(1) هل ثمة شعرية للدمار!
صحيح أن مصطلح الدمار الشامل وليد لمعجمية الحرب والعسكرية، والنظام العالمى فى حركته المراوغة لكسر إرادة من يريد من الدول والأنظمة، وهو يحوى فى مفهومه جرثومة التدمير الهائل المروع الذى يدمر ويخرب الحياة فى جنباتها المتنوعة.
ولم أجد إلا فى النادر من ينقله إلى ميادين معرفية أخرى، على ما جاء فى بعض الكتابات المعاصرة التى تستعمله لوصف فعل الآلة الإعلامية فى المرحلة الراهنة فى بعض ما أصدره من كتب.
والعجيب أن قراءة تاريخ العلاقة بين اللغة والاستعمار ربما يقود إلى القول بأن ثمة استعمالا للغة بما هى سلاح دمار شامل ، يستثمره المستعمرون- بكسر الميم- على امتداد التاريخ لتخريب عقول المستعمرين بفتح الميم.
وتاريخ الشعرية فى العصر الحديث يبرهن على أنه غير برئ فى بعض المناطق، استعملته أجهزة المخابرات، ووظفته لخدمة أغراضها فى عدد كبير من البلدان العربية بشهادة كثير من المؤرخين والمفكرين على ما فصلت القول فيه سوندرز!
لقد دفعت أجهزة المخابرات أموالا طائلة لعازفين أو زمارين استأجرتهم زمانا طويلا ليعزفوا ألحانا خاصة ، فكان هؤلاء العازفون و الزمارون قطعا من السلاح الشامل تستهدف تشويه العقول و الوجدانات وتجريفها، وتخريبها.
لقد أصبح عندنا شعرية للدمار بهذا المفهوم ، نطقت بها أصوات كثيرة وما تزال.
(2) قربان لإله الحرب مثال غير أخير لشعرية الدمار!
فى مارس سنة 2013م صدر للشاعر حسن طلب ديوان هو ( قربان لإله الحرب من كربلاء إلى قانا إلى القدس)عن الهيئة المصرية العامة للكتاب فى (128) صفحة وقد نبه الشاعر إلى أن قصائد الديوان كتبت فى الفترة الممتدة من 2003م إلى سنة 2008م ، والوعى الشعرى يفرض علينا أن نقرر أن شيئا ما لا يقع فى الديوان إلا جاء محكوما بقصد وإرادة ، باعتبار أن الشعر إرادة ووعى.
والديوان يفرض على قارئه أحكاما بعينها، ولاسيما أن الشاعر حسن طلب يملك أدواته، وهو واحد من الأصوات الشعرية الحقيقية التى تملك القدرة، والشاعرية ، وباستطاعته أن يمتع متلقيه ، بما يملكه من قدرات فنية.
وأنا مضطر إلى استراتيجية بعينها قبل التدليل على أن هذا الديوان مثال لشعرية الدمار، أرجو أن يتحملنى القارئ فيها قليلا.
وهذه الاستراتيجية تتلخص فى التمهيد بين يدى الملاحظ النقدية بعدد من نصوص اللسانيات أو علم اللغة المعاصر، بما هو المرجعية المركزية لبرامج النقد المعاصرة جميعا:
أولا- يقول لويس جان كالفى فى كتابه حرب اللغات والسياسات اللغوية : ص284 إن الغزو بالنحو يعقب غزوا بالسلاح!
ثانيا- ويقول كذلك ص 227 كل تعديل فى الدلالة سوف يعدل الإحساس بالعالم.
ثالثا- ويقول كذلك ص 286 هناك لسانيون فى خدمة الاستعمار من أمثال كينيث بايك ودافيد كريستال، ومن ثم أقول إن هناك شعراء فى خدمة الدمار!
رابعا- ويقول باسكال بيك فى كتابه أجمل قصة عن اللغة : ص9 إن الإشارة اللغوية هى بامتياز ثمرة التعرف إلى الهوية.
خامسا- ويقول كلود حجاج فى كتابه إنسان الكلام: مساهمة لسانية فى العلوم الإنسانية ص 265 إن ضبط اللسان وإصلاح معجمه نشاطان سياسيان.
سادسا- ويقول كذلك ص 292 إننا نستطيع فى الألسنة قراءة تاريخ الحرية والاستعباد!
ومرة أخرى أرجو أن تعتمد هذه الفقرات المنقولة هنا عن بعض مراجع اللسانيات المعاصرة ، ولكننى أذكر بأنها استراتيجية ، أقصد من ورائها أن يعتمدها القارئ مرجعية عندما يستشعر شيئا من الإفراط فى قراءة أدلة شعرية الدمار التى سألتقطتها من ديوان : قربان لإله الحرب!
إن أول ما يظهر من فحص الديوان هو تشويه كامل لرموز الفكرة الإسلامية المادية وقد سبق هنا تقرير أن الإشارة اللغوية هى ثمرة الهوية بامتياز ، وهو ما يقود إلى الإقرار بأن ازدراء العلاقة اللغوية (الهلال) وحياطته بسياق مهين، وذليل ، وغير متعاطف يعنى فى القراءة والتحليل ازدراء الهوية التى تمثلها وتعلن عنها ، لقد ظل الهلال على امتداد الثقافة العربية المرتبطة بالإسلام مسكونا بالجليل ، والعلوى ، والخصب ، والنور ، لكنه تحول عند حسن طلب إلى شئ آخر مهين ، ومزدرى ، ومؤخر الرتبة ، ونصبه هدفا يرمى عن طريقه الأفكار التى طالما مثلها ، وكان رمزا عليها.
يقول الشاعر : ص 38
• ارسم هلالا من صناديق النفايات
• اصطنعه من القمامة...
• من فتات مخلفات عساكر الثكنات والمستوطنات!
ومن المهم جدا تأمل المفردات المحيطة المكونة لصورة الهلال ، ودورانها حول القذارة بشكل مباشر.
ويقول الشاعر: ص39
• ارسم هلالا فى الهواء
• لكى يطير إلى مشايخ مركز الإفتاء أو لموظفيه
• لينظروا العيدين فيه..
• ويجعلوه تميمة جنسية لمن استطاع
• ويعلنوا إشباع من جاع!
• ارسم هلالا .. وأسمه:
• بضعا من الأبضاع أو فرجا حلالا!
• ارسم هلالا واحدا إن شئت
• أو مثنى .. ثلاث إلى رباع!
إننى مضطر هنا أن أقرر عن بوالو فى فن الشعر ص 17 فقرة 75( تجنبوا الوضاعة أيا كان موضوعكم"
وعند هذه النقطة تعيينا تتبدى استراتيجية توظيف الشعرية سلاح دمار شامل ، تتحول به جماليات الكتابة الشعرية المعتمدة على تقنيات الإنشاء الطلبى ولاسيما تقنية الأمر، ثم تقنيات البيان ولاسيما الاستعارة ، ثم تقنيات التكافل النصى ،أو التناص عندما يعتمد نثر قوله تعالى : ﴿فأنحكوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ ، أقول تتحول به الجماليات إلى سلاح مادى يسعى نحو:
أ- كمال التشويه لرموز التاريخ الوطنى فى تجلياتها الإسلامية ، وهو كمال التشويه الذى تدرج من تشويه المؤسسة (مركز الإفتاء) ثم تشويه علمائها ( المشايخ) ثم إهانة الرموز المركزية فى الثقافة الوطنية عندما يصور الهلال ( فى صورة بضع والبضع هو فرج المرأة) ثم إلى اقتباس النص الحكيم وحياطته بما قد رأيت من ازدراء مهانة .
إن القارئ يستطيع أن يلمح فى هذه المقاطع الشعرية تاريخا كاملا من الازدراء والاستهانة والتحقير ، تستهدف التدمير ، والانتقاص من محدد مركزى مؤسس للشخصية المصرية.
ب-اعتساف المعنى
وقد أدرك علماء اللغة المعاصرون الغربيون منهم قبل غيرهم أن اختيار مفردة ما من قوائم مفردات ولو كان الأمر فى الشعر ليست لعبة برئية بحال لعشاق صناع التراكيب و الجمل ، وساعة يتحول الهلال إلى ما رأيت فإن ثمة حربا معلنة باسم الشعر ينبغى التنبه إليها وأذكر القارئ الكريم أن الإسلام فى يوم ما حرم استعمال يثرب علما على المدينة المنورة لأنها تحولت شعارا للنفاق ، واللمز للمجتمع الإسلامى!
ج- تهديد المواطنة
إن اللسانيات الاجتماعية المعاصرة تقرر أن اللغة هى إحدى سبل صناعة المواطنة ، وساعة يعمد نفر من شعراء مذهب شعرية الدمار إلى العبث بالإشارات اللغوية المميزة لهوية بعينها ، وإحاطتها بعلامات ازدراء وإهانة واضحة –فإن ثمة لعبا بالنار سيدمر فى طريقه وطنا بأكمله.
ولاسيما حينما يظهر فى السياق نفسه توظيف رمز آخر منحدر من المسيحية بطريقة مغايرة ، يتحفها التعاطف.
يقول الشاعر:ص:44
• ارسم صليبا أيها العربى..
• يرتد الدخان على المحيا منك:
طيبا!
ويقول: ص 45
• ارسم صليبا
• قاتل عدوك بانهزام بنى أبيك
• وخذ حذارك من ذويك
• فإن فى فيك التميمة
و الزبرجدة اليتيمة
• إن فى يدهم المصير المرتجى
والفجر والصبح العصيبا!
والصليب فى هذه المقاطع غير محاط بما يخدش جلاله عند من يعتقدون بجلاله ، بل هو محاط بما يرقى برتبته الرمزية وهو ما بدا مناقضا للأجواء التى أحاطت برمزية الهلال.
أضف إلى ذلك أن عدد الأسطر التى أحاطت بصورة الهلال امتدت وتكثفت لتخلق تكثيفا لملامح الازدراء فى حين قلت الأسطر الشعرية التى تكفلت بتصوير الصليب ، فى نوع تكثيف بالاكتناز ، الصمت فى باب الإجلال باعث على زيادة الجلال!
وتستمر هذه الملامح نفسها ، ازدراء فى جانب الهلال، وعطفا فى جانب الصليب فى مقاطع ( صدى الملحمة وتمائمها) ، حيث يظهر الهلال ذابلا مجروحا فى قول الشاعر: ص69
• ارسم هلالا ذابلا
• يحكى ترنح ظلك المجروح
حين هفا ومالا
• ارسم هلالا
وبعد ذلك مباشرة فى التميمة التالية يظهر الصليب فى صورة يسكنها بعض الجلال ، يقول ص 71
• ارسم صليبا
• ارسم صليبا ثم ذر عليه
• من مسك التراب الحر
. . .
• ارسم صليبا عاليا فوق التلال
أو الجبال
وعند مقارنة المقطعين تتبدى استراتيجية من استراتيجيات شعرية الدمار التى تتهدد المواطنة فى الصميم واللغة سلاح قد يفتك بالمواطنة كما هى الحال هنا.
إن الغالبية يبدو هلالهم ذابلا مجروحا مائلا ، وغيرهم يبدو صليبهم ممسكا مطيبا عاليا فوق التلال أو الجبال.
هذا نوع تدمير يخترق هوية شعب بأكمله، ويهين المكونات المؤسسية لوجوده الحى المعاين
ويصل الأمر إلى أبعد حدوده عندما يتجلى الصليب فى أبهى صوره ، يقول الشاعر ص 79:
ارسم صليبا/ ارسم صليبا مشمسا/ أو مقمرا.
بما يعنى دوام تألقه على امتداد الزمان ، وهو الامتداد الذى يصنعه استعمال الشمس(نهارا) والقمر( ليلا) فيستحيل منيرا أبدا ، عن طريق استثمار تقنية طباق الاستغراق.
ويظهر الصليب مرة أخرى منافحا حاميا مدافعا فى تاريخه القديم على الأقل ، يقول الشاعر: ص 79
• ارسم وحاول أن تنافح عنه..
• جرب أن تذب عن الذى فى الأصل
كان يذب عنك ..
. . .
• وقل استجب لى يا صليب
وفى الوقت نفسه يبدو الهلال حتى ساعة يرواغ الشاعر فيظهره فى جو متعاطف محاطا بقدر من التوتر ، يقول الشاعر:
• ارسمه جسيما وسط هالته
وسيما
لا سقيما
• كلما هبت عليه الريح زالا!
إن الشعرية التى تتكشف معجما وتصويرا وفكرة فى هذا الديوان تفجر طاقات بالرموز والعلامات بعقول أجيال كاملة.
صحيح أن وجها من الألم على مآلات العرب ربما يطل من خلف صفحات القصيدة هنا ، لكن القسوة المفرطة فى التعامل مع الإشارات والعلامات توشك أن تغتال الجسد المريض ، ساعة تعلن أنها تريد أن تشفيه ، أو تبعث بالعافية فى أوصاله.
(3) الأيديولوجيا ساعة تركب فتنتحر الجماليات!
وقراءة الديوان تكشف عن تقدم الأيديولوجيا وسبقها للفنى بمسافات واسعة ، ولاسيما فى آخر قصائد الديوان( صدى رجع الصدى)
لقد حاول الشاعر أن يتكئ على خصائص صوت السين ، حيث التزم فى مواطن بعينها من جسم القصيدة ، مستثمرا طاقاته الصفيرية التحذيرية بما فيها من دلالة الصراخ و الصفير.
وهذه القصيدة ليست جديدة فيما تفتح أبوابه على المتلقى ، فمسألة الحيرة الإنسانية التى تقف أمام الفعل الإلهى على الأرض فى تجلياته التى تبدو متناقضة لبعض العقول مسألة قديمة .
وهى مسألة مطروقة فى تاريخ الشعر المعاصر ولاسيما عند التيارات الفكرية اليسارية والليبرالية والحداثية
وما زال القارئ المعاصر يتذكر بعضا من سؤلات مأساة الحلاج من رفاق الحلاج التى صاغها شعرا صلاح عبد الصبور ، رحمه الله – فى مأساة الحلاج .
لقد كانت الكلمات التى طفرت على لسان الشبلى هناك محكومة بسياقها الدرامى من شخصية تحيط بها أزمة نفسية أو لحظة وجد غلب فيه القلب على اللسان ، ثم كانت العبارات المتوالية هناك مشفوعة بإجابة باعثة على الإيمان:
كان الشبلى يقول:
• لكنى ألقى فى وجهك/ بسؤال مثل سؤالك؟
• قل: من صنع الموت؟
• قل: من صنع العلة والداء؟
• قل: من وسم المجذومين؟
• والمصروعين
• قل: من سمل العميان؟
ثم جاء مرة أخرى ليقرر أن باعثه على ذلك هو أنه يريد أن يملأ نفس الحلاج السائل بالنور و اليقين ، فقال:
• يا حلاج
• الشر قديم فى الكون
. . .
• كى يعرف ربى من ينجو ممن يتردى
أما هنا فقد توجه الخطاب فأسند بشكل مباشر فعل الشر بالله يجعل الفكرة الذهنية طاغية تعالن بوجودها فتحيل القصيدة فى ظل قلق فى تصميم اللغة، توترها مقالة نثرية اعتنت بقدر من الموسيقية :
يقول الشاعر :
يارب:
كم كلفتهم ما لا يطاق!
ويقول : كيف إذن صمت / طوال هذا الوقت!
ويقول : متى ستجيب يارب؟
لقد قصم السكوت الظهر!
إن أمثال هذه الأسطر فى تصميمها اللغوى تبعث على ظهور مخاطر حقيقية مدمرة ، لقد كان يصح على سبيل التخفيف من ملامح ما تخفيه من شكوك متزايدة أن تتذرع بما يسمى السؤالات المفتوحة على ما جاء فى حوار الشبلى عند صلاح عبد الصبور.
إن تعانق ازدراء معجم الهلال وما أحط به من مكونات ، وصور من جانب ، وتعالى معجم الصليب وما أحاط به من مجد العذراء ومدحها من جانب ثان ، وإسناد كلفة ما لا يطاق إلى الرب مباشرة من جانب أخير – أمور من شأنها أن تفتح بابا مرعبا لما تمارسه بعض أصوات الحركة الشعرية المعاصرة من تدمير للعقل و الوجدان مما يستدعى معه الحاجة الملحة إلى فحص استراتيجيات شعرية الدمار عبر آليات العبث بالمعجم ، وتهديد المواطنة ، وتشويه المحددات المركزية لبناء الهوية ، وطعن المعنى ، وتجاوزه ، وتعديل الإحساس به ، توصلا إلى تعديل الإحساس بالعالم.
إن تدمير الهوية بتدمير محدداتها اللسانية سيقود إلى نسف أمة بكاملها تمتد فتغطى بامتدادها العراق وسوريا ولبنان والقدس ومصر بلادا كثيرة مترامية الأطراف.
وربما صح فى النهاية أن أقرر بوحى من بوالو فى كتابه : فن الشعر : إن القصيدة وليد ينشد الحياة والفرح، ومن أجل ذلك فهى تبغض أن يتطاول مهرج ثقيل ، فيضع الجليل فى قالب السقيم!
وقد ترك مفهوم الدمار الشامل أثره على الديوان نفسه فسقط فى حومة مجافاة الجمال والفن تحت عجلات تقديس أيديولوجيا غازية!
-----------
* كلية الآداب جامعة المنوفية.