الكَاشِحُ في المعجمين الوسيط والرائد بمعني العَدُوُّ المُبْغِضُ يضمر العداوة ويُخْفيها. ومنها كلمة كاشَحَه أي: عاداه أو أضمر العداوة وأخفاها. وفي معجم الغني كلمة كاشح فاعل من (كَشَحَ)، من مادة (ك ش ح)، ورَجُلٌ كَاشِحٌ "بمعنى مُبْغِضٌ أو ضَامِرٌ لِلْعَدَاوَة، ويقال (كَاشَحَ زَمِيلَهُ فَجْأَةً) بمعنى عَادَاهُ. ومنها كشَحَ يَكشَح، كَشْحًا، فهو كاشِح، والمفعول مَكْشوح. وفي معجم المصطلحات الفقهية كاشح بمعنى العدو اللدود. ويقول بعض الفقهاء يستحب تقديم القريب الكاشح في دفع الصدقة، أي القريب المُبْغِض. ونعني بها بالكاشح في المقال الحالي أولئك السياسيين: إعلاميون وحزبيون ومستقلون الذين يضمرون العداوة لإخوانهم المصريين الإسلاميين وتظهر في ردود أفعالهم وتربصهم بكل ما يصدر عن الإسلاميين سواء كان حقًّا أو باطلاً.
وهنا نتناول أمثلة وتحليلاً لنذر قليل مما يصدر عنهم. تعالوا نعرض لتصريحات لجنة الحوار الوطني في 2/1/13 حول قانون الانتخابات، ونعرف معًا ردود أفعال كاشحة من بعض الكاشحين.
بعد جلسة استمرت نحو 9 ساعات للجلسة السادسة للجنة الحوار الوطني عقد المستشار محمود مكي مؤتمرًا صحفيًّا في 2/1/13 لما انتهت إليه اللجنة من تعديلات لقانون انتخابات مجلس النواب. ومن أبرز تلك التعديلات نظام القائمة المغلقة. وأشار مكي إلى وجود المرأة في نصف القائمة الأول نزولاً على آراء جبهة الإنقاذ التي أرسلوها عبر وسطاء وبالرغم من اعتراضات جميع الأحزاب الإسلامية. كما أشار مكي إلى احتمال مشاركة جبهة الإنقاذ في الجلسة السابعة للحوار الوطني يوم 9 يناير. فماذا كان رد فعل الكاشحين؟.
أوردت قناة "OnTV" 3/1/13 تصريحات جورج إسحق لوكالة "أونا" للأنباء أكد فيها أن جبهة الإنقاذ مستمرة في مقاطعتها للحوار الوطني، وأنها لن تشترك في الجولة التي تبدأ يوم الأربعاء 9/1/13، كما قال إسحق أن جبهة الإنقاذ ستقدم مقترحاتها الواجب كتابتها في قانون الانتخابات من خلال وسطاء وليس من خلال ممثلين عن الجبهة. يا للصلف والغرور يا جبهة الإنقاذ!!؛ حيث قال إسحق "مقترحات واجب كتابتها" وكان من الأدب أن يقول "واجب مراعاتها". وهذه لغة غير مهذبة تنم عن كاشح. للتأكد يمكن الرجوع للرابط: http://www.youtube.com/watch?v=Bn5_sW6SQaM
وفي برنامج صباح أون بقناة ON T V 3/1/13 استضاف مقدم البرنامج ثلاث شخصيات من المعارضة هم حسين عبد الرازق أمين عام حزب التجمع، وناجي الشهابي عضو مجلس الشورى ورئيس حزب الجيل، ود. عصام شيحة عضو الهيئة العليا لحزب الوفد. في ذلك البرنامج ظهرت مكاشحة الضيوف الثلاثة عبد الرازق والشهابي وشيحة. وقد ناقش البرنامج التعديلات التي أقرتها لجنة الحوار الوطني على قانون انتخابات مجلس النواب المقبل بخصوص القائمة المغلقة. الملفت للنظر أن شيحة اتهم الرئيس بالتقصير والتحلل من مسئولياته لعدم تشريعه قانون الانتخابات في غياب البرلمان قبل إقرار الدستور. هل نسى شيحة مدى العنت الذي لاقاه الرئيس من أمثاله في جبهة الإنقاذ عندما أصدر قوانين تنظم الاستفتاء على الدستور؟. لماذا إذن الاتهام للرئيس بالتقصير بخصوص عدم إصدار قانون للانتخابات قبل إقرار الدستور؟.
وهل هذا كان ممكنًا قبل معرفة اتجاهات الدستور الجديد؟. أليس هذا هو أسلوب الكاشح!!.
ومن حيث المضمون ناقش الضيوف الثلاثة عبد الرازق والشهابي وشيحة نظام القائمة المغلقة وأجمعوا على أن الأخذ بنظام القائمة المغلقة يعجز أحزاب المعارضة؛ لأنه وفقًا لوجهة نظرهم يجبر أن تكون كاملة العدد في الدائرة، وأن المعارضة ليس لديها عدد كافٍ من الشخصيات التي تلقى قبول الشارع للوفاء بالعدد المطلوب في القائمة في كثير من الدوائر.
وبالتأمل في هذه الحجة نجد أن هذا الكلام يتعارض مع أقوال المعارضة التي صدعتنا طوال سنتين منذ الثورة بأنهم يمثلون الأغلبية الحقيقية في مصر، كما يتعارض على الأقل مع كلام الفيلسوف حمدين صباحي في مقولته المشهورة عن المعارضة بأنها أقلية كبيرة والإسلاميين أغلبية صغيرة، كيف يكونون أغلبية أو أقلية كبيرة ولا يجدون عددًا من المرشحين المناسبين لخوض الانتخابات في معظم الدوائر خاصة أنها تضم تحالفًا لجميع الأحزاب المعارضة.
ومن ناحية أخرى اعترض الضيوف الثلاثة عبد الرازق والشهابي وشيحة في برنامج "أون تي في" على القائمة المغلقة بحجة أخرى مخجلة لهم لو كانوا يفقهون. وحجتهم تتمثل في أن القائمة المغلقة لصالح الأحزاب التي بها أعضاء مطيعون وأن هذا يتوفر للأحزاب الإسلامية وغير متوفر للأحزاب المعارضة.
ويعتبرون أن هذا عيب في تلك الأحزاب الإسلامية. وكان الأجدر بالثلاثة أن يعترفوا صراحة بسبب اعتراضهم على القائمة المغلقة وهو الخلل الموجود بالمعارضة ويتمثل في أن صفوف المعارضة تضم قوائمهم كثيرًا من المتردية والنطيحة وما أكل السبع الذين ليس لديهم انضباط حزبي، إلا من رحم ربي. أليست الطاعة هي في هذه الحالة هي الوجه الآخر للانضباط والالتزام الحزبي. وهذا يعني أن المعارضة أمامها طريق طويل لتصل إلى فكرة الانضباط الحزبي لتقنع الجماهير بها. وهذا بالطبع يتمشى مع طلبهم القديم للمجلس العسكري بتأجيل الانتخابات خمس سنوات.
حجة ثالثة ساقها الضيوف الثلاثة عبد الرازق والشهابي وشيحة وهي أن تلك الانتخابات لن يستطيع خوضها إلا أصحاب الملايين.
الرد ببساطة: من أين جاءت المعارضة بثمن المليون بطانية. أليس كيلو الزيت وكيلو السكر أرخص من البطانية؟ فمن إذن معه الملايين؟ لو أنكم اشتريتم بثمن البطاطين زيتًا لفاض نهر النيل بالزيت بدلاً من الماء.
وفي ضوء ما سبق يمكن إيجاز الوضع الراهن مع الكاشحين، فيما يأتي:
1. إن الرئاسة تحاول جذب جبهة الإنقاذ للحوار فيرفضون، ثم يرسلون بصلف مقترحاتهم بلغة كريهة من خلال وسطاء. في الوقت الذي يتسولون فيه على موائد الغرب ضد وطنهم. فمن أولى بالحوار معه الغرب أم الوطن؟.
2. إن تصريح المستشار المحترم محمود مكي أوضح مجاملة لجنة الحوار الوطني لآراء مرسلة من جبهة الإنقاذ على حساب الأطراف الإسلامية المشاركة في الحوار. إن مقارنة تلك التصريحات بتصريحات وكلام جبهة الإنقاذ حول عدم المشاركة والصلف الذي يتكلم به إسحاق وغيره، يبين أن ذلك الكرم قد يصلح في جلسات الحلول العرفية، بينما لا يصلح في عالم السياسة. فهذا يضر أكثر مما ينفع؛ لأنها تدفع المعارضين للتطرف طالما أن طلباتهم تتم تلبيتها دون الحاجة للمشاركة في الحوار.
3. إن قناعة المعارضة بالوضع الاقتصادي المتردي، وقناعتهم بأن الضائقة الاقتصادية الخانقة التي تكاد تذهب بالدولة لا تزول شبحها دون عمل سياسي تضامني، وقناعتهم بأن المصالحة هي الأساس الذي يمكن أن يؤدي إلى تفكيك الضائقة الاقتصادية، كل تلك القناعات السابقة التي تؤمن بها المعارضة ويطنطنوا بها، ثم تصميمهم على عدم الحوار والمصالحة لأنهم لا يريدون خيرًا لهذا البلد طالما أن الإسلاميين على قمة الحكم، خاصة أن المعارضة كفرت بالديمقراطية؛ لأن الانتخابات لم تمكن المعارضة من الوصول للانتخابات، خاصة أنهم لن يصلوا لسدة الحكم دون صندوق الانتخابات، وطالما أنهم جربوا صندوق الانتخابات فخابوا وخسروا تلك المعركة الديمقراطية فلا تفاوض مباشر من وجهة نظرهم إلا بعد أن تتحول البلاد إلى أنقاض ساعتها يكونون كبار الخرابة.
4. إن استجداء الحوار مع تلك النخبة الفاسدة لن يأتي بخير. ويجب أن يعمل مجلس الشورى كمجلس تشريعي دون انتظار حوار الطرشان.
5. إن الانتظار الممل لمفاوضات وفاق وطني، سيطول لأن المعارضة تراهن على ضياع الوقت المحدد بشهرين في الدستور لإجراء الانتخابات. وساعتها سيوظفون الحدث في إثبات عدم منطقية الدستور وعدم وجود مؤسسات رسمية فاعلة تنفذ الدستور بأمانة ومسئولية.
6. طالما تم إقرار الدستور، فوجب على الرئاسة ومجلس الوزراء العمل وفقًا للآليات والمؤسسات وعدم الالتفات إلى جدوى واهمة؛ لأن تلحق المعارضة بالعمل الوطني الخلاق والمخلص لهذا البلد.
-------------------
الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج