تشهد الساحة السياسية المصرية الآن حالة فريدة من السيولة وعدم الانضباط أو الالتزام بأي قيم أو مثل أو مبادئ بل وتعدى الأمر لتجاوز كل الخطوط الحمراء المتعارف عليها في أي خلاف سياسي، وتعدى الأمر كذلك الخلاف ذاته من سياسي سلمي لخلافات يحكمها الملوتوف والخرطوش والحرق والتدمير والنهب تحت غطاء من العديد من تلك القوى بكل أسف.
لقد تجاوز الأمر مجرد الخلاف السياسي في قرارات أو رؤى ووصل لتهديد أمن واستقرار البلاد ومصالح المواطنين ودلائل ذلك كثيرة ولا تخطئها عين أو يجهلها منصف. فبكل أسف البعض يتاجر بدماء الشهداء ويزايد على مصالح الوطن وهو أبعد ما يكون عن ذلك وغاية مراده أن يتبوء منصب رفيع أو يتقلد مكانة بارزة ويشار إليه بالبنان.
فهناك محاولات حثيثة لإقحام الجيش في معترك الصراع السياسي بأي صورة من الصور ومحاولة جره لذلك بشتى السبل، بداية من التلميح ثم تأويل التصريحات ولي عنق النصوص ثم الدعوة الصريحة للإنقلاب لوقف التدهور – الداعمين له والمحرضين عليه - ثم إطلاق الشائعات لإثارة حفيظة الجيش وقيادته، وكان أخرها إشاعة إقالة الوزير.
إن محاولات البعض استعداء الجيش على القيادة السياسية الشرعية المنتخبة لن تنجح بأي حال من الأحوال وستبوء هي والمحرضين عليها بالفشل والخسران المبين. فالجيش المصري جيش عظيم ووطني وينحاز للشعب وللشرعية وهو وقيادته أوعى بكثير ممن يسمون أنفسهم ظلماً وزوراً بالنخبة.
وتعدى الامر مجرد المعارضة إلى إهانة مؤسسات الدولة وأشخاصها وقراراتها ومقراتها السيادية في محاولة يائسة لهدم هيبة الدولة في النفوس وإشاعة الفوضى لخلق مناخ موبوء تنمو فيه أفكارهم المريضة ورؤاهم السقيمة.
ووصل الأمر ذروته في هذا المجال لمحاولة التقليل من شأن الرئيس عن طريق التصريحات والتلميحات وبعض المرضى في برامج التوك شو متانسين حجمهم الطبيعي لدى رجل الشارع ويحاولون النيل من شخص الرئيس وقراراته وسياساته، لاستكمال مسلسل تسفيه الإرادة الشعبية الذي بدأ بحل مجلس الشعب ومحاولة حل الشورى وإسقاط الدستور.
بل وصل الأمر ببعضهم للاستقواء بالخارج تلميحاً وتصريحاً متناسياً مكانة مصر وقدرها في خضم معارضته لأي إرادة شعبية لا تتفق وأطروحاته وأفكاره. واستكمالاً للانيهار الأخلاقي الرهيب نجدهم لا يتورعون عن التعاون مع بقايا النظام السابق الذي أفسد البلاد والعباد وأصبحوا ثوار ويتكلمون عن الثورة ومبادئها والحفاظ عليها. فمن سرق ونهب وقتل الشهداء أوساهم في قتلهم يدعو للقصاص لهم.
كما تُستخدم الإشاعات بصورة مرعبة وبكم كبير لم يسبق له مثيل في الكم والتزييف، وتبدأ الإشاعة بنشرها على مواقع معينة أو صفحات مجهولة على الفيس بوك وتويتر ثم تتولى نشرها والتسويق لها وسائل إعلام بعينها وبرامج توك شوك محددة ويتعاملون معها على أنها حقيقة واقعة ويحللون الآثار الناتجة عنها ودلالاتها، ويتناسون التكذيب وإذا ذكروه يذكروه على استحياء في صورة أن حق الرد مكفول وإن كان هذا الشخص أو تلك الهيئة دائمي التكذيب.
كما نجد أن هناك حالة غريبة من اللدد في الخصومة والتشهير وعدم الإبقاء على خطوط رجعة في العلاقات السياسية أو حتى الإنسانية ، أو الاعتبار والاعتداد بأي مصالح عليا ولا يُنظر إلا إلى المصالح والمكاسب الشخصية وحسب، وأصدق توصيف لهذا الطغيان في الخصومة هو " إذا خاصم فجر".
كما يبذل البعض جل جهده لمحاولة إغراق الوطن للتدليل على عدم نضج خيارات الإرادة الشعبية ، وذلك عن طريق تعويق العمل وتبني الدعوات المعطلة له و تصدير المشكلات وتضخيمها من بعض يتولى منهم المسئولية أو توظيفهم لبعض بقايا النظام السابق المتغلغلين في مفاصل الدولة لخدمة مآربهم.
فالبعض يهنئ من يقطع السكة الحديد ويعطل القطارات، والآخر يشيد بأعمال البلطجة والعنف والحرق والتدمير، وغيره يدعو لإضراب العمال أو اعتصام مفتوح، كما أن هناك من يدعو للخروج على الرئيس المنتخب، ومن يغرد بالدعوة للمظاهرات حتى إسقاط الرئيس لأنه فقد شرعيته، ولا أدرى عن أي شرعية أو عن أي شعب يتحدث. فهل هو المتحدث باسم الشعب المصري الذي لا يعلم عن همومه شيئاً و لا يستطع أن يسير وسطه؟! أم أنها الشرعية المستمدة من البيت الأبيض ومن عواصم أوروبا التي يدين لها بالولاء؟!
إن المزايدة على الشرعية الشعبية والقانونية هي قمة الفشل والسقوط الأخلاقي وستكون عاقبتها وبالاً على مطلقيها والمروجين لها، فالشعب أوعى من أن تخدعه شعارات زائفة أو أهداف مشبوهة أو تحركات لمجموعات مأجورة.
كما يحاول البعض تهديد قناة السويس وبعض المنشآت السيادية والسياحية والجماهيرية وهو يدرك أنه بهذه الأفعال يخاطب الخارج لا الداخل، وعينه على بث صورة في الخارج عن عدم استقرار الأوضاع في الداخل وعدم قدرة النظام على احتواء المطالب الشعبية – كما يدعون - والتسويق لذلك بشتى السبل ولو على سبيل التضحية بمصالح وسمعة الوطن. فلا يمكن ولا يعقل أن تحتكر قلة الحديث باسم الشعب ومطالبة دون تفويض من الشعب صاحب السلطة الاصلية والحقيقية والذي يعطيها لمن يختارهم كممثلين له وليس لغيرهم. كما لا يعقل أن تعطل قلة المصالح الحيوية خطوط المواصلات وتفرض بلطجتها على الشعب وكأنهم يبذلون كل جهدهم لإنتاج حرب أهلية أو اسقاط المزيد من الضحايا لتعقيد المشهد السياسي لخدمة أغراضهم المشبوهة ، وهو ما لن يتحقق لهم أبداً بإذن الله.
ولا يمكن أن ننسى الدور المشين الذي تقوم به بعض وسائل الإعلام في محاولة تأزيم الموقف وإشعاله؛ فالتحريض مستمر ودائم ولا نرى ثمة إدانة للعنف والتدمير الذى يوجه ضد المرافق العامة ومؤسسات المجتمع، أو توعية بخطورة ما يحدث ومخالفته للقانون ولقواعد التظاهر السلمي ، بل نلحظ حفاوة به و بمظاهره والتسليم بأنها من تداعيات المعارضة (السلمية) للنظام، وأنها من قبيل التظاهر المشروع الذى يكفله القانون، متجاهلين أن المشروع هو التظاهر السلمى الذى له ضوابطه التي لا يمكن تجاوزها في كل ديمقراطيات العالم.
فهل رشق المؤسسات العامة ومحاولة إحراقها، وتعطيل المواصلات أو وقف العمل بمؤسسات الدولة من الأعمال السلمية ؟! هل ممارسة التدليس على الناس وقلب الحقائق وتشويه الصورة وتزيفها من المهنية والصدق والموضوعية؟!
إن تجاوز الخطوط الحمراء التي ذكرنا بعضها ولا يسعفنا المكان لذكرها كلها، هو دليل قاطع وبرهان ساطع على فشل المتجاوزين والمروجين لها عن الوصول للشعب ونيل ثقته والتأثير فيه وحمل همومه، كما أنه مؤشر خطر على أن بعض قوى المعارضة بدأت تسلك غير سبيل المعارضة السياسية السلمية وبدأت في محاولة هدم مصر ذاتها ، ومصر ليست جماعة أو حزب نريد أن ننتصر عليه ولكنها بلد عظيم ذو حضارة وتاريخ وشعب وقيادات لا ولم ولن تسمح بتهديد أمنها وسلامتها تحت أي ظرف أو بيد أي جهة تحاول ذلك.
حفظ الله مصر وشعبها ورئيسها من كل مكروه وسوء.