في الوقت الذي دعا فيه الفاشلون من السياسيين إلى استدعاء الجيش مرة أخرى إلى المشهد السياسي والانقلاب على الرئيس المنتخب بإرادة شعبية، وهي التي صدعتنا في الماضي بالاحتكام إلى الديمقراطية والصندوق، كما حدثتنا هي الفصائل عن مزايا الديمقراطية والحكم النيابي وعن الدول التي مارست الديمقراطية وكيف صارت أحوالها من أحسن لأحسن ونال الفرد فيها كل الحقوق، وكان منهم يختتم مقاله الذي ينشره في صحف غسيل الأموال بعبارة تخدع البسطاء "الديمقراطية هي الحل".

 

وما إن تم تطبيق كل ما نادوا به في الماضي حتى انقلبوا على الديمقراطية ذاتها، لأنها أتت بغيرهم إلى سدة الحكم، بل وجدنا هذا الكاتب نفسه طالب باستبعاد الأميين من التصويت في الانتخابات، وينسج قصصًا لا تحدث إلا في خياله المريض مثل مقاله القصصي "في المخبأ السري" عن لقاء المرشد بالرئيس مرسي وتلقينه إياه بالتعليمات، وهو ما كذبه حراس الرئيس من الشرطة، وقصصه هذه تذكرني بالذين دسوا أحاديث على النبي صلى الله عليه، عندما لم يجدوا من الصحيح منها ما يخدم قضيتهم الخبيثة، وتصدى لهم علماء الرجال الذين كشفوا عن مكرهم وتدليسهم، وألفوا كتبهم المعنونة بـ"طبقات المدلسين".

 

إذن "الدس والتدليس هو الحل"، بدلاً من "الديمقراطية هي الحل!!!"

 

ورأينا الذين صدعونا في الماضي بمعارضتهم لنظام مبارك في حدود وحسب خطة مرسومة، صيغت بدقة لتظهر النظام بأنه يراعي الديمقراطية ويسمح بحرية الرأي والتعبير، وعندما تخطى أحدهم الحدود الحمراء تم خطفه واقتياده إلى صحراء المقطم، ليُجرد من ملابسه، وظل يجري بعد أن أصابه المس (مس الرائد موافي وأمن الدولة)، حتى أنقذه أحد الجنود وستره بملابسه، هذا الفعل الشنيع الذي فعله النظام البائد وجهازه البوليسي الفاشي الذي تعقب المعارضة بكل الأساليب القذرة استنكره كل شريف في هذا الوقت.

 

ومن عجب أن يجري هذا الصحفي حوارًا مع أحد جزاري الدولة البوليسية الفاشية التي أفرطت في استخدم الأمن لحماية الأنظمة الموجودة وهو اللواء فواد علام، نكاية في الإخوان المسلمين رفقاء الأمس والذي تخرج على يديه زبانية التعذيب في جهاز أمن الدولة الذي سبب للمصريين الجراح وأصاب المصريين في كرامتهم ومنهم رئيس تحرير "صوت الأمة" نفسه وقدم له ولمعه بقوله: اللواء "فؤاد علام" رجل أمن من طراز فريد اشتهر بقوته ومصداقيته وأنه الرجل الذي أحكم قبضته على الإخوان المسلمين وألزمهم الجحور التي عاشوا فيها كجماعة محظورة- وهو الوحيد الذي يحمل ملفات هذه الجماعة ويحتفظ بها حتى الآن. خبير أمني قوي الإرادة، صاحب فكر ثاقب وهو المسئول العملاق في يوم من الأيام بجهاز مباحث أمن الدولة السابق، تمنيت اللقاء به منذ سمعت عنه لأجري هذا الحوار الصحفي معه، خاصة بعد أن كنت أرافق الراحل "أحمد رائف عبد الحميد" إلى وزارة الداخلية ليلتقي مع اللواء "فؤاد علام" فيصعد إليه مهمومًا ويغادر مكتبه ووزارة الداخلية مبتسمًا سعيدًا، وكانت علامات الاستفهام تتراقص أمامي بشدة حول هذا الموقف إلى أن أفصح لي أخيرًا سيادة اللواء "فؤاد علام" عن الكثير من الأسرار بشأن الإخوان المسلمين". 

 

ترك (الصحفي المخطوف) الحديث عن الفساد والمفسدين والمجرمين، وتهرب رجال أعمال مبارك من الضرائب وهروبهم خارج مصر، ودفاع زملائه عنه، وركز هجومه على نظام مرسي الديكتاتوري الدموي حسب زعمه،  بل لم يعلق على مهرجان البراءة للجميع ولم نره يحتج عند الإفراج عن الرائد موافي، بل إن يحتاج الرجل إلى عمل مقاس نظارة أخرى ليعيد رصد الفساد الذي زكم الأنوف عن الناشطين الذين أثروا في غمضة عين، وامتلاكهم القصور والسيارات الفارهة، وعن زملائه الذين امتلكوا القصور والفيلات والأملاك والسيارات "الهمر" وهم الذين بدأوا حياتهم منذ بضع سنوات من مستوى معيشي تحت الفقر.. لم نره يحتج لزيارة أتباعه الناصريين الذين ذهبوا يباركون لبشار إجرامه، كما ذهب هو إلى الجزارين يستفتيهم في الإخوان المسلمين ويسترشد بآرائهم الكاذبة، ويغض الطرف عن إجرامهم ويقدمهم للمجتمع على أنهم خدموا مصر وبذلوا في رفعتها الغال والنفيس.  

 

هل يصل بنا الاختلاف إلى استخدام منهج "كيد النساء" والتحالف مع الشيطان، ضد حلفاء الأمس؟

 

لقد أحيا فؤاد علام ضلالاته القديمة ودافع بشراسة عن جهاز أمن الدولة وطالب بعودته حتى يتم القضاء على الإرهاب والجماعات المتطرفة (غير الشرعية) وسماه بالاسم منها حركة كفاية، و6 إبريل، وطبعًا جماعة الإخوان المسلمين، وزعم أن زعماء الإخوان منهم الشهيد حسن البنا، والمستشار حسن الهضيبي كانوا جواسيس للمخابرات الإنجليزية والأمريكية، وعنده أدلة على ذلك، طيب أين هذه الوثائق؟ ولماذا تحتفظ بها في بيتك ومكانها الطبيعي مكان عملك؟ هل قمت بخصخصتها وقت مواسم الرحيل إلى الخصخصة الذي تم في عهد سيدك وولي نعمتك نزيل السجن حسني مبارك؟ هل قمت بالسطو عليها لتبتز بها هذه الجماعات حتى لا يلاحقونك قضائيًّا بمنطق "سيب وأنا أسيب".

 

كان الرجل قد اشترك في الهجمة الشرسة على الجماعات الإسلامية بعد خروجه إلى المعاش في أواخر الثمانينيات واشترك مع كتيبة الرائد موافي زميله السابق في أجهزة العسكر الجهنمية، التي اشترك في القتال فيها معظم المتحولين من قادة الصحافة التي ينظرون للثورة والثوار، فتحت له مجلة "روز اليوسف" أبوابها ليواصل الهجوم على الحركات الإسلامية والرئيس يتابعه معجبًا ويشد على أزره ويوصي به خيرًا، ويتصل به الرائد موافي شاكرًا وناقلاً له تحيات الرئيس ومن ضمن ما ردده: زعمه أن بعض الدول تستخدم الجماعات الإسلامية لتحقيق مصالح وأهداف خاصة، وأن الإخوان اتفقوا مع الأمريكان للإطاحة بثورة يوليو والاستيلاء على حكم مصر، كما جدد اعترضه ساعتها على منح حزب ديني للإسلاميين حتى لا يحدث انفجار في مصر وقد خيب الله ظنه وجعله يعيش حتى يرى أن الأحزاب الإسلامية هي التي تسعى لتجنيب مصر العنف الذي تشجعه اليوم الأحزاب العلمانية والليبرالية واليسارية لأنهم يستخدمون مبدأ "فيها لا أخفيها"، ومن ضمن ما زعم وردد أن  انكماش حركة الإخوان في منطقة الخليج بعد ضغوط السعودية عليها، كما ادعى أن المخابرات الغربية وراء حقن المنطقة العربية بالفصائل والجماعات الإسلامية، ومائة منظمة إرهابية في أمريكا ترتكب جرائم كبرى ولا تعلن الأجهزة الأمنية عنها، والجماعات الإرهابية ليست إسلامية وغير متوقع حدوث تقارب أو تنسيق بينها وبين الحكومات العربية، وعمليات الاغتيالات التي ارتكبتها عناصر الإخوان تمت بتعليمات من قياداتها.

 

 فؤاد علام وادعاءاته وإنكاره للتعذيب:

أجرت جريدة "الشرق" حوارًا شاملاً مع فؤاد علام  وردد ما كان يقوله إعلام حسني مبارك في هذا التوقيت وأجمل في هذا الحوار ما ردده في كتابه "الإخوان وأنا" الذي طبعه نظام مبارك عن مؤسسة "أخبار اليوم"، وأعلن في هذا الحوار: "أن جماعة الإخوان المسلمين هي أم الإرهاب في العالم فهي جماعة تغير من أساليبها وجلدها وادعاءاتها لكن في حقيقة تكوينها وأدبياتها وأفكارها وتاريخها هي أم الإرهاب في العالم. أما بالنسبة للجماعات الأخرى فيجب أن نعلم أن المفهوم الدولي للحركة الإسلامية بصفة عامة غير سليم. وفي بعض الأحيان يوجد تجاوز في وصف بعض الجماعات بالإرهاب. ويصل التجاوز إلى اتهام الإسلام نفسه بالدموية. ونعيش الآن الأزمة التي أثارها بابا الفاتيكان تجاه رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم واتهامه بأمور لا علاقة لها بالحقيقة معتمدًا على بعض التأريخات البيزنطية المعروفة بعدائها الشديد للإسلام وللنبي الكريم صلى الله عليه وسلم وهو مفهوم خاطئ. وقبل عدة شهور كان هناك أزمة الدنمارك وهي تدل على مفهوم خاطئ أيضًا"

 

وعندما سأله المحرر عن استخدام التعذيب التي استخدم ضد هذه الجماعات طوال العقود الماضية هون الرجل من هذا الشأن وعزاه إلى اختلاق من جانب الإخوان في أدبياتهم حيث قال بالنص: "ومن وقت وجود الجريمة نلاحظ أن المجرم يحاول تبرير جريمته بأي وسيلة للوصول إلى البراءة وذلك بادعاءات متعددة، والادعاءات السائدة في جريمة الرأي هي التعذيب، وهذه قضية محسومة لا تستطيع الكذب فيها، والمعيار ليس بحديث المجني عليه أو المتهم ولكن من خلال تقارير فنية وطبية تجزم أن الادعاء صحيح، والطب الشرعي قادر على إثبات شكل وطريقة التعذيب وهل يتفق مع ما يدعيه البعض، وقد أنشأ الإخوان في عصر جمال عبد الناصر جهازًا إعلاميًّا للتشهير بنظام حكمه من خلال منشورات ودعاية إعلامية. اليوم لا شك أن وجود منظمات حقوق الإنسان تمثل ضمانة للوصول إلى الحق بنسبة كبيرة وأتمنى منهم تطوير أسلوب عملهم لتحقيق الهدف من وجودهم".

 

 قاتل السنانيري:

ذكر المؤرخ الكبير أحمد رائف فصولاً من إجرام جزاري أمن الدولة في كتابه الحجة "البوابة السوداء"، ففيه الكثير من الخبر اليقين، وتحدث غيره الكثير، منهم: جابر رزق، وحسين حمودة، ومحمد الغزالي، وذكروا أحاديث عن الشهداء الذين لقوا ربهم أثناء التعذيب وذكر زبانية المعذبين منهم حسن أبو باشا، وممدوح البلتاجي، وشمس الكسوف، والروبي وغيرهم.. ومن الذين نكل بهم الشهيد  محمد كمال الدين السنانيري، الذي أمضى زهرة حياته في السجون المصرية لمدة عشرين عامًا في الفترة من 1954 إلى أفرج عنه 1974، وتحمل في المعتقل كل صنوف العذاب بنفس راضية في سبيل الإسلام، ولما نشبت حرب أفغانستان ذهب يعضد أبناء النضال، وبعد عودته من أفغانستان تعرض للاعتقال مع غيره من أبناء الحركة الإسلامية وقادة العمل الوطني في مصر، وكان الرئيس السادات قد أصدر- في (ذي القعدة 1401هـ الموافق سبتمبر 1981م)- قرارات التحفظ الشهيرة على معارضي سياسته، وألقى بهم في المعتقلات بعد أن اشتدت المعارضة لاتفاقيات الصلح مع العدو الإسرائيلي، وتعرّض السنانيري في أثناء اعتقاله لتعذيب رهيب؛ أملاً في معرفة معلومات عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ووقع عليه أهوال من العذاب بعد أن تجاوز الستين من عمره، ولم يتحمل جسده هذه الأهوال التي تفنن زبانية التعذيب في إلحاقها به، ولم يكن لمن في سنه أن يتحمل هذه الأهوال ففاضت روحه الطاهرة في (10 من المحرم 1402هـ الموافق 8 من نوفمبر 1981م)، ولم يكتف هؤلاء الجلادون بقتله، بل حاولوا اغتياله معنويًّا، فأشاعوا أنه قد انتحر بأن ربط عنقه بفوطة، ثم ربطها بكوع الحوض الموجود بالزنزانة، وصار يجذب نفسه حتى مات، وفي الصباح اكتشف السجَّان الجثة، وجاء الطبيب الشرعي، وعاينها وأثبت سبب الوفاة، ولم يصدق أحد هذه القصة الملفقة، التي لا يمكن أن يقبلها عقل طفل صغير, فتاريخ السجون المصرية في عهد الثورة مليء بمثل هذه المآسي، وخبرة رجالها في اغتيال المعتقلين العزَّل أمر يعرفه الناس جميعًا، وتلفيق التهم الكاذبة عن ادعاء هروبهم بعد القيام بقتلهم معروف بين الكافة، ولا يمكن لمن صمد عشرين عامًا ثابت النفس، راسخ الإيمان أن يجزع لاعتقاله فترة قليلة من الزمن، فيقدم على مثل هذا العم، وثبت أن قاتله هو اللواء فؤاد علام بشهادة الثقاة من زملاء السنانيري، فلم يؤثر عن أحد من الإخوان المسلمين أو التيار الإسلامي عمومًا أثناء قضائهم السجن في باستيل الحكم البوليسي الفاشي، أن أقبل على الانتحار هربًا من العذاب، فلماذا لم ينتحر أثناء فترة سجنه الأولى التي بلغت عشرين عامًا متصلة، ولو أن هذه الجريمة حدثت في بلد غير مصر الذي يكرم فيها الجلادون لكان مصيرهم الإعدام رميًا بالرصاص، بدلاً من مرورهم على القنوات يستجمع فلول المجرمين ويحرضهم على النظام الجديد.

 

علام يقول: اتق الله يا مرسي:

ستعجب عزيزي القارئ أن يظهر فؤاد علام وينتقد سياسة الرئيس مرسي منذ أن وصل لسدة الرئاسة، بل هو قد انتقد وصول الإسلاميين وصار يشنع عليهم في وسائل إعلام الرائد موافي ورجال أعمال مبارك، بدلاً من الندم على إجرامه وعجز القانون البشري عن القصاص منه، ما زال الرجل يعتبر الفصائل إرهابيين يجب أن يرجع جهاز أمن الدولة للتعامل معهم، وهي التي حظيت بقبول الشعب المصري، ولم تنجح بتزوير أمن الدولة، ويختم الرجل حواره بتوجيه نصيحة للرئيس مرسي بأن يتق الله في شعبه: "أنا هنا انتهز الفرصة لأقول للرئيس محمد مرسي بصراحة تامة اتق الله في وطنك واتق الله في شعبك، وأحسن اختيار مستشاريك ومعاونيك"، بدلاً من أن ينصح رجاله وغلمانه بالكف عن زرع الفتنة وزعزعة الاستقرار في مصر وهو يذكرني بقصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي التي قال فيها:

برز الثعلب يومًا في ثياب الواعظينا

فمشى في الأرض يهذي ويسبّ الماكرينا

ويقول: الحمد لله إله العالمينا

يا عباد الله توبوا فهو كهف التائبينا

وازهدوا في الطير إن العيش عيش الزاهدينا

واطلبوا الديك يؤذن لصلاة الصبح فينا

فأتى الديك رسول من إمام الناسكينا

عرض الأمر عليه وهو يرجو أن يلينا

فأجاب الديك: عذرًا يا أضلّ المهتدينا

بلّغ الثعلب عني عن جدودي الصالحينا

أنهم قالوا وخير القول قول العارفينا

مخطئٌ من ظنّ يومًا أنّ للثعلب دينا

--------

abu_algamal@yahoo.com