قامت الثورة المصرية في 25 من يناير 2011م، فأسقطت الظلم والطغيان، وأزاحت عن الساحة أعتى الأنظمة السياسية وأكثرها تجبرًا وفسادًا، وأعادت إلى المواطنين حرياتهم وكرامتهم، لكنها في المقابل فجّرت ظواهر سلبية وأخلاقًا رذيلة ما عُرف بها المصريون من قبل، فأين الخلل إذًا؟! وهل العيب في الأنظمة التي قامت عليها الثورة أم في المصريين أنفسهم الذين ادَّعى البعض أنهم لا بد أن يُحكموا بالحديد والنار وأن يكونوا دومًا تحت رئاسة طغاة جبابرة؟! في الواقع أن هذه المساوئ ليست في طباع المصريين، الذين حفظوا الدين وورثوا حضارته، وما كانت تلك الأخلاق- يومًا- أخلاقهم، إنما هى رذائل أجبروا عليها، منذ انقلاب يوليو 1952 وحتى قيام ثورة يناير، أجبرتهم عليها العلمانية المتوحشة، الخالية من الدين والأخلاق، وكانت الفترة التي أعقبت ثورة يناير هي المحك الذي كشف جميع هذه المساوئ؛ للقلق والإحباط الذي أصاب الناس من ناحية، ولغياب القانون من ناحيةٍ أخرى، وفي الحالتين ولطبيعة الإنسان الذي رُكِّب فيه الهلع كان ما رأيناه من سوء خلق وابتذال وتفريط.

 

إنك ترى الآن: عدم احترام للكبار، استهانة بالعلماء، غياب قيم الدين، غياب المروءة والنجدة والوفاء، التباطؤ في إغاثة اللهفان، تفشي الكلام الفاحش واللغة السوقية والحوار البذيء، اللامبالاة والعجز والبخل، الثورة والغضب.. إلخ، وكلها صفات- كما ترى- لا تجتمع إلا في شارد عن الدين، بعيد عن أخلاقه وقيمه، ولكم عانينا في الحقب الماضية من محاولات دءوب لإكراه الناس على التخلي عن دينهم، وإبعادهم- بشتى الطرق- عن روح الإسلام وسماحته، وهو ما أنتج هذا المجتمع المفخخ بالعنف والجريمة وسيادة روح التخريب والإرهاب.

 

المشكلة تكمن إذًا في التربية، أو في وازع الضمير الذي يعادل ألف قانون، والذى يستحث الإنسان على فعل الخيرات وتجنب المنكرات، وحب الناس، والتسامح معهم، واللين والرفق مع الكبير والصغير منهم.

 

إن سنوات طوالاً من التجريف الأخلاقي، هي التي أنتجت هذه الشخصيات المشوهة التي تتحرش بالنساء، وتنتهك حرماتهن، وأنتجت قادة مجتمع يكذبون ويدلسون ويسبون ويتفحشون، وأنتجت هلعًا وجزعًا ظاهرين لدى قطاع كبير من المجتمع، بعدما ربطت تلك الأنظمة الفاسدة أرزاق الناس بكراسيهم، وبعدما جعل حكامنا (الأشاوس) من أنفسهم أنصاف آلهة تُعبد من دون الله، فكان الناتج تلك الشخصية المائعة، المرتعشة التي لا ليس لها انتماء إلا لذاتها ومصلحتها، فلا يشغلها من قريب أو بعيد مصلحة وطن أو مصير أمة.

 

ولا حل إلا بالرجوع إلى الدين، وتقوية وازع الضمير، وغرس روح القانون في نفوس الناس، وتخويفهم بالله بدلاً من تفزيعهم بالسوط والجلاد؛ إذ يمكن للجاني أن يرتكب جريمته وهو محاط بألف شرطي، لكنه لا يجرؤ على ارتكاب لمم صغير لو أنه يراقب الله ويخشاه ويرجى مثوبته ويخاف عذابه.

 

إن على الدعاة عبء إعادة الناس إلى حظيرة الإيمان، وتحبيبهم في قيم الحق والخير، وإشاعة فضيلة البر والتكافل في مجتمعٍ، هو أحوج الآن من أي وقتٍ إلى أن يتعاطف ويتراحم ويتكافل ويشد بعضه أزر بعض.