يتباكى العلمانيون اليوم على الأزهر وتخوفهم الدائم من محاولة أخونته وسلفنته ووهبنته إلى أخر الفزاعات المغرضة والمريضة، ولم يكن هذا عن إيمان بمكانة الأزهر، وإنما هو تكتيك مؤقت لمهادنته وتحييده في صراعهم مع التيار الإسلامي، والحقيقة أن الأزهر قد نال الكثير من الافتراءات على أيدي العلمانيين الذي يكرهون أصلاً تعاليم الدين الإسلامي ولا يطيقونها، التي تقف حائل دون تحقيق ما يصبون إليه، فكالوا له ولرجاله التهم جزافًا دون دليل مقنع، فقد اتهموا رجاله وشبهوهم كرجال الدين المسيحي في أوربا في القرون الوسطى الذين أذاقوا مجتمعاتهم الويل والثبور تحت مسمى "الدولة الدينية"، وادعوا مرارًا أن الأزهر كان السبب في تخلف المجتمع، وكذلك نزعوا عنه كل ميزة وكل جهاد ضد الاستعمار في حين أنهم مدحوا الاستعمار نفسه وزعموا أنه ما جاء إلا لينير العقول التي أظلمها الأزهر، وأرادوا دون حياء أن يحتفلوا بمرور مائتي عام على مجيئه (لاحظ دعوتهم بالاتفاق مع وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني للاحتفال بمرور مائتي عام على مرور الحملة الفرنسية سنة 1988)، وكادوا مسعاهم أن يتم لولا وقوف نفر من هذا الشعب الذي قطع السبيل ضد أعمالهم المشبوهة، كذلك أعادوا نشر الكتب القديمة التي تعادي الفكرة الإسلامية مثل كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، و"في الشعر الجاهلي"، وكتب فرح أنطون، وينشرون أعمال محمد عبده مبتورة لتتسق من سياق فكرهم المنحرف، فعندما نشر كتاب محمد عبده "الإسلام والمسيحية بين العلم والمدنية" نزعوا منه الجزء الخاص بالمسيحية، وتم نشره تحت عنوان "الإسلام بين العلم والمدنية"، توددًا للغرب الصليبي وهذا الفضيحة تتنافى مع أبسط قواعد المنهج العلمي السليم، وعندما ظهر في الأيام الأخيرة اختلافًا مؤقتًا بين الأزهر وبعض التيارات السياسية حول "قانون الصكوك الإسلامية" نفخوا هؤلاء ليزيدوا من هوة هذا الاختلاف ويحولونه إلى صراع متأجج، وتباكوا على الأزهر ودوره التاريخي التي تريد فئة معينة أن تعتدي عليه وتسحب البساط منه وتباكوا طوال الوقت واستغلوا الوضع للهجوم على هذا الفصيل الوطني الذي تخرج معظم رجاله من الأزهر ويحترمون تاريخه ورجاله.
ألم ينسى هؤلاء هجومهم المستمر على الأزهر طوال المائة سنة الأخيرة واتهامهم بأنه يمثل الطاغوت الذي يهدد البلاد ويزرع الشقاق بين أفراد المجتمع وأنهم تجار دين؟!!!
يشبهون شيخه ببابا روما في العصور الوسطى.. هو الحائل دون قيام دولة مدنية حقيقية تنبذ التعصب القائم في الأزهر وفي هذه السطور نقتطف بعض أقوال هؤلاء الذين يتباكون الآن على الأزهر المهدد من التيارات الإسلامية، ويخشون وهبنته وسلفنته وأخونته.. فقد زعم أحدهم (جابر عصفور) في تقديمه للطبعة الأخيرة من كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، الذي تم طباعته في مشروع "ماما سوزان"، فقال: "كان دستور 1923 على وجه الخصوص تجسيدًا لكل ما حققته دعوات الدولة المدنية السابقة من تقدم، وما طرحته أفكار المجتمع المدني من صيغ لصورة المستقبل، ولقد انطوت لجنة الثلاثين (التي صاغت الدستور) نفسها على تناقضات هذا المسار الصاعد سلبًا وإيجابًا فضمت إلى جانب العلماني داعية الدولة المدنية، رجال الدين الأزهري التقليدي النقلي الذي ظل يفكر في الدولة الدينية التسلطية"!!!
وأني أسأل ونقول متى كان الأزهر متسلطًا أو مشاركًا في الحكم وفي أي عصر يا عصفور؟، لقد افتريت في معظم كتبك ومقالاتك على الأزهر ورجاله وتاريخه، وقد انتقد موقف الشيخ العلامة محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية، الذي تمسك بالمادة 149 من هذا دستور 1923التي تنص على الإسلام دين الدولة واللغة العربية هي اللغة الرسمية، وزعمت أن هذا يهدد المواطنة وحرية الاعتقاد وأسس الدولة المدنية، ونقول له وهل تمسك ملك بريطانيا برعاية الكنائس الإنجيلية في العالم، هل هذا هدد الديمقراطية الغربية التي تعتز بها؟، أم أنك تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض ولم لا تناقش أي موضوع تطرحه، من كل الزوايا؟ لا من زاوية واحدة ضيقة تثبت في النهاية أن "الدين هو أفيون الشعوب".
ويقف الدكتور طه حسين الذي افترى على الأزهر كثيرًا في كتبه مثل: "الأيام"، و"مستقبل الثقافة في مصر"- يهلل لإلغاء المحاكم الشرعية عام 1956، ويكتب تحت عنوان "الخطوة التالية"، مطالبًا السلطات العسكرية الحاكمة بإلغاء الأزهر تحت زعم توحيد التعليم كما وحد القضاء، هؤلاء الذين مدحوا أتاتورك وما يزالون؛ لأنه طبق أفكاره المنحرفة بالقوة والغشم.
وفي أوائل الأربعينيات تقرر كلية الآداب رواية الكاتب الإنجليزي جورج برنارد شو (جان دارك)، وفيها بعض التهم التي تكال ضد الإسلام، فيقف علماء الأزهر ضد الرواية ويطالبون الجامعة بوقف تدريسها، فيقف توفيق الحكيم يكيل التهم للأزهر وشيخه الذي اتهمه بأنه يريد أن يمثل دور بابا روما في العصور الوسطى ويريد أن يرجعنا إلى محاكم التفتيش التي تضطهد الفكر والإبداع، وأنه لا حجر على الإبداع والفكر!!.
وعندما صدر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، وقف هؤلاء يهاجمون الأزهر ويتهمونه علمائه بأنهم سدنة الطاغوت الملك فؤاد، وقال كبيرهم أحمد بهاء الدين.
يفترى على هذا المعهد العريق الذي زعم في كتابه "أيام لها تاريخ" يتهم علماء الأزهر بمولاتهم للملك فؤاد فيقول: "أدرك القصة (قصة الخلافة) الأذناب وتجار الدين فبدءوا يبثون الدعوة للخلافة الجديدة التي علقوا بقيامها شرف الإسلام، والمدركون لهذه المؤامرة لا يتكلمون، لا أحد يستطيع أن ينطق بكلمة ضد فؤاد، ولا أحد يجسر على أن يحصب كهنة الدين بحصاة... لم يكد يخرج إلى النور حتى هبت في وجهه الزوابع من جميع الاتجاهات، الملك وأذنابه لأن الكتاب فيه حملة هائلة على الملوك، وتحطيم لحلم شامل لحلم الخلافة البراق ورجال الدين ثاروا؛ لأنهم رأوا في هذا المنطق ما يزعزع سلطانهم، ويعقل منافعهم في الاتجار بالدين، ويكشف عن هذه العمائم التي لا ترتفع إلا لتستر وراءها الظلم والاستبداد"، ويرد عليه الدكتور محمد رجب البيومي قائلاً: "وأني لأساله أين سلطان رجال الدين الإسلامي الذين يخافون عليه؟ أكان في الإسلام كما في الكنيسة سلطان لرجال الدين؟ ومتى كان لهم في مصر حين صدر الكتاب؟!! أليس شيخ الأزهر وهو رئيس هؤلاء موظفًا يولى ويعزل كسائر الموظفين فأين سلطانه إذن؟ ومتى اتجر الأزهريون بدينهم وفي أي قضية عاصرها الكاتب". وهؤلاء العلمانيون الذين ما زالوا ينشرون الكتاب ويتجاهلون رجوع المؤلف علي باشا عبد الرازق سنة 1951 عن أفكاره التي نادي إليها في كتابه في حوار مع المفكر الكبير أحمد أمين في مجلة "رسالة الإسلام"، كما لفت نظري الاحتفاء من قبل مجلة "أدب ونقد" التي يصدرها حزب "توتو"- بكتاب "من هنا نبدأ" للمفكر الإسلامي خالد محمد خالد، الذي تراجع عنه وألف كتاب "الدولة في الإسلام" عام 1981، وأثبت أن الإسلام دين ودولة.
وموقف آخر يستحق الذكر هو قول الشاعر صلاح جاهين "لو كنت مكان نابليون ما اكتفيت بهدم الأزهر ولكن لرميت برجاله في البحر" وقال أيضًا في قصيدة له "على اسم مصر":
زحف الفرنسيس وزحفت قبلهم جواسيس
غايصين لقاعها وعارفين باعها من باريس
وايش عمل قصير الباع.. في القمة
العمة لما اتكلمت وتن صوتها حبيس
غير لما قال البوليس نوروا الفوانيس
وده كفر طبعًا. ولا يدخل لنا في ذمة
اطمن الغرب أن في بلدنا ناس رمة
وانهش يا ديب فينا وأقضى بمنتهى الهمة...
على اسم مصر
أنا لو "نابليون" لكنت عدمتهم تقتيل
ما دمت أقدر أسيح دمهم في النيل
وأخلع ذقونهم وأبين أنها تضليل
ويعلق فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي على هذا الهذر المسمى شعرًا، قائلاً: "أهكذا يكون تزوير الواقع، وتشييع شهداء المقاومة لشريفة؟ ولم هذا كله؟ لنثبت بطريق الخداع أن الدين "أفيون الشعوب" وهو مذهب الشاعر الفكري والعقدي.. ونجيء أيضًا للقصة السمجة، قصة أن علماء الأزهر قاوموا بتعليق المصابيح على البيوت؛ لأن الظلمة طاعة، والضوء معصية! كما يذكر هذا الجهول شوه مضمون القصة ليثبت أن نابليون ما جاء القاهرة إلا لينير شوارعها وعقول رجالها!!! وخلف من بعده قوم رفلوا في عز مبارك، وأرادوا الاحتفال بمرور مائتي عام على قدوم الحملة عام 1998، لولا معارضة الأمة وعلى رأسها الأزهر، في حين تجاهلوا عن عمد تزامن مرور 14 قرنًا على دخول الإسلام مصر، ليرضوا (ماما سوزان) راعية نوادي الروتاري الصهيونية على أرض مصر.
هؤلاء الذين يتباكون على الأزهر اليوم، أن يراجعوا أولاً أقوال أسلافهم التي حاولت هدم الأزهر واجتثاثه ونعته بأسوأ الصفات، ولكن ذهبوا وبقي الأزهر مرجعية لكل التيارات الإسلامية جمعيًّا، وليبين لي هؤلاء القوم أهناك اختلاف بين العلوم التي يحملها التيار الإسلامي وبين العلوم التي تدرس في الأزهر؟ وأين مكمن الخلاف؟ هل للتيار الإسلامي قرآن وسنة غير القرآن والسنة الذي يتخذه الأزهر؟
هل يستمدون هؤلاء وهؤلاء بشيء غير القرآن والسنة وقول السلف الصالح ويؤمنون بأحداث التاريخ الإسلامي وأن الإسلام دين ودولة؟ هل ينكر الأزهر أن الإسلام دين ودولة؟ هل ينكر الأزهر مرجعية الشريعة الإسلامية؟ هل يرضي الأزهر عن شطحات العلمانيين والماركسيين الذين حاربهم في الماضي وتصدى لمخططاتهم؟ فيجيبنا هؤلاء بالنفي أن كان لديهم برهان أو دليل.
والواقع يقرر أن معظم أبناء التيار الإسلامي وكبار رجاله هم من علماء الأزهر وأبناء الأزهر، بل أن بعض القيادات التي لم تتخرج في الأزهر عادت إليه لتحصل على شهادة منه، مثل الدكتور عصام العريان، بل إن الإمام الشهيد البنا كان دائم الرجوع لعلماء الأزهر إذا وجد اعوجاجًا يتهدد المجتمع، ونشاط جماعات التبشير والتنصير في العشرينيات، كما خاطب الكثيرون منهم مثل الشيخ الدجوي، والإمام الأكبر محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الذي شكره على غيرته فكتب في (مجلة المنار) الجزء الخامس والثلاثين عام 1939م يقول: "إن الأستاذ البنا رجل مسلم غيور على دينه، يفهم الوسط الذي يعيش فيه، ويعرف مواضع الداء في جسم الأمة الإسلامية ويفقه أسرار الإسلام، وقد اتصل بالناس اتصالاً وثيقًا على اختلاف طبقاتهم، وشغل نفسه بالإصلاح الديني والاجتماعي على الطريقة التي يرضاها سلف هذه الأمة"، كان البنا وقادة الإخوان من بعده يحترمون الأزهر وعلمائه، فقد قال الإمام الشهيد: "إن الأزهر الشريف هو أمل المسلمين الباقي، وهو مظهر الإسلامية، وله من ماضيه وحاضره وآثاره ما يجعله كذلك؛ فإعزازه إعزاز للإسلام، والنيل منه نيل من الإسلام؛ فموقف الإخوان المسلمين منه المحافظة التامة على مجده وكرامته، والعمل الدائب على إعزازه وإعلاء شأنه وتأييده في كل خطةٍ يُراد بها خدمة الإسلام والمسلمين"، ولك أن تلحظ أن المؤتمرات الجماهيرية التي يعقدها التيار الإسلامي، يكون أغلب الحضور منهم من القاعدة العريضة لرجال الأزهر، وهذا ما شاهدته بنفسي في مليونية الشرعية والشريعة في مطلع ديسمبر الماضي، فقد وجدت آلاف العمائم، تزين المكان، ويكاد أن يتلون باللون الأحمر..
صيحتي لكم أيها العلمانيون: ألعبوا غير هذه اللعبة التي لا تخيل حتى على البسطاء، ولا تفرحوا بإعجاب الشيخ الحالي بكم.