لاحظنا الترويج الإعلامي لضرورة قيام الطرف الرابح ديمقراطيًّا بتقديم التنازلات المطلوبة للخاسر وإلا الدفع للحرب الأهلية، والمنطق يؤكد أنه لا توافق ولا تفاوض جاد بدون أن يذهب كل طرف لأخر المدى بشتى الوسائل حتى يحدث انكشاف للأوزان والقوة الفعلية على الأرض، وهو ما يحدث منذ تنصيب الرئيس حتى الآن.

الحرب الأهلية غير محتملة في مصر حتى مع الاغتيالات السياسية لأنها تحتاج إلى كتلة كبيرة من البشر تحارب بالسلاح كتلة أخرى كبيرة بشرط وجود تقارب ولو بسيط في الأحجام، وذلك غير متاح ويستحيل وجوده، لأن الأغلبية في زيادة مستمرة منذ قرون مقابل الأقلية التي تتراجع لعدة أسباب، الأول :قلة الإنجاب مقارنة بالمسلمين، والثاني: هو الهجرة، والثالث: التحول من المسيحية إلى الإسلام، والنسبة الآن هي حوالي 6% مقابل 94% للمسلمين، والمسيحيون ليسوا أقلية لأنهم شركاء وطن بنفس عادات وتقاليد الأغلبية بعكس أقليات الدول الأخرى، أما التصنيفات الأخرى ليبرالي، يساري، علماني فلن يزيدوا على 20% وبالطبع كل هؤلاء لن يحاربوا ضد الشرعية الديمقراطية، بل سيصوتون عكسيًّا في الانتخابات وهو أمر طبيعي. ما حدث من عنف تم عن طريق فئة من المأجورين والبلطجية لم نرهم أثناء الانتخابات والاستفتاءات ولن تراهم أثناء تحرك الأغلبية لحماية الشرعية.

ويضاف لذلك "المفارقة العكسية" بين الإسلاميين والعلمانيين، فمنهج قليل من الإسلاميين كان أحيانًا بالعنف المسلح ضد المخلوع المستبد، قد يكون مفهومًا لانسداد قنوات التعبير السلمية وبالرغم من ذلك قام الإسلاميون بمراجعات فكرية وتحولوا للمنهج السلمي. والمؤسف أن العلمانيين اتخذوا منهج العنف المسلح في عهد الحرية بعد الثورة كما حدث قبل الاستفتاء وفي ذكرى الثورة، وهو أمر ليس فقط مخزيا بل عجيبا لأنهم يهربون من صناديق الاقتراع ويتخيلون أنهم بذلك يستطيعون الفوز بدعم الشعب.

كما أن الشعب قام بأعظم ثورة سلمية حضارية، ليس فقط ضد نظام الحكم مثل حركة يوليو 1952 بل أيضًا ضد الغزو الثقافي العلماني، لم يتحرك المصريون أبدًا منذ قرون طويلة إلا سلميًّا حضاريًّا. لقد سقط المخلوع نتيجة للضغط السلمي ولم يسقط من قبل بسبب الحركات المسلحة.

طالما الأمر كذلك بخصوص التركيبة الشعبية وطالما أن منهج الشعب سلمي حضاري وكذلك الأحزاب الإسلامية التي تمتلك الشعبية.

 فلا أساس للحرب الأهلية في مصر كما يتصور البعض خطأ أو عمدًا. وذلك بالمنطق، فما بالكم إذا كانت مصر مدعومة ربانيًّا بتأكيدات قرآنية لا مثيل لها لبلد آخر.

شرعية الحكم والرئيس لا خوف عليها لأنها جاءت بالانتخاب لأول مرة ولا يمكن أن تسقط إلا بالانتخاب أو بالجرائم، وليس بالأخطاء، إذا زاد العنف لإسقاط الشرعية) بعيدًا عن المنهج السلمي) فيعني ذلك أنها مؤامرة من "مراكز قوى" وليس "معارضة سياسية" وهنا إما ستتولى الأجهزة الأمنية حماية الشرعية لتأكيد انتمائها للثورة والشعب وإما أن يتولى الشعب ذلك (بدعم الأحزاب الإسلامية والرأي العام) وبالنسبة للجيش فلا يوجد عنده لا الرغبة ولا القدرة على مواجهة الأغلبية التي إذا تحركت لا بد أن ينصاع وراءها كما حدث سابقًا، صحيح أن الجيش قام بحماية الثورة أيام خلع المخلوع لكنه لم يكن يستطيع العكس مطلقًا، فضلاً عن أن موقف القيادات العسكرية الحالية أفضل من السابق، في كل الأحوال نحن بعيدون تمامًا عن الحرب الأهلية لأن حركة الأغلبية لن يحاول مواجهتها أحد بالقوة. نقطة الحسم يقررها الشعب وحدة (كما حدث سابقًا) وخلفه الأحزاب الإسلامية ولا يقررها المتصادمون مع المنهج السلمي كما يتخيلون لأنهم لم يتكيفوا مع الاختراع المصري "الإرادة الشعبية الحركية السلمية".

إسقاط الشرعية الديمقراطية بالعنف معناها أنة لم يحدث في مصر ثورة. معناها إسقاط المشروع الإسلامي وعودة النظام البائد برموز جديدة مع استمرار الغزو الثقافي.

الاستفزازات والخسائر الحالية في الأرواح والممتلكات مؤسفة للغاية لكنها لا يمكن أن تكون سببًا لتراجع المصريين والأحزاب الإسلامية عن الثورة، القضية أكبر من ذلك بكثير جدًا.

لا بد للرئيس من استيعاب الاستقطاب والعنف الحالي بحزمة سياسية لدعم الأمن العام وعلى التوازي لا بد من استكمال التحقيقات بشأن أحكام الإعدام وصولاً لمحاكمة المدبر والممول والمتواطئ مع هذه المذابح المتعمدة، وكذلك استكمال المؤسسات بالبرلمان الذي سيقر شرعية وآلية حسم إشكاليات ومؤامرات المرحلة الانتقالية.

-------------

·        رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار.