في 30/9/2010 ذهب رهط من المثقفين إلى قصر الاتحادية، عندما سمعوا بيان الدكتور علي الدين هلال وهو يعلن عن نية الرئيس السابق حسني مبارك ترشحه لفترة رئاسية سادسة، ذهبوا يباركون ويؤيدون ويلتحمون بالرئيس بعد أن لفظهم الشعب نتيجة استعلائهم المستمر عليه، ذهبوا يلوذون بالبيادة التي تدر عليهم الذهب والخير كله، ففي ظل مبارك حصدوا الجوائز وتولوا المناصب وطبعت لهم الكتب حتى لو رصت في مخازن وزارة الثقافة لأنها لا يقبل عليها أحد، وذهبوا إلى أوروبا يتريضون ويرفلون في النعيم، كانت المنابر الثقافية حكرًا عليهم وحدهم، ذهب الوفد المكون من: أنيس منصور، والسيد ياسين، وصلاح عيسى، ومحمد سلماوي، وخيري شلبي، ويوسف القعيد، وجابر عصفور، وغيرهم.. ذهبوا كعادتعم في الحج دومًا إلى قصر العروبة يؤيدون ويباركون خطوات الرئيس الملهم، حكيم العرب، منشئ مصر الحديثة وباني نهضتها كما رددوا وسودوا عشرات الآلاف من الصفحات في تمجيده، ويباركون أيضًا خطوات زوجته التي كانوا يمشون في ذيلها، ويمسكون لها ذيل فستانها، بينما البلاد تغلي والثورة على الأبواب.. وتعجبت من هؤلاء وعندما التقيت بأحدهم بعد قيام الثورة وهو صلاح عيسى اليساري الذي كان يكتب في ست مطبوعات مختلفة الأيديولوجيات في آن واحد، وسخر من جريدة (القاهرة) بوقًا لتحركات الوزير الفنان فاروق حسني، الذي أجهز على الثقافة المصرية التي أنتجت في عصره أسوأ ما عندنا، قلت لعيسى: الناس غاضبة منك لتحولك العجيب وهم الذين يعرفون عنك قربك من النظام البائد ومدحك لمبارك ونظامه وذهابك المستمر إليه في كل المناسبات، فظهر الضيق على وجهه كعادته، ولكن تمالك نفسه وكظم غيظه، وقال: ذهبنا إليه لننصحه للعودة إلى الجماهير كما كان يفعل في بداية حكمه، وقلت ليوسف القعيد يكلمه في هذا، فتنحح القعيد للخلف، وقال: (لا.. كلّمه أنت) وامتنع الجميع، وهنا استجمعت قواي لأحدثه عن غلاء الطماطم التي وصل ثمنها إلى خمسة عشر جنيهًا، وسلبية الحكومة القائمة تجاه هذا المشكلة، فاقترحت عليه أن يطبق سياسة عبد الناصر عندما تصرف مع نفس المشكلة آنذاك وفتح مجمعًا لبيعها في ميدان التحرير، وهنا قاطعته (وبلعت منه حدوث هذا الحوار مع مبارك... فوتها هذه المرة): فلو حدث أن فعل مبارك هذا من الممكن أن يجمع تجار السوق السوداء هذه الكميات ويبيعونها للناس بأسعار عالية، فرد على: هذا الأمر يختلف مع الطماطم لأن لا تخزن وستفسد..
ذهب عيسى ورفاقه إلى مبارك ليناقشه في المشكلات العويصة ومنها غلاء السلع الغذائية التي تمت في مثل هذا الموعد قبل عامين وكانت العجلة دائرة وهناك السياحة والمصانع تعمل، والعاملون بجهاز الدولة يقبضون مرتبات ضئيلة تتراوح بين 60 جنيهًا وأقصاها 600جنيهنصفهم من العمالة المؤقتة الذين كانوا يعملون بنظام السخرة والاستعباد، وهؤلاء زادت مرتباتهم بعد الثورة أضعافًا أضعافًا.. لم يعتبر صلاح عيسى هذه مشاكل طالما تنقده الدولة ونظامها الفاسد، عشرة آلاف من الجنيهات نظير رئاسته لتحرير "جريدة القاهرة" التي لا توزع سوى ألفي نسخة، وهي خسارة فادحة تتحملها الدولة من أجل إرضاء الرفيق صلاح عيسى، والجدير بالذكر أن الجريدة لا تمنح الكتاب فيها سوى خمسين جنيهًا على المقالة، أما الرفيق الذي يتشابه مع عادل إمام فيأخذ نصف ميزانية الفيلم (أقصد الجريدة)، ومن كواليس هذا اللقاء أن الكاتب والمحلل السياسي السيد ياسين وهو مصاب بمرض البروستاتا ويحتاج للذهاب للحمام باستمرار فكتم بوله في داخله لأنه ممنوع من التحرك لإجراءات أمنية، وغلف آلامه بالابتسامات حتى يرضى الفرعون وينال عطفه وإحسانه، وفي نفس الوقت ينال عطف الهانم سوزان في مشروع النهب للجميع (أقصد القراءة للجميع)، ومن عجب أن يتحول ياسين بعد الثورة ويكتب وينظر لثورة يناير ويألف عنها كتابًا "ثورة 25 يناير بين التحول الديمقراطي والثورة الشاملة"، ومن كواليس اللقاء أن مبارك ربت على كتف الروائي يوسف القعيد وشد من أزره وظل القعيد يفتخر بهذا الحنو فترة طويلة، الأمر الذي جعله من الرافضين للقاء الرئيس مرسي مع من قابله من المثقفين والفنانين وانضم معه وحيد "بتاع الجماعة".
ومن ضمن الحضور كان أنيس منصور الذي ظل يمدح مبارك حتى تنحيه ولما تنحى انهال عليه بالسباب واللعنات فقال: "أما مبارك فلم يكن زعيمًا وورث ثروة مصر بدون أي مجهود مثله مثل واحد يجلس بجوار سائق تاكسي وفجأة ضرب هذا السائق بالنار فأخذ مكانه، لقد تسلم مصر جاهزة فلم يقل شيئًا ولم يفعل شيئًا فقط رفع العلم على طابا وأشهد أن حكاية الضربة الجوية لم يكن له فيها دور فقد كانت طلعة جوية عادية "ما فيش حاجة اسمها الضربة الجوية"، وقد سأله في مؤتمر صحفي عالمي صحفي صهيوني أنه لم يسمع أحد عن هذه الضربة وطلب منه معلومات عنها فأجابه "بعدين ح تسمع".
لقد عاش مبارك طول عمره خائفًا وهو أكثر الرؤساء تعرضًا لمحاولات الاغتيال فقد تعرض لعشرين محاولة". أما عن سوزان مبارك، فيقول أنيس منصور "خطيئة السيدة سوزان أنها كانت تريد ابنها جمال رئيسًا مثل زوجها، زوجة رئيس وأم رئيس مثل السيدة الأمريكية بربارا زوجة الرئيس بوش الأب وأنا أشبه السيدة سوزان بـ"الأرملة السوداء" في عالم العناكب فهي بعد أن تتزوج الذكر تقتله وتحتفظ به حتى تبيض ويفقس البيض ويخرج الأبناء فتقدم جثته لهم فيأكلوه وهي تتزوج في اليوم خمس مرات وفي كل مرة تقطع زوجها لأولادها وسوزان هي هذه الأرملة السوداء!".
ومنهم جابر عصفور الذي ظل يمدح الأنظمة الديكتاتورية ويمجد فيها بدءًا من عبد الناصر وحتى مبارك، ولم يترك عصفور ديكتاتورًا إلا وحج إليه، يعرض عليه خدماته... منهم صدام حسين، ومعمر القذافي الذي نال جائزته للآداب في دورتها الأولى عام 2010، قبل سقوطه بأقل من سنة وسط انتقادات حادة من قبل مثقفين عرب، خصوصًا بعدما تردد أن الكاتب الإسباني "غوان غويتسوول" ورفض الترشح لنيلها.
غير أن عصفور اكتشف فجأة أن القذافي ديكتاتور ويذبح شعبه، فقد كان خافيًا عليه مدة 42 سنة قضاها القذافي الحكم يسوم شعبه سوء العذاب، نفس المنطق طبقه مع مبارك، فقد كان من المقربين منه يمدحه طوال الوقت واشترك في إرهاب معارضته بالكتب الموجهة وعند رحيله (طلع فيه القطط الفاطسة)، وتولى عصفور منصب وزير الثقافة في حكومة الفريق أحمد شفيق التي شكلها الرئيس المصري السابق حسني مبارك. ولم يستمر في منصبه سوى بضعة أيام قدم استقالته بعدها إثر مشادة مع وزير الإعلام في حينها أنس الفقي، الذي اعتبر أن الحكومة هي حكومة الحزب الوطني الحاكم، في حين كان يراها جابر عصفور وزارة ائتلاف وطني تسعى إلى إصلاح الوضع.
وعندما واجهه الكاتب الصحفي حسن عبد الموجود وندد بمواقف جابر عصفور وقبوله الوزارة على جثث الشهداء الذين قتلوا يوم جمعة الغضب وقبل الوزارة ليجمل صورة مبارك الذي صنعه وجعله في أرفع المناصب والأماكن ومنحه الجوائز وقربه إليه، يظهر أن عصفور كان يسكن المريخ ولم يسمع عن هؤلاء الشهداء وهؤلاء الثوار الذي سخر منهم سيده شفيق، وقال سنرسل لهم البونبوني إلى ميدان التحرير، ورد له الجميل بعد ذلك حيث أعلن على الملأ انتخابه له في انتخابات الرئاسة، وقد رد عصفور وهو يبكي ويتحصر ولكن هي دموع التماسيح فقال: "لم أكن أتخيل هذا الكم من الإيذاء الذي نالني بسبب الخطأ الذي ارتكبته دون أن أدري، ومن منطلق نوايا وطنية، خالصة وبريئة، عندما قبلت منصب وزارة الثقافة، حين دعاني الفريق أحمد شفيق لأن أكون معه في وزارة لإنقاذ الوطن وعلي هذا الأساس قبلت المنصب، ولكن أثبتت لي الأيام التالية أنني أوقعت نفسي في شراك عصابة من الوزراء الذين أصبح كثير منهم في السجون وجعلت من نفسي هدفًا لافتراءات لم تنته إلى اليوم، ولذلك أجد نفسي مضطرًا لوضع النقاط على الحروف للمرة الأخيرة، كي تتبين الحقائق التي تسعى هذه الافتراءات إلى تشويهها نعم أخطأت حين قبلت هذا المنصب، وليس لي من عذر سوى أنني سرعان ما استقلت منه، وما كان لي أن أستقيل إلا بعد أن اطمأننت على أن المتاحف الفنية الخاصة بوزارة الثقافة ومنشآتها قد أصبحت آمنة، وتحت حراسة محكمة، وتأكيد عدد من التوجهات الجديدة التي تتفق مع شعارات ثوار التحرير الخاصة بالحرية وعدالة توزيع الثقافة والخروج من مركزية القاهرة، وزملائي من قيادات الوزارة شهود على ذلك، وأغلبهم باقٍ في منصبه، شريف في عمله، نزيه في توجهه الوطني، وعندما شاهدت موقعة الجمل، ورأيت صور الشهيدات والشهداء للمرة الأولى في برنامج من تقديم عمرو أديب شعرت بالغضب على المجرمين الذين ارتكبوا هذه الجريمة الشنعاء، وزاد غضبي معرفتي بجرائم القناصة، وغمرني حزن قاهر أدى إلى تساقط الدموع من عينيّ وزوجتي لأننا رأينا في صور الشهداء التي عرضها عمرو أديب صور أولادنا وبناتنا وكانت النتيجة أنني ذهبت لحضور الجلسة الأولى والأخيرة لي في مجلس الوزراء، وكلي تصميم على أن أتحدث باسم هؤلاء الشهداء الذين لم نعاقب قتلتهم إلى اليوم وعندما بدأت الجلسة رسميًّا استأذنت رئيس الوزراء في الكلام في ثلاثة موضوعات، ومن المؤكد أن كلامي لا يزال موجودًا إلى اليوم في محاضر مجلس الوزراء، ويمكن لمن يريد الرجوع إليها أن يفعل".
وعندما اتهمه الكاتب بتقربه من الرئاسة وتعرفه على سوزان مبارك أثناء إعطائه الدروس الخصوصية لجيهان السادات وهي تدرس في قسم اللغة العربية بآداب القاهرة، فينفي حدوث ذلك قائلاً: "ليتني كنت صديقًا مقربًا حقًّا في منازل الرؤساء؟ علي الأقل كنت سأقول لهم باستمرار عن حقيقة أوجاع الشعب المصري الذي لا يزال يعاني الهوان حتى بعد قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير"، (على عمه.. العب غيرها)، وقلت سبحانك ربي، فمن الذي ألف الكتب الموجهة ضد المعارضة الإسلامية بعنف ليرضى الفرعون العظيم، ويتغاضى عن القتل والسحل والسجن والتعذيب الجهمني الذي فاق محاكم التفتيش في الأندلس، ومن يعجب أن يردد العصفور في سلسلة مقالات له بالأهرام نشرت أخيرًا، ما كان يذيعه في الماضي إرضاء لمبارك وحسن أبو باشا وفؤاد علام وزكي بدر وحسن الألفي وحبيب الألفي وحسن عبد الرحمن، فيكرر نفس الأفكار العقيمة التي عفا عنها الزمن والتي ثبت بأن مصدرها أجهزة الأمن الرهيبة فيكتب تحت عنوان: "تلازم الاستبداد والتطرف الديني"، و"تراجع خطاب التنوير والدولة الدينية"، و"علاقتي بالتنوير والدولة الدينية".
والسؤال المطروح هل رد عصفور جائزة القذافي (وقيمتها مليون جنيه) إلى الشعب الليبي كما صرح بذلك بعد اندلاع الثورة الليبية؟!! ونفس السؤال يوجه إلى الدكتور محمد صابر عرب وزير الثقافة السابق، الذي استقال احتجاجًا على استخدام ما زعم أنه عنف مفرط ضد المعارضة، وكان الأولى به أن يحذو حذو سلفه فيرد قيمة جائزة الدولة التقديرية التي استقال من أجلها من وزارة الجنزوري.. قيمة الجائزة 300 ألف جنيه وميدالية ذهبية. هؤلاء الذين يحاربون الرئيس مرسي قبل أن يكمل ستة أشهر في مدته، وقد صبروا على الفساد والاستبداد وحكم البيادة ستين عامًا طالما صب في مصالحهم الضيقة على حساب الوطن.
-------------