لقد أدرك العرب حتى قبل الإسلام أثر الكلمة وخطورتها وفاعليتها في التوجيه ومن ثم اعتنوا بها وأحاطوها بسياج من الفصاحة والبلاغة.
وما عهدت الدنيا أسواقًا تعقد للكلام إلا في بيئاتهم وعلى هذا سار الإسلام، منبهًا على أهمية الكلمة، وفائدتها بل إن القرآن، وهو أفضل الكلام على الإطلاق وأخلده وأعجزه نزل ليعلن علو قامات العرب، وهمهم في استخدام الكلمة، وصياغة الدرر المنثورة منها ويذهب الإسلام إلى أبعد من ذلك عندما يؤكد نبيه صلى الله عليه وسلم أن دخول هذا الدين يكون بكلمة وأن الخروج منه يكون بكلمة أيضًا.
وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بألا يرفعه الله بها درجة وأن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم".
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يوصي معاذ بن جبل قائلاً له: "ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروه سنامه"، قال بلى يا رسول الله قال صلى الله عليه وسلم: "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروه سنامه الجهاد في سبيل الله".
ثم قال صلى الله عليه وسلم لا أخبرك بملاك ذلك كله قال بلى يا رسول الله فأخذ رسول الله بلسانه ثم قال كف عليك هذا.
فقال معاذ أو إنا مؤاخذون بما تتكلم به ألسنتا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم".
ويأتي القرآن مجملاً ذلك، ومؤكدًا له في رقابة المولى سبحانه على ما يلفظ به الإنسان من قول كما في محكم التنزيل لما قال سبحانه (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)) (ق).
وما هذه الأحوال التي تعيشها مصرنا الحبيبة إلا دليلاً على الانقسام الفكري وتعدد معايير الاختلاف والتراشق بالألفاظ والكلمات النابية وإطلاق الأحكام والفتاوى على عواهنها ممن يعرفون أو يهرفون تلكم المعايير النابعة من الموروث الثقافي للفرقاء المتراشقين.
وبين هؤلاء وأؤلئك يبقي الوطن حائرًا ممزقًا غارقًا في دمائه يشكو رث ثيابه التي يحاول البعض إلباسه إياها محاولين هدم الدولة ممثلة في مؤسساتها وكيانها وسلطاتها ولا يعلم هؤلاء وأؤلئك أن المعبد سينهدم علي الجميع وان الخيار الوحيد لراغبي التعبير هو العمل من اجل هذا الوطن الذي يحيا الجميع في ظلاله.
وتبقى الغاية في الحوار الذي هو المنطلق الحقيقي والوحيد إلى نهوض مصر وقيامها من عثرتها وتجميع مجهوداتها لمعالجة هذه الانقسامات غير المسبوقة في تاريخ الأمة.
ولن يكون ذلك إلا بتحقق الشرط الأصيل لإنجاح هذه الحوارات في تحرير المفاهيم والمضامين للمصطلحات وللكلمات المتداولة بين الأطياف الوطنية أملاً في خدمة الوطن ونهضته لا تدميره وتقويضه حتى يتحقق للمتحاورين الحديث بلغة واحدة بعيدًا عن الكلمات الطائشة والحوارات البائسة.