هاجر ويحيى وندى وياسمين و... أسماء كبيرة لأطفال صغيرة، أربع من الأطفال لشقيقتين من الأخوات الفضليات خديجة وإيمان بنتي الأستاذ المبدع محمد علي أحد دعاة الإسكندرية فضلاً عن جنينين آخرين ذهبوا جميعًا مع الوالدتين ووالديهما وأخيهما إلى جوار ربهم في العمارة المنكوبة بالإسكندرية فجر الأربعاء 16 يناير 2013 الموافق 3 من ربيع الأول 1434، نحسبهم شهداء في الفردوس الأعلى من الجنة..!! (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا) (النساء: 69). 

 

تركوا فينا الإخلاص والإيمان والإحسان، كانت حياتهم شعلة نشاط في دعوة الله وفاء وعطاء، إسهامًا وإقدامًا، وكان مماتهم نظرة ربانية وصحوة أيمانية هائلة لقطاع عريض من البشر في الداخل والخارج بل لكل من سمع أو قرأ عنهم وتأثر بهم!! وكأني بهم الجنة يقولون لنا كما قال مؤمن آل يسن لقومه (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ* بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس: 26-27) وأطفال المسلمين عندما يموتون صغارًا يذًكرون معارفهم، ويكرمون آباءهم، ويزينون جنتهم، كيف؟! 

 

لا يفارقون الجنة: الأطفال الصغار عندما يموتون يكونون جواز مرور لآبائهم إلى الجنة، أجمع أهل السنة والجماعة من علماء هذه الأمة أن أطفال المسلمين الذين ماتوا قبل البلوغ أنهم جميعهم في الجنة: " صغارهم دعاميص الجنة يتلقى أحدهم أباه، أو قال: أبويه فيأخذ بثوبه، كما آخذ أنا بِصَنِفَةِ ثوبك هذا، فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة" أخرجه مسلم في صحيحه، والدعموص: دُويبة لا تُفارق الماء، والمقصود أن أطفال المسلمين في الجنة لا يُفارقونها، والصَّنِفَة: طرف الثوب، وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- لأحد الصحابة لما توفي ابنه: "أما يسرك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك؟! " فقال رجل: أله خاصة أو لكُلَّنا؟ قال- صلى الله عليه وسلم-: "بل لكلكم" أخرجه النسائي في (المجتبى)، وابن حبان في صحيحه، وصححه الحاكم. 

 

عصافير الجنة: عن عائشة أم المؤمنين، قالت: "دعي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى جنازة صبي من الأنصار. فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. قال: "أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" وأخرج هذا الوجه الإمام أحمد وأبو داود، والنسائي في المجتبى، وابن ماجة وابن حبان في صحيحه. 

 

مع الولدان المخلدون في الجنة: قال الله تعالى في شأن أهل الجنة: "وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُورًا"(الإنسان: 19) قال ابن كثير رحمه الله: أي: يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان الجنة، مخلدون: أي: على حالة واحدة، مخلدون عليها لا يتغيرون عنها؛ لا تزيد أعمارهم على تلك السن، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والحسن البصري أن المراد بالولدان هنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغارًا ولا حسنة لهم ولا سيئة، وقال الحسن: لم يكن لهم حسنات يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا في هذا الموضع، بينما قال آخرون إن الولدان المخلون يخلقون في الجنة كالحور العين..!!  

 

نموذج رائع لطيور الجنة: يقول مالك بن دينار رضي الله عنه: بدأت حياتي ضائعًا سكيرًا عاصيًا.. وبعد أن رزقت بفاطمة أحببتها وتعلقت بها حتى بلغت ثلاث فتوفيت، يقول: فانقلبت أسوأ مما كنت.. ولم يكن عندي الصبر الذي عند المؤمنين ما يقويني على البلاء.. وتلاعب بي الشيطان.. حتى رأيتني يوم القيامة وقد أظلمت الشمس.. وتحولت البحار إلى نار.. وزلزلت الأرض، واجتمع الناس إلى يوم القيامة.. والناس أفواج.. وأفواج.. وأنا بين الناس وأسمع المنادي ينادي فلان ابن فلان.. هلم للعرض على الجبار فأرى فلانًا هذا وقد تحول وجهه إلى سواد شديد من شدة الخوف حتى سمعت المنادي ينادي باسمي.. هلم للعرض على الجبار يقول: فاختفى البشر من حولي (هذا في الرؤية) وكأن لا أحد في أرض المحشر.. ثم رأيت ثعبانًا عظيمًا شديدًا قويًّا يجري نحوي فاتحًا فمه. فجريت أنا من شدة الخوف فوجدت رجلاً عجوزًا ضعيفًا.. فقلت: آه: أنقذني من هذا الثعبان فقال لي: يا بني أنا ضعيف لا أستطيع ولكن إجر في هذه الناحية لعلك تنجو.. فجريت حيث أشار لي والثعبان خلفي ووجدت النار تلقاء وجهي.. فقلت: أأهرب من الثعبان لأسقط في النار فعدت مسرعًا أجري والثعبان يقترب فعدت للرجل الضعيف وقلت له: بالله عليك أنجدني أنقذني.. فبكى رأفة بحالي.. وقال: أنا ضعيف كما ترى لا أستطيع فعل شيء ولكن إجر تجاه ذلك الجبل لعلك تنجو جريت للجبل والثعبان سيخطفني فرأيت على الجبل أطفالاً صغارًا فسمعت الأطفال كلهم يصرخون: يا فاطمة أدركي أباك أدركي أباك يقول: فعلمت أنها ابنتي.. ويقول ففرحت أن لي ابنة ماتت وعمرها ثلاث سنوات تنجدني من ذلك الموقف فأخذتني بيدها اليمنى.. ودفعت الثعبان بيدها اليسرى وأنا كالميت من شدة الخوف، ثم جلست في حجري كما كانت تجلس في الدنيا وقالت لي: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ") (الحديد:16). 

 

يقول: يا بنيتي.. أخبريني عن هذا الثعبان!! قالت هذا عملك السيئ أنت كبرته ونميته حتى كاد أن يأكلك.. أما عرفت يا أبي أن الأعمال في الدنيا تعود مجسمة يوم القيامة..؟ يقول: وذلك الرجل الضعيف: قالت ذلك العمل الصالح.. أنت أضعفته وأوهنته حتى بكى لحالك لا يستطيع أن يفعل لحالك شيئًا ولولا انك أنجبتني ولولا أني مت صغيرة ما كان هناك شيء ينفعك يقول: فاستيقظت من نومي وأنا أصرخ: قد آن يا رب.. قد آن يا رب، يقول:  واغتسلت وخرجت لصلاة الفجر أريد التوبة والعودة إلى الله يقول: دخلت المسجد فإذا بالإمام يقرأ نفس الآية ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله. 

 

وهذا يحيى مصطفى يحيى تفوق على أقرانه في دراسته في الصف الرابع الابتدائي، وحفظ من القرآن حتى الكهف، وشارك والده كل المحطات الصعبة خلال الثورة في القاهرة والإسكندرية والبحيرة رغم صغر سنه، وبعد وفاته وجد مصطفى ورقة على حائط حجرة يحيى كان قد كتب له فيها قبل رحيله بأيام: في الصحيحين عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه!! وكأنه أراد أن يعزيه ويواسيه والده حتى قبل أن يفارقه...!. 

 

لكننا نحن لا نعزيك يا مصطفى، بل نغبطك على هذا الرقي والفهم والخلق والتربية التي سيبقي نورها يضيء الطريق للسالكين ويهدي العقول للحائرين ويطمئن القلوب للعارفين..!! علمًا أن البلاء اصطفاء واجتباء.. ثبتنا الله وإياكم علي طريق الحق والصواب..!! رحم الله يحيى وهاجر وياسمين وندي وغيرهم من أطفال المسلمين الذين ذهبوا لربهم صغارًا ليكونوا ذخرًا لآبائهم هناك في الجنة، ورحم الله آمهاتهم وألهم ذويهم الصبر والسلوان. 

 

--------------

Alnakeeb28@yahoo.com