)ليْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ( (آل عمران: ١٢٨) تعقيب إلهي علي غضب النبي صلي الله عليه وسلم مما فُعل فيه وفي عمه حمزه وأصحابه رضي الله عنهم يوم أحد ليتذكر النبي أنه عبد لله وأن الأمر كله لله وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولوشاء الله لانتصر منهم، ولوشاء لتاب عليهم وعلى من مثّل بعمه حمزة، وهو ما حدث بالفعل لاحقًا مع وحشي وهند قتلة حمزة، ولو شاء لعذبهم فإنهم ظالمون.
ويقول صاحب الظلال في هذه الآية:
"إن أحدًا ليس له من الأمر من شيء (حتى النبي) لا في نصر ولا في هزيمة، إنما الطاعة والوفاء والأداء هي المطلوبة من الناس وإن النصر من عند الله لتحقيق قدر الله وليس للرسول ولا للمجاهدين في النصر من غاية ذاتية ولا نصيب شخصي كما انه ليس له ولا لهم دخل في تحقيقه وإن هم إلا ستار القدرة!!.
ما أشبه اليوم بالأمس نعم ليس لنا من الأمر شيء.. قيلت لمن هو خير منا.. لا بد أن نصغي إليها ولا يتعارض ذلك مع أننا سنراجع أنفسنا ونقف على مواطن القصور، وسنتعبد إلى الله باستدراكها وسنظل مرابطين لن نهون ولن نحزن، سنظل أوفياء لديننا أوفياء لأوطاننا وسنري الله من أنفسنا خيرًا.. ويومًا سيعلم شعبنا أنه أحب إلينا من انفسنا وسيعلم أيضًا الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون.. إن الله لا يصلح عمل المفسدين، وإن غدًا لناظره قريب.
الوقوف على جوانب القصور واستدراكها واجب، ولكن أيضًا أصحاب الدعوات يصطحبون هذا التقويم باستشعار التسليم المطلق لله ولا تفت الأحداث مهما كانت قسوتها في عزائمهم ويتأملون تعقيب الله على موقف بعض الصحابه الذين أستشعروا الألم بعد غزوه أحد "واستمعوا إلى قول المنافقين إن الأفضل كان عدم الخروج من المدينة، وأنهم لو فعلوا ما كان حدث ما حدث، فنزل التوجيه الإلهي في قوله تعالى: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (آل عمران: 154).
وفي النهايه نعلم أن الله لم يخلقنا عبثًا ولكن خلقنا لعبادته ولإقامة الدين ولعمارة الأرض وجعل البلاء والتدافع بين الحق والباطل والخير والشر سنة كونية من أجل تمحيص المؤمنين وتحقيق الإيمان في قلوبهم ومن أجل محق المجرمين وإقامه الحجه عليهم، ولم يمهل الظالمين حبًّا فيهم ولكن بلاءً للمؤمنين (أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت) (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (2) الملك (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَالله لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141) (آل عمران).
سألت نفسي عن طبيعة البلاء بعد الثورة.. فخشيت عندئذ على نفسي وعلى إخواني من بلاء المناصب وفتن الدنيا، ولكن سريعًا وجدت بلاء آخر.. التشهير والتشكيك والسب والقذف وتحزب أصحاب المصالح من رجال أعمال.. ومن آخرين في القضاء، ومن إعلاميين، ومن رجال شرطة ومن دولة عميقة.. ومن... ومن.. "والله من ورائهم محيط".
بل وأصبحت المناصب مغرمًا لا مغنمًا، ووجدت أن الله يعطينا نتائج بلا مقدمات (ثورة بلا أسباب، وفوز الرئيس بعد ترشحه قبل الانتخابات بثلاثة أسابيع، وجلاء المجلس العسكري ونسبة عالية في الاستفتاء الأول والثاني بلا مقدمات..) وأحيانًا تكون الأسباب معنا والنتائج مختلفة لنعلم أن الأمر كله لله وأن الأمور تجري بمقادير الله وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم، وتريدون العير والله يريد النفير، وأننا نستر قدرة الله ونأخذ الأجرة، وأن للبيت ربًّا يحميه.. سنلجأ إليه ونتوكل عليه ونفوض إليه الأمر كله وسنستمد مدد السماء بالذكر والدعاء وقيام الليل، وسنجتهد ونشمر وسنشم ريح الجنة وراء كل حدث وسنراجع ونحاسب أنفسنا ونستدرك ما فاتنا، وإن نصر الله قريب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون، والله أكبر ولله الحمد.. اللهم بلغ عنا.