، وتقديم تقريرها للسيد رئيس الجمهورية في بداية العام؛ فحق الشهداء دين في رقبة مصر كلها حتى تقتص لهم، وهذا ما أقره الرئيس وحرص عليه، وهو ما سيحدث في الشهور القادمة بإذن الله.
ولعل العام الجديد يشهد حالةً من التوافق السياسي المفتقد في المرحلة السياسية، ويعلي الجميع من قيمة وقدر العمل والإنتاج وتعظيم الإرادة الشعبية وتغليب الصالح العام على الخاص وبذل كل جهده لبناء مصر، ونتعايش جميعًا في ظل الدستور الجديد والاختلاف الحميد الداعم للنهضة والباني للبلاد، ولننبذ الشقاق والنزاع، وليحذف من قاموسنا التخوين والإقصاء، ولتتحول جهودنا كلها إلى مليونيات عمل وإنتاج وبناء ونهضة وتسابق في الخيرات.
حمى الله مصر وشعبها ورئيسها من كل مكروه وسوء.