لن تجد صعوبة وأنت تراقب المشهد السياسي أن تلمح "الوجهة" التي يريد كل فريق أن يوجه الوطن إليها.

 

فالفريق الأول وهم "شباب الثورة" يريدون توجيهه إلى "مدينة فاضلة"، ويريدون هذه المدينة "اليوم" وليس غدًا، ويرون أن الثورة والشهداء يعنيان التغيير الفوري، بمعنى أن يكون القرار من ميادين التظاهر، فإذا أمر المتظاهرون بتطهير "القضاء" وجب على "الرئيس" أن يصدر قرارًا فوريًّا بعزل كل من يُشتبه في صلته بالنظام البائد، وإذا أراد المتظاهرون تطهير "الداخلية"، كان القرار بإحالة الفاسدين جميعًا إلى المعاش أو السجن!

 

وينسحب هذا على كل مؤسسات الدولة، بحيث يصبح الإصلاح فوريًّا ودون انتظار، وبصرف النظر عن الظلم الذى يمكن أن يلحق بالآلاف بسبب التسرع، وبغض النظر عن الارتباك والفوضى الذي يمكن أن تسببه هذه القرارات، ناهيك عن حالة الشلل التام التي ستصيب البلاد لشهور أو لسنوات، وخوف الجميع من أن يقع تحت طائلة "التطهير الثوري" فنعود إلى (عصر الخوف) الذي خلصتنا منه الثورة.

 

والشباب يتعجبون من هؤلاء "العواجيز" الذين يحكمون ومنهم "الرئيس"!!... فقد أسقطوا "مبارك" وعائلته وحاشيته، فلماذا لا يسقطون من هم أقل منهم؟... هكذا يفكرون.

 

لكن الغريب أن الشباب نفسه يتحول إلى "معاداة" من لم ينفذ له هذه القرارات وهو "الرئيس"... وهذا يمكن تفهمه في إطار عامل السن واﻹحساس بنشوة الانتصار... لكن المستغرب أن يضعوا أنفسهم في خندق واحد مع هؤلاء الذين يريدون تطهير الوطن منهم!

 

فيسمحون بخيمة "آسفين يا ريس" أن تعتصم بالميدان وتلوثه، ثم يتحالفون مع البلطجية الذين قتلوا إخوانهم في "معركة الجمل"، ويقبلون تمويل حركتهم الثورية من مال النظام البائد، بل يدافعون عن الإعلام الفاسد الذى تظاهروا ضده باﻷمس لمجرد أنه يعادي "النظام"، ويعلن ثوريته الزائفة بتلميع الشاشة (بنجوم الثورة)!!

 

وهم لا يفكرون: ماذا لو أسقطوا "الرئيس"؟ فهل ستكون قيادة الوطن بيد هذا الحلف الذى شكلوه؟

 

أي إنهم قدموا شهداء بالأمس لإسقاط النظام والآن سيقدمون شهداء لإعادة النظام نفسه؟

 

الحقيقة أنهم (فقدوا البوصلة)، وأصبحت المرحلة صعبة تمامًا عليهم، واستجلاء الحقائق غدا مستحيلاً على نفوس "مرضت بالثورة" على كل شيء، فلم يعودوا مؤهلين للقيادة… لقد أدوا دورهم العظيم فى إشعال الثورة… والآن يجب أن تكون لدينا الشجاعة في مواجهتهم بالحقيقة.

 

أما الفريق الثاني فهو فريق "الخاسرين في الانتخابات"، فهؤلاء قد جمعتهم مرارة الهزيمة، وقد لا يقدر أحدنا معنى "مرارة الهزيمة"، إلا أن يكون قد جربها، لاسيما إذا كنت متأكدًا تمامًا أنك المنتصر... وباكتساح!.. فإذا الموازين تنقلب وترى من كنت تستصغره، بل تحتقره، هو الذي يفوز عليك... ويقودك؟

 

قَبل كل هؤلاء الفرقاء أن يجمعهم خندق (تكدير حياة المصريين) بزعم المعارضة الديمقراطية، ونسوا جميعًا أن مؤسسات "مصر" أصبحت ركامًا مهدمًا عقب الثورة، وأن الرجولة تقتضينا التوحد على من اختاره الشعب، وأن نؤجل استحقاقات الخصومة السياسية لأجل خاطر هذا الشعب المنكوب بهم، ولكنهم فقدوا البوصلة أيضًا؛ فإذا سكت "حمدين" عن الدعوة لانتخابات مبكرة صاح بها "عمرو موسى"، فإذا شعر هذا بالهزيمة طلبها "البرادعي"، وإذا انكسر الجميع على "ترس الرئاسة" نطق بها "أبو الفتوح".

 

ونسي هؤلاء جميعًا أنهم أعلنوا احترام إرادة الشعب، وأنهم سيقدمون النموذج في المعارضة الوطنية "البناءة"، ونسوا جميعًا أن الوطن لا يحتمل كل هذه الصراعات على المناصب السياسية، ونسوا أن قضيتهم جميعًا كانت (الفقراء والمهمشين).... هذه الفئات التي تداس بالأقدام تحت نيران هذه الحرب التي يشعلها هؤلاء الخاسرون.

 

قطعًا ستجد لكل منهم منطقًا سياسيًّا لأفعاله، لكن المؤكد أنهم كلهم يكذبون.

 

يكذبون على أنفسهم وعلى أنصارهم وعلى وطنهم.

 

إنهم ببساطة قد فقدوا بوصلة حركتهم… فكيف يريدون توجيه بوصلة الوطن؟.. وإلى أين؟!

 

أما الفريق الثالث، فهم "الرئاسة" وأنصارها، هؤلاء الذين يواجهون العقبات فيطحنونها بضروسهم ويسيرون في الطريق المظلم تتناوشهم سهام المضللين.

 

ولقد أسست "الرئاسة" إستراتيجيتها وتمضي فيها بدأب وإصرار..... وكثير من أنصارها يتصورون أن مشروعها يتأخر بسبب الهجوم الضاري عليها، لكن "الرئيس" فصل بين خطين، ووضع لكل خط منهجه.

 

أما (الخط الأول) فهو بناء الدولة، وهو طريق لا يتأخر ولا تزحزحه العقبات لأنه يثق أن هذا الخط هو أمل مصر في تدشين مشروعاتها وإقبال الاستثمارات عليها آمنة مطمئنة، وقد علمت أن "الرئيس" لن يتزحزح قيد أنمله عن إكمال "بناء الدولة" ولو تحالفت عليه قوى العالم مجتمعة ، بل لو وجد نفسه وحيدًا، فالصورة عنده واضحة تمامًا، ولا يغيب عنه ما يحدث في الشارع من ضيق وتبرم، بل من التلاعب بشعبيته شخصيًّا في نفوس شعبه الذي اختاره.

 

وأما (الخط الثاني) فهو التعامل مع المتطلبات اليومية للمواطن، وهو يتابعها بنفسه مع "رئيس الوزراء" ووزارته والمسئولين في كل المؤسسات، والمؤشرات الحقيقية متصاعدة رغم المشكلات المتراكمة، وهو يراهن على الاتساع اليومي لدائرة الإنجاز، كما أنه متأكد أن المواطن سيشعر مع الوقت بما يفعله له "رئيسه".

 

عامل (الزمن) سيكون دائمًا لصالح "الرئاسة"؛ لذا فإن خصوم "الرئيس" يريدونها حربًا مفاجئة سريعة تسقطه، أو تثير الفوضى حوله، لكنه يأخذهم إلى (أجندته) هو ويضع الجميع على بوصلة واحدة وهي "الإنجاز" للعبور من النفق.

 

وإلى الآن فإن النصال قد تكسرت على باب "الاتحادية"، وبقى تحدٍ واحد وهو نشر اقتناع شعبي للالتفاف حول المشروع، ورؤيتنا أن الرئيس لديه ثقة كاملة في أن التحول في المزاج الشعبي سيحدث قريبًا وسيلتف الشعب حول "قائده"، لاسيما أن أدوات كثيرة تعمل بدأب للتواصل مع الجماهير سواء من أجهزة حكومية ووزارات تم تفعيلها، أو من أنصار "الرئيس" وفي مقدمتهم الإخوان.

 

البوصلة اليوم إذن ما زالت في يد "الرئيس"، وقد يكون هنالك ارتباك في المشهد، لكن ليست هنالك "فوضى" لأن "الفوضى" هي تنازع قوى متكافئة تملك رصيدًا شعبيًّا يؤهلها للسير بالوطن في اتجاه ما، وقد تكون "الفوضى" بسبب عدم وجود بوصلة مسيطرة على حركة الوطن أصلاً، وهذا غير حادث قطعًا.

 

وقد تكون هناك أزمات يصاحبها غضب وقلق لدى الشعب، لكن هذا الغضب والقلق هو أقصى ما استطاعت أن تنجزه الثورة المضادة… وهو أمر يمكن التعامل معه.

mohamedkamal62@ymail.com