الرجال مواقف، وتتباين مواقف الرجال بما حظى كل منهم من سمات وشيم وبما تربى عليه من أصول وقيم، وباختلاف المشارب والمنابع التي منها نهل، ومن أعلى أصناف الرجال وأقواها صنف وصف الله به فصيل قليل من أنبيائه فقال عنهم (وأولو العزم من الرسل) فأولو العزم من الرجال عند المواقف قلة، وكم تحتاج مصر في هذه المرحلة إلى أولو العزم من أبنائها ليشمروا عن سواعدهم ويتحملوا تبعات المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد بعدما ترك الفساد كمًا هائلاً من رماد هدمه علينا إزالته لبناء مصرنا المتعافية المتقدمة الحضارية الغنية الفتية التي نطمح لها أجمعين.
كم تحتاج هذه المرحلة الحرجة إلى أولى العزم من كل أصناف الشعب وفي كل مستويات العطاء وتدرج المسئوليات، وهي مرحلة العطاء لا الأخذ والمغرم لا المغنم، والصبر الجميل بلا شكوى ولا توجع ولا مطالب فئوية، كما قال ابن القيم رحمه الله عندما سئل عن الصبر الجميل (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا) (المعارج: 5) (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) (يوسف: 18) فقال: صبر بلا شكوى وعن الصفح الجميل (فاصفح الصفح الجميل) فقال: صفح بلا منة، وعن الهجر الجميل (واهجرهم هجرًا جميلا) فقال هجر بلا أذى. وكلها معانٍ نحتاجها في هذه المرحلة على جميع الأصعدة.
إنها مرحلة من مراحل المخاض لميلاد متعثر ولا بد من هذه المعاني، التي لا يمتلك زمامها إلا أولو العزم من أبناء شعبنا الأصيل، الذين صبروا هذه السنوات على فرعنة الفراعين وطغيان الطواغيت، حتى فاض بهم الكيل فصبروا على مقاومته ومنهاضته حتى أسقطوه صاغرًا وما زال الشرفاء منهم يكابدون ويعانون وينصحون ويصححون بإخلاص وحب وضمير يقظ وحس مرهف وتشوف للأفضل والأحسن والأكمل وينادون وننادي معهم الثورة مستمرة، ولنصبرن على آلام المخاض حتى تلد المرحلة وتتفتق أحداثها عن مستقبل قريب واعد ورفاهية قريبة مأمولة إن شاء الله.
كم نحن في حاجة ومصرنا في حاجة إلى أولى العزم من الساسة الذين يتحملون قدرهم الآن في إدارة مرحلة صعبة فيصبرون ولا تنثني قاماتهم ولا تفتر عزائمهم ولا يتحججون بالعقبات والموروث الصعب وثقل التبعات، بل يشمرون ويكونون رجال المرحلة بإخلاص ويمضون بعزائمهم ليحطوا صخرة الفساد والجهل والتجهيل ويصدوا بصبرهم هجمات الإعلام المغرض فلا ينال من عزمهم ومضيهم وليبادروا بإنتاج ولو قليل كباكورة جهد وعرق، وليتمثلوا قول عبد الرحمن الكواكبي رحمه الله: ما بال الزمان يضن علينا برجال ينبهون الناس ويرفعون الالتباس ويفكرون بعزم ويعملون بحزم ولا ينفكون حتى ينالوا ما يقصدون، وكم رفع من مستوى ثقتي في إخلاص الرئيس مرسي لبلده وأعلى مستوى الاطمئنان على وطني طالما هو على رأس هذه المرحلة أولاً حين تحمل مسئولية الوطن وتقدم لها كأنه يقول :
إذا القوم قالوا من فتى؟ خلت أنني عنيت اكسل ولم أتبلدورفع الله قدره عند شعبه عندما أعلن في الحوار التليفزيوني القريب مع الإعلامي عمرو الليثي وهو يسأله: هل فكرت تستقيل ولو لمرة واحدة بعد هذه الهجمات والاضطرابات؟ فكانت إجابته حاسمة وسريعة واعتدل بعد اتكاء وأشار بثقة وإباء: مطلقًا، لقد تحملت المسئولية وماض فيها حتى العبور بالوطن إلى بر الأمان ومسئوليتي دونها الرقاب.
فلم يفر ولم يطلب الراحة النفسية والشخصية والجسدية، لم يهرب من المسئولية كما فعل بعض من حوله لغضبة شخصية أو لتقدير خاطئ لظروف المرحلة أو لاعتزاز برأي أو للحمية للمكانة العلمية والذاتية وكلها محترمة والآراء محترمة، لكنني أقصد ليس في هذا الوقت هذا وقت التحمل ولو على النفس طالما اتفقنا جميعًا أننا مخلصون للوطن فليتحمل كل منا ما يصدر من الآخر وليعفو وليسند أخاه وليقدم النصح والتبصير، ويقودنا حديث النبى صلى الله عليه وسلم (أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) ونصرته ظالما أن تنهاه عن ظلمه وتقف بجواره (سددوا وقاربوا) ولإن نتحد على نصف الحق خير من أن نفترق على الحق كله ولنتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.
وليكن لنا في هدهد سليمان العبرة والعظة، الذي رأى أقوامًا يسجدون للشمس من دون الله فتأخر عن طابور الجمع لسليمان عليه السلام مشغولاً في طلب خبرهم والوقوف على حقيقة أمرهم والتأكد من غفلتهم وجهلهم وعاد فوجد تهديد سليمان عليه السلام له ينتظره (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) (النمل: 21)، لكنه لم يحمل ملف أعذاره تحت أبطيه ويرفض التهديد لشخصه ويبحث أولاً عن الحجج المنجية ويمن بجهاده وفضله، ولكنه دخل ملهوفًا إلى مجلس النبي الملك عليه السلام، ودخل في الموضوع مباشرة متناسيًا التهديد والوعيد فقال: أحط بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأعظيم ...... فقال العلماء: ارتقى الهدد من مستوى الخوف على رقبته إلى مستوى الخوف على عقيدته.
إنها مرحلة البناء واليقظة لخفافيش الظلام وصائدي الماء العكر، إنها مرحلة أولي العزم من المصريين في الشارع والغيطان في الحواري والأذقة في الطرق والمواصلات (أن بعد العسر يسرا إن بعد العسر يسرا) وقال علماؤنا: لا يغلب عسر يسرين.
فالصبر الصبر، والعزيمة العزيمة...
وأصحاب النصح والتوجيه يعلمون أن رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب أو العكس، طالما أننا في حدود الآراء والنظريات التي تحتمل وجوهًا عدة ولسنا في مجال الثوابت والأصول والقطعيات ولا النصوص المنزلة المحكمة.
والذي يقدم مثل هذه النصيحة يعلم أنه بمجرد تقديم النصيحة ولو سرًا وبإخلاص ووضوح ويقين فقد فاز بأمرين هما أمل الناصح المخلص وبغيته: الفوز بالأجر والنجاة من الإثم، سواء قبلت نصيحته أم أخذ بنصيحة غيره، وليعد إلى مكانه في الصف وليتفرغ لمهمته.
وقديمًا علمنا أساتذة الدعوة الفارق بين السياسي ورجل الدعوة والإصلاح، فقالوا: السياسي يهمه أن ينتصر، أما رجل الدعوة فيهمه أن تنتصر دعوته، لا شخصانية ولا منفعة، ورأينا هذا جليًّا عندما استبعد المهندس خيرت الشاطر وتقدم الدكتور مرسي وكان الشاطر يجول المحافظات والقرى دعمًا للفكرة الإصلاحية لا لشخص وإن كانت الثقة في الشخص أنه خير من يمثل فكرة الإصلاح، زاهدًا فيما وراءها من نفع شخصي زائل ومحدود.
فإن قدم الناصحون نصحهم ووصل القيادة وأخذ القائد رأي غيرهم فيما يحتمل وجوهًا عدة، وغضب الناصحون وانسحبوا واعتزلوا، فهذا قد يكون دليلاً على أنهم يطلبون شيئًا ثالثًا في نفوسهم غير الفوز بالأجر والنجاة من الإثم.
إننا في حاجة إلى أولى العزم كخالد يوم عزله عمر، فكان جنديًّا مطيعًا لأبي عبيدة ومخلصًا له.
في حاجة إلى أولى العزم كأهل مصر حينما أطاعوا يوسف النبي والوزير الواعي الخبير في تفسير رؤى الملك (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ ...................) (يوسف: 47) فصبروا معه سنوات عجاف حتى عمهم الرخاء وأصبحت بلادهم سلة الغلال للبلاد المجاورة كلها.
إنه الحق الأبلج الذى لا بد أن يعز أهله ويغنى أهله (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) (لقمان: 30) (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ) (الحج: 40) وأهل مصر أهل حق ولينصرنهم الله وليحققن لهم أمانيهم في القريب العاجل إن شاء سبحانه وتعالى.