قرار مقاطعة جبهة الإنقاذ لانتخابات مجلس النواب القادمة ليس قرارًا سياسيًّا مثلما فعلت قوى المعارضة في انتخابات 90، وفعل بعضها فى انتخابات 2010.
ومناقشة القرار في إطار الفعل السياسي هو خطأ كبير؛ بمعنى أن الاستمرار في جدال الصندوق وإرادة الجماهير، أو إفحامهم باستغلال ما يزعمون من هبوط شعبية الإخوان أو إحراجهم بمحاولة حيازة الأغلبية التي يدَّعونها وبالتالي يقومون هم بتشكيل الحكومة واتخاذ القرارات الثورية التي يريدونها فكل هذا مناقشة صائبة في المحيط الخطأ، أو حوار بريء بين طرفين أحدهما لا يُضمر البراءة.
ولا أظن أن الجبهة قد اتخذت القرار خوفًا من الرسوب فقط، فقد اعتادت هذا الرسوب واعتادت الوجود الصاخب بعده، وادعاء البطولة الجريحة وتمثيل مشهد الشهيد السياسي بعد كل معركة خاسرة، بل واعتدنا أن يختار الشعب خيارًا، بينما تصر المعارضة على أن مصلحة الشعب في خيار آخر تمامًا، وأن عملية خداع كبرى يجريها الإخوان للجماهير، سواء باسم الدين أو باستغلال فقر المواطن، أو بصفقات ما، وهذا الخداع يجعل المواطن يسير إلى حتفه بظلفه، بينما يُفلت فرصته في السعادة والهناء بعدم انحيازه للمعارضة وبرامجها!.
إذن فما هي حسابات المعارضة فى هذا القرار ؟
الذي يظهر في الأفق عبر ممارسات الجبهة أنها تعتمد في قرارها على محورين وهما :
أولاً: تصعيد العنف باستغلال مشكلة حقيقية لا ينبغي عليهم أن يفوتوا فرصتها، وهي الغضب البورسعيدي؛ لذا فهم يعملون وسيظلون يعملون على تأجيج المشكلة وتعليقها في رقبة الإخوان والرئاسة، والجماهير الغاضبة لن تبحث فيمن قتل أبناءها عقب حكم الأعدام، فالدماء دائمًا في رقبة الداخلية المتهمة دائمًا، حتى ولو أدت واجبها القانوني، وسيرى الباحث أن محاولة وضع غطاء سياسي للمشكلة ليس تطورًا للغضبة الشعبية، ولكنه تدخل من الجبهة لاستغلال نزيف الدماء الذي يحرصون على استمراره، وما محاولات استدعاء الجيش وتوكيلات وزير الدفاع، إلا أفكارًا سياسية غرستها الجبهة في أتون الغضب غير الموجّه، حتى تضعه هي في وجهتها التي تريد وهي إسقاط النظام .
وعليه فنحن ننتظر محاولات استثمار الموقف بتطوير عمل البلطجية والبلاك بلوك إلى أعمال ظاهرها غضب شعبي لأي سبب -والأسباب كثيرة -وباطنها مقاومة إجراء الإنتخابات، وإجبار النظام على الوقوف عند محطة تفاوض تحددها الجبهة، وحينها تفرض شروطها وتغسل عار هزائمها المتكررة، ويصبح المجد بعد ذلك للمولوتوف والسنجة والخرطوش، وتنقضي تمامًا مرحلة السلمية، وليصبح القادر على امتلاك القوة هو المسيطر على زمام الموقف السياسي.
ثانيًا: منع التواصل مع الجماهير، وهو شكل آخر من أشكال فرض السيطرة على الشارع عبر الإرهاب والعنف، وإذا كان الإخوان قد قدموا حملة "معًا نبني مصر" في مواجهة حملة حرق مصر التي تقودها جبهة الإنقاذ، ومع الإحساس بخطورة التأثير في الجماهير إيجابيًّا بالحملة الإخوانية، وباعتبار أن الإعلام لم يعد كافيًا لتشويه صورة الإخوان فإن التصدي والصدام ومنع حملة البناء بالهجوم على المعارض والصدام مع القوافل بأنواعها، سيكون سلوكًا متوقعًا لقطع الصلة تمامًا بين الإخوان وجماهير الشعب، وبالتالي سيصعب على الإخوان التعبير عن حقيقة منهجهم الذي تراهن الجبهة على تشويهه، خاصةً بين الأجيال التي لم تعرف الإخوان وتكتفي بترديد أكاذيب الإعلام.
كذلك ولأن للإخوان نمطًا معلومًا في الدعاية الانتخابية، وأهم هذا النمط هو مسيراتهم المبهجة التي تنجز لهم أهدافًا كثيرة من التواصل والتعبير والحوار والخطابة المؤثرة بجانب التعريف بالمرشحين، كل هذا نتوقع أن تستهدفه الجبهة بالصدام عبر مسيرات حاشدة عنيفة السلوك اللفظي والمادي، يكرس حالة الفزع والنكد في الشارع، ويجعل أصحاب المحال والمقاهي مترددين في استقبال مسيرات الدعاية الإخوانية كالمعتاد، كما سيستدعي أقلامًا كثيرة تطلب من الإخوان التعقل وعدم الصدام، وبالتالي سلبهم الحق في الدعاية المشروعة؛ باعتبار خطورة اﻷجواء وغيرها من المبررات الجاهزة؛ حتى يتمكن العنف من فرض مشروعية أعلى من مشروعية الحق الدستوري في المنافسة على الانتخابات!!.
خذ خطًّا مستقيمًا ينتظم سائر الأحداث، وتوقع أن الجبهة ستفكر دائمًا في كيفية تحويل كل حدث سياسي أو قضائي أو رياضي… إلخ، إلى كارثة دامية، ثم يتكفل الإعلام بتحميل آثار ونتائج الكارثة للرئاسة وللإخوان.
من هنا فإن تفكيرًا مختلفًا في إدارة العملية الانتخابية ينبغي أن نراه، سواء من الحكومة أو من التيار الإسلامي.
أما من الحكومة فلا بديل عن الاستعانة بالجيش في فرض حالة الطمأنينة بجوار الداخلية أثناء فترة الانتخابات، وكذلك بإعلان كل ضمانات النزاهة والرقابة على العملية الانتخابية؛ كي لا يكون في صدر أحد تساؤل من الأسئلة الإعلامية الكاذبة.
وكذلك فعلى القضاء بعد تخليه عن السياسة أن يُطمئن الشعب أنه سيحمي العملية من الداخل كما حماها في المرات الخمس السابقة.
وأما من حيث المنافسة فإن على الإسلاميين جميعًا أن يعتبروا أنفسهم مستهدفين في هذه المعركة، وأن الضربة الموجعة التي ستلتهم المخطط الإنقاذي، هي التنسيق لضمان نجاح كل القيادات الشعبية من الأحزاب الإسلامية العشرة ومعهم الشخصيات الوطنية المستقلة والرموز الوطنية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فعليهم من الآن أن يعدوا لحملة مبتكرة يصلون بها إلى الجماهير في ظل إعلام مضاد وشارع ملتهب وتربص عنيف من الخصوم، والعقلية الابتكارية للإسلاميين مع الإصرار المعهود عنهم سيكونان جواز المرور الآمن لإتمام مرحلة (بناء الدولة) التي ستكون سرعة الانطلاق بعدها مضاعفة.
--------