نقصد هنا بالتضليل الإحصائي المغالطة بالباطل وتلبيس الأمور الإحصائية في تفسير نسبة الفوز للمرشح الرئاسي على عكس الحقيقة. كما نقصد بالتضليل الإحصائي أيضًا المغالطة بالباطل في تفسير نسبة موافقة الشعب في استفتاء الدستور على أنها تعني بطلان الدستور على عكس المعمول به في جميع دول العالم الدستور، وعلى عكس كل المتفق عليه في القانون والتقاليد والأعراف الانتخابية.
في جميع دول العالم توجد نسبة متعارف عليها للفوز في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ولإقرار الدستور، لكي يفوز المرشح الرئاسي لا بد أن يحصل على تأييد نسبة (50%+ صوت) من جملة الأصوات الصحيحة من أفراد الشعب الذين شاركوا في العملية الانتخابية. كما يلزم لإقرار الدستور أيضًا نفس النسبة السابقة في الاستفتاء، ولكن بعد الثورة وخصوصًا بعد أن خسرت المعارضة الانتخابات المختلفة وجدنا النخبة المعارضة لها قول نشاز روجوه بعلم وبغير علم، وضللوا في النسبة الإحصائية التي تعارف عليها العالم كله.
فهذا تضليل إحصائي في النسبة التي تحسم الانتخابات الرئاسية والاستفتاء على الدستور مشبوه بمصالح شخصية.
في الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة (يونيه 2012) شارك في التصويت حوالي (31) مليون ناخب من بين (51) مليون لهم حق التصويت بنسبة (62 %)، وحصل د. محمد مرسي على 16 مليون صوتًا بنسبة (51.5%) من الأصوات الصحيحة، وحصل أحمد شفيق على خمسة عشر مليونًا وثلاثمائة ألف صوت بنسبة (48.5 %).
وبعدها تعالت أصوات المعارضة، وقالوا إن نسبة نجاح د. محمد مرسي (51.5 %) لا تؤهله أن يكون رئيسًا لكل المصريين، وهذا كلام غريب لم يحدث في أي دولة في العالم، يتعارض مع نتائج فرنسا وأمريكا التي يحتج بها النخبة كمثل أعلى لهم في حسم نتائج انتخابات الرئاسة، ففي فرنسا فاز الرئيس ساركوزي بنسبة (50.5%) من الأصوات الصحيحة للذين شاركوا في الانتخابات، ومع ذلك لم يشكك فرنسي واحد في ساركوزي كرئيسٍ شرعي، ولم يفتأت على النسبة بأي شكلٍ كان.
نفس الأمر حدث في انتخابات أوباما بأمريكا، ولم يعترض المحافظون على النسبة للتشكيك والتضليل.. فلماذا هذا الكلام من النخبة؟.. أليس هذا تضليلاً إحصائيًّا من النخبة؟.
وذهب فريق من متطرفي المعارضة - وما أكثرهم- لحساب نسبة الرئيس محمد مرسي بطريقة لا يفهمها عباقرة الإحصاء، ولم يقل بها أي متطرف سياسي على مستوى العالم قديما وحديثا. لقد قال متطرفو النخبة إن نسبة أصوات د. مرسي الحقيقية هي (19%) فقط. وحسبوا تلك النسبة بقسمة عدد أصواته الحاصل عليها على جملة عدد الناخبين في الجمهورية سواء مَن صوتوا أو لم يصوتوا.
وهذا الكلام غير علمي بالمرة وليس له أي أساس، ولم يقل به أي سياسي أو قانوني على مستوى العالم.. أليس هذا تضليلاً إحصائيًّا؟.
الأكثر غرابةً أن بعضهم قالوا إن أصوات د. محمد مرسي في جولة الإعادة يجب أن نُهدرها جميعًا، وأن نحسبها بحيث تساوي فقط الأصوات التي حصل عليها في الجولة الأولى.
يريدون إلغاء كل أصواته لجولة الإعادة وأن يحسبوها فقط وفقًا للجولة الأولى.. فما الداعي لإعادة الانتخابات إذن؟. أليس هذا تضليلاً إحصائيًّا؟.
تضليل إحصائي آخر في حساب نسبة د. مرسي بالجولة الثانية، قالها بعض عباقرة ومتطرفي السياسة لم يقلها أحد في العالم بأكمله، وتقوم تلك المغالطة في حساب نسبة د. محمد مرسي على ضرب نسبة المشاركة الانتخابات (62%) بضربها في النسبة التي حصل عليها في جولة الإعادة، أي (51.5 % × 62 = 33%)، وبالتالي قال هؤلاء العباقرة إن مرسي لم يحصل على أغلبية.. أليس هذا تضليلاً إحصائيًّا؟.
وبعد إجراء الاستفتاء على الدستور في ديسمبر 2012، بلغت نسبة المشاركة في الاستفتاء حوالي (32 %) أي حوالي 17 مليون شخص من أصل (51) مليون لهم حق التصويت. كانت نتيجته حوالي نسبة (64%) قالوا نعم، ونسبة (36 %). وبذلك فإن الدستور أصبح ساريًا منذ توقيع الرئيس على مرسوم إنفاذه في 25/12/2012.
وخرجت الأقلية السياسية ذات الأكثرية في الظهور الإعلامي، تنادي بعدم رضاها عن هذه النتيجة بعد أن شاركوا في التصويت بـ (لا). وكانت أول حجج التضليل الإحصائي أن المشتركين في تصويت الاستفتاء لا يمثلون الشعب لأن نسبتهم 7.5% ممن لهم حق التصويت.
وللتأكد انقر على الرابط: http://www.radiosawa.com/content/egypt-election-committee-says-constitution-approved/216918.html
وخرج علينا أحد جهابذة الإنقاذ حسين عبدالرازق في جريدة المدى 25/12/12 يقول ببطلان الاستفتاء بحجة أن ثلث الناخبين فقط هو الذي شارك في الاستفتاء، وهذا القول فيه مغالطة وتضليل ويمثل طريقة عبقرية للتدليس على إرادة الشعب. فلا توجد سابقة في العالم كله تؤيد قياس شرعية الاستفتاء على الدستور بنسبة من المشاركين.
وخرجت تهاني الجبالي في مؤتمر صحفي بتاريخ 8/1/2013م: تقول إن نسبة الموافقة على الاستفتاء لا تتجاوز 20%. ومن جهتي حاولت فهم كيفية تأويل تلك النسبة، فهداني البحث والتفكير في تصريحات بعض النخبة أنها حسبتها بضرب نسبة الموافقة على الدستور في نسبة المشاركة في الاستفتاء أي (64 × 32.9%). أليس هذا تضليلاً إحصائيًّا؟. وللتأكد انقر على الرابط:
ttp://videohat.masrawy.com/view_video.php?viewkey=c3138421c78c3a5acb72
وفي ضوء تحليل التضليل الإحصائي الذي يروجه النخبة، يمكن استخلاص ما يأتي:
1- إن هذا التضليل الإحصائي ليس نقص معرفة من هؤلاء الساسة بأبسط مبادئ كيفية حساب نسب التصويت ونسب كل مرشح من الأصوات الصحيحة وكيفية تحديد الفائز أو كيفية حساب نسبة إقرار الدستور في الاستفتاء الشعبي، ولا يرجع لجهل منهم بممارسات العالم كله بحساب نسب فوز الرؤساء أو نسب إقرار الدساتير في الاستفتاء الشعبي.
2- هذا يدل على نطاعة وتنطع وحكاوي ناس فاضية تريد أن تضيع وقت البلاد في هذه المناكفات الغريبة.
3- إن هذا التضليل بحساب نسبة التصويت مقارنًا بجملة الناخبين سواء من صوتوا أو لم يصوتوا، تقوم على فرضية مؤداها أن كل من لم يذهب للتصويت كان سيعطي صوته لشفيق ولا يعطي صوته للدكتور مرسي.
4- هل أنزل على المعارضة كتاب من السماء بذلك؟ أو وحي من السماء أو علم بالغيب يجعلهم متأكدين من ذلك التضليل والمغالطة.
أرجو أن يسامحني القارئ الكريم عندما أقول إن النخبة يجلسون ويتسامرون في التضليل الإحصائي بطريقة تشبه قعدة الحشاشة، كلام يقولونه عندما تلعب المسكرات برءوسهم مضحك جدًّا مسلٍّ جدًّا ولا يقله عاقل في العالم، لم يسبقهم لذلك كل السكرانين. افيقوا من ضلالكم الإحصائي فقد أشرقت شمس الديمقراطية الحقيقية على وطننا الحبيب.
الغريب أن معظم عباقرة جبهة الإنقاذ يرفضون نتائج الاستفتاء، وفي نفس الوقت قرروا خوض الانتخابات البرلمانية التي ستتم وفقًا لهذا الدستور الذي يرون بطلانه. أليس هذا اعوجاجًا؟. ويدل هذا التناقض أنهم يعترفون في قرارة أنفسهم بشرعية ومشروعية الاستفتاء والدستور. ألا يدل ذلك على أن رفض نتيجة الاستفتاء يتم في إطار مصالح شخصية؟. إنها مجرد معركة سياسية لمصلحة شخصية، وتنطعا غير حميد.
نرجو أن يكون النقاش حول مشروعية الدستور أو نسبة الفوز في انتخابات الرئاسة منضبطًا بالتقاليد الراسخة في العالم حول نسبة فوز الرئيس أو إقرار الدستور بالاستفتاء، ولا يكون الكلام على هوى ومصالح الساسة.
ارجعوا إلى كل ممارسات العالم قبل أن تتكلموا وتضلوا الناس باستخدام إحصائيات مغلوطة.
وأخيرًا نقول: لقد امتلأت شاشات التليفزيون بالعجائب تجد فيها العجوز المتصابي والعالم الذي يتغابى، والجهول الذي يملأ الأرض سؤالاً وجوابًا. لك الله يا وطني. لقد ضجَّت الأرض بهذا السفه والتنطع. لك الله يا وطني.
ألم يأن لهذه المغالطات والتضليل الإحصائي أن يتوقف، وأن يتنادى الساسة إلى كلمةٍ سواء بعيدًا عن الزيف والهوى.
اللهم اهدِ قومي فإنهم ضلوا عن علم، فقد ضلوا وأضلوا الناس.
------------
* الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج