الغرور أحد علامات الهزيمة ولو بعد حين، والذي يدَّعي الفروسية وهو لا يفهم مقدار قوة خصمه؛ فارس من خشب؛ سيُكسر مع أول ضربة أو ينغر فيه السوس فيهوي فتاتًا.

 


إنَّ المعارضة التي تتشدق بإنقاذ مصر الآن ألقاب في غير مكانها، وفرسان على خيول من العار تستبيح أوطانها، وتسفك دماء أهلها، خاضوا المعركة وخرجوا منهزمين، رماهم الشعب بسهام من نعاله، وضربهم بسيوف من لعنته؛ لأن الشعب يعلم من هؤلاء، ويعلم أنهم ستار لمخرج كبير يحرك الأحداث من خلفهم، ارتضوا لأنفسهم هذا الدور المشين، فلم يرضَ بهم الشعب الذي قام بثورته العظيمة، اختار الشعب رئيسه الشرعي، وخسر هؤلاء أمام إرادة الشعب، فحاولوا مرة ومرات، فلم يجدوا من الشعب إلا كل هزيمة، مرة في موقعة مجلس الشعب، وأخرى في الشورى؛ ولم يشهد تاريخ مصر إعادات إنتخابات متوالية ومتكررة كما شهد في تلك الأيام؛ ورغم ذلك كله إلا أنهم يفقدون أكثر مما يظنون، حتى أتتالرئاسة فجاءت على الأخضر واليابس من آمالهم.

 

وكان لهم أمل في الدستور وتعطيله؛ حتى لا يكون إسلاميًّا أو شرقيًّا أو إن شئت فقل محترمًا لشعب محترم، وقفوا بالمرصاد؛ حلوا لجنة وربطوا لجنة والله من ورائهم محيط، فجاء الذي أتوا به وبالاً عليهم، وانسحبوا بعد ما اتقفوا وكأنها مفارقة، أو مراهقة سياسية، يتغيرون ويتلونون كالحرباء من غير ميعاد، وأتعجب من تلك القوة العظيمة التي تحولهم وتحركهم وتلونهم بين ليلة وضحاها إنها قوة فاعلة، إنها قوة بيع الأوطان بأبخس الأثمان؛ قوة الخيانة العظمى؛ قوة ذيول الاستعمار وأشباهه التي ما زالت بقاياه في أوطاننا تجوس كالأفاعي لا تخرج إلا لتلدغ أو تسم.

 

سولت لهم شياطينهم أنهم منتصرون، ورسمت لهم صورة الرئيس بشكل باهت ليتمردوا عليه، ووضعت لهم الخطط والتدابير لمحو تلك الصورة بالكامل؛ فأعطت لهم كل آلات القشط والتزييف؛ لكن الشياطين نسوا بأن هؤلاء لا يجيدون فن النحت أو التصوير، إنهم يجيدون فن السرقة فحسب، ظنوا أن الرئيس لحمًا طريًّا في جولة أو جولتين سيأتي لهم بالقربان يقدمه إليهم، أو يقدمونه هو قربانًا لسادتهم، وأبى الله إلا أن يكون فوقهم ظاهرًا، وأبى الله إلا أن يتم ثورته ولو كره الشياطين.

 

يتجمعون تحت صورة سعد زغلول ولو رآهم "سعد" لعاداهم كما عادى الإنجليز، ويقفون بجوار صورة عبد الناصر، وكأنَّ القدر يصر علينا بألا نفرق كثيرًا بين الاثنين. إن هؤلاء العجائز وعرائس الليلة الكبيرة لا بد أن يعلموا بأن الحرب ليست لهم، فقد قلنا من زمن: لقد سقطت أقنعتكم، وإن كان الرئيس يحلم عليكم فإن وراءه شعب يحنق عليكم؛ يقطع سلاسل الصبر ليفتك بكم.. ليعلم هؤلاء أن الحلم غير الجبن، وأن الصبر غير الاستكانة، وأن الحرية غير الفوضى، وأن الأسد رابض غير مريض، فلا تغرنكم أموالكم التي توزعونها على المأجورين من بسطاء العقول؛ فستنفقونها ثم تكون عليكم حسرة ثم تُغلبون.

 

مثلكم كمثل طفل رأى شابًّا جلدًا يجري؛ فاستوقفه، وعاتبه على قوته، لمَ لم أكن مثلك؟!!! وهو لا يعلم أن الحياة موجودة قبله بسنين، وأنه في الحياة تحصيل حاصل، نعم؛ فلا يستوي من قدم شهداء مع من قتلهم، ولا يستوي من حارب الانجليز منذ عشرات السنين مع من درسها فى مناهج التاريخ، لقد كنتم طلابًا تدرسون تاريخ هزائم الإنجليز في مصر حين كان الإخوان هم من صنع هذا التاريخ؛ ولا يستوي من صنع الحدث مع من قرأه أو علَّق عليه، لا يستوي من حارب اليهود مع من يساندهم، لا يستوي السجين والسجان، لا يستوي الثائر الحق مع المرتزقة ذيول الاستعمار، لا يستوي الشاب الفتى والطفل الصغير، فلتنزعوا الحقد من قلوبكم؛ وإلا فسيقتلكم بسمومه.

 

إن المسئولية اختيار الله؛ والله أعلم حيث يجعل رسالته؛ فمصر أعظم من أن يحكمها علماني أو سكير أو "كومبارس" لأفلام يوسف شاهين، ويدعي أنه زعيم؛ مصر أكبر من هؤلاء جميعهم.

 

-------

* سوهاج.