عندما تحل ذكرى استشهاد الإمام حسن البنا- يرحمه الله- كل عام تتداعى على الذهن مآثر الإمام الشهيد وجهده وجهاده وبذله وعطاؤه من أجل دينه ووطنه ودعوته، مجددًا أعاد الروح للمشروع الإسلامي؛ بالفهم الصحيح للإسلام الذي حاول البعض حصره في المساجد والزوايا، وللدعاة كقدوة ومثل للداعية الحقيقي كما يجب أن يكون، وللمربين كمربي أريب وحصيف وقدوة، وللمجاهدين كقائد ومثل للمجاهد الحق الذي يبذل روحه وكل ما يملك فداء لدين الله ولوطنه وأمته.
فقد تحلى بالعديد من الصفات والخصال التي يتوجب على كل داعية أو سائر على طريق الدعوة الحقيقية لله أن يتحلى بها، فقد كان يرحمه الله:
مجاهدًا: اعتبر بعض المؤرخين الإمام البنا شهيد فلسطين لدوره العظيم في نصرتها والتضحية في سبيلها، فإن هذا لم يأتِ من فراغ، ولكن لأنه عاش مجاهدًا باذلاً مضحيًّا بكل شيءٍ حتى نال الجائزة الكبرى بشهادته في سبيل الله، فلم يكن الإمام سوى مجاهدٍ يعشق الجهاد ويشم رائحة عبقه في كل خطوةٍ من خطواته على طريقِ الدعوة فعاش عيشةَ المجاهدين، وتخلَّق بخُلقهم، وعمل عملهم حتى رزقه الله الشهادة.
مفكرًا: على الرغم من اهتمام الإمام الشهيد بتكوين الرجال أكثر من تأليف الكتب والمراجع، إلا أنه كان من المفكرين والمُنظِّرين المميزين للدعوة والفكرة الإسلامية، فكانت كتاباته القليلة تحوي في طياتها الكثير من المعاني الكبيرة، ولعل أوضح مثال على ذلك الأصول العشرين التي ركَّز ووضَّح فيها فهم الإخوان المسلمين للإسلام، وقد أجمع مَن عاصروا كتابتها أنه راجع عشرات المراجع من أمهاتِ الكتب ليخرج بهذه الكلمات الجامعة لفهم صحيح الإسلام.
ولعل في طرح الإمام الشهيد لمفهوم شمولية الإسلام وإعادته لمحط الأنظار وبؤر الاهتمام من جديدٍ ما يؤكد مدى اطلاعه ورجاحةِ فكره وآرائه.
مربيًّا: لقد كان الإمام مربيًّا فريدًا، فكان كل مَن يراه ويسمعه ويقابله، يحبه ويرتبط به وكأنه يعرفه من سنوات عدة، فما بالك بمَن عايشهم وحضر معهم مناشطهم التربوية.. لقد كان- يرحمه الله- حريصًا كل الحرص على حضور المناشط الدعوية للإخوان بصورةٍ دائمة، فكان يحضر الكتائب والرحلات القمرية والجهادية وغيرها، ويُقوِّم المعوج، ويعالج المريض ويأد المشكلات في مهدها، فلم يكن الإمام يعيش في برجٍ عاجي بعيدًا عن إخوانه متعللاً بكثرةِ أعبائه الدعوية وارتباطاته وزياراته- وإن كان هو كذلك- ولكنه كان شديد الحرص على الوجود في وسطِ إخوانه في محاضنهم التربوية ليطلع على الصف عن قرب.
سياسيًّا فذًا: مَن يقرأ رسائل الإمام الشهيد يجد أنه كان على درايةٍ تامةٍ بقضايا وطنه وأمته، وكان يشرح قضايا الأمة وسبل العلاج الناجع، والتي تناولها في كثيرٍ من رسائله، ولعل منها "مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي"، وكذلك لتبنيه قضايا تحرير الأوطان في كثيرٍ من رسائله ما يُوحي بمدى متابعته لقضايا الأمة كلها.
وذكر الدكتور يوسف القرضاوي في بحثٍ له عن "التربية السياسية عند الإمام البنا" جوانب التربية السياسية فأجملها في العناصر الآتية: الربط بين الإسلام والسياسة وإيقاظ الوعي بوجوبِ تحرير الوطن الإسلامي وبوجوبِ إقامةِ الحكم الإسلامي وإقامة الأمة المسلمة وبوجوب الوحدة الإسلامية والترحيب بالنظام الدستوري وحماية الأقليات والأجانب.
يجمع ولا يفرق: و كان هذا واضحًا جدًّا في إجماع كلِّ مَن قابله على احترامه وتقديره رغم اختلافهم معه فكريًّا، على سبيل المثال قال د. طه حسين: "ليت كل أعدائي كحسن البنا"، فكل مَن عامله سواء اختلف أو اتفق معه فهو يحترمه، وهذا نتاج أسلوبه في التعامل مع الجميع والقائم على التجميع وعدم التفريق، وكان في تبينه للقاعدة الذهبية لرشيد رضا "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"، وكذلك ذكره في الوصايا العشر "تجنب تجريح الهيئات والأشخاص" أكبر الأثر في تجميع الجميع حوله.
إلف مألوف، حب محبوب: لقد كان يملك شغاف القلوب ويأثر كل مَن يُسلِّم عليه، فضلاً عمَّن يجالسه ويعامله، وما كان ذلك يتحقق إلا إذا شعر الناس بالحبِّ الحقيقي الذي يُحبه الإمام لهم ومدى إخلاصه لهم في هذا الحب وليس مجرَّد ابتسامة أو كلمات رقيقة وفقط، ولكنه شعور حقيقي نابع من قلبٍ كبيرٍ احتوى الجميع فاحتواه الجميع، بل تعدَّى مَن عاشروه حتى انتقل لمَن سمع منهم عنه. فنجد مَن يتكلم عن الإمام ممن قابله يتكلم بحبٍ وشغف وكأنه يراه أمامه أو عايشه لسنوات عدة، وفي الحقيقة أنه التقاه لدقائق معدودة. ولكنه حب الله الذي يقذفه في القلوب ويألف بينها. "وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٌ" (الأنفال: 63).
مكتشفًا للمواهب مقدمًا لإخوانه: لقد كان- يرحمه الله- مكتشفًا لمواهب إخوانه ساعيًا لإبراز واكتشاف ما في داخلهم من قدراتٍ وطاقاتٍ ودافعًا لهم في هذا الطريق، فقد كان -يرحمه الله- يربي إخوانه على أنهم قادة وزعماء، لذلك نجد في الجيل الذي ربَّاه الكثير من العلماء والمفكرين والقادة كان للإمام أكبر الأثر في تفجير طاقاتهم وتنميتها منهم على سبيل المثال لا الحصر: القرضاوي، الغزالي، السيد سابق، الهضيبي، عبد القادر عودة، محمد فرغلي، التلمساني، أبو النصر، وغيرهم الكثير من العلماء والقادة العظام.
قدوةً: لقد كان الإمام يُعطي من نفسه القدوة في كل شيء، وكان يتقدم إخوانه في كلِّ عملٍ ومنشطٍ، ولا يتأخَّر ولا يلتمس لنفسه الأعذار، وحتى حينما وضع مراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق وضَّح فيها ضرورة اشتمالها على جميع الجوانب ليكون بالفعل قدوةً صالحةً لإخوانه ولمجتمعه، ولكل الدوائر المحيطة به: "قوي الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته، منظمًا في شئونه، نافعًا لغيره".
مجددًا: لقد كان- يرحمه الله- بشهادةِ الكثير من العلماء والمفكرين مجدد القرن العشرين، وهو الذي أحيى شمولية الإسلام في النفوس بعد أن اندثر بفعل عوامل عدة وحوَّلها إلى واقع ملموس.. يقول الإمام في الأصل الأول من الأصول العشرين: "الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء".
مهمومًا بدعوته: ولعلنا ندرك ذلك مما ذكره الإمام في رسالة المؤتمر الخامس حين قال: "ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة، وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل والأدواء، ونُفكِّر في العلاج وحسم الداء، ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء، وكم كنا نعجب إذ نرى أنفسنا في مثل هذه المشغلة النفسانية العنيفة والخليون هاجعون يتسكعون بين المقاهي ويترددون على أندية الفساد والإتلاف، فإذا سألت أحدهم عمَّا يحمله على هذه الجلسة الفارغة المملة قال لك: أقتل الوقت، وما درى هذه المسكين أن مَن يقتل وقته إنما يقتل نفسه، فإنما الوقت هو الحياة".
ومن هذه الكلمات وأعماله التي أيدتها ندرك مدى المثابرة والجهد الذي بذله الإمام في عرض فكرته وإعراض الكثيرين عنه والعقبات والصعوبات التي اعترضته ولكنه سعى جاهدًا في طريقه لأنه أدرك من أول يومٍ أنه صاحب دعوة فحملها وحمل همها حتى نصره الله.
رحم الله إمامنا الشهيد، وجعل مثواه الجنة، وجمعنا وإياه في مستقر رحمته، اللهم آمين.