يقولون إنه نتاج طويل لتطور الفكر الإنساني والمجتمعي الذي لم يكن يعرف كيفية محاكمة الخارجين على أعراف الجماعة غير القصاص الفردي. ويقولون إنه الرجل الذي يمسك بناصيته وفي كل المجتمعات المتحضرة سلطة تحريك ومباشرة الدعوى الجنائية، فإما أن يكون أمينًا عليها وإما أن يكون أداة بطش في يد الحاكم. ويقولون إنه الرجل الثاني بعد الملك أو الأمير أو الرئيس الذي تقتص منه الشعوب بعد أن تُسقط نظام حكمها. إنه النائب العام أو المدعي العام كما تسميه بعض الأنظمة القضائية. الرجل القوى الذي يبسط سلطته على الكل باسم القانون أو من المفروض أن يكون ذلك.
هذا المنصب الذي لم يتوصل إليه الفكر البشرى إلا بعد عصور طويلة ساد فيها القصاص الفردي كما أشرنا. هذا المنصب الآن يثير أزمة كبيرة في مصر. أزمة صنعتها حوادث كثيرة في بلدٍ مازال يبحث عن الطريق الصحيح للوصول إلى أهداف ثورته رغم مرور أكثر من سنتين على اندلاعها في 25 يناير 2011. فمنذ هذا التاريخ لم ينقطع الجدل حول منصب النائب العام الذي كان أحد الأسباب التي أشعلت هذه الثورة الشعبية، وأريد أن أُشير إلى أن الحديث عن أزمة النائب العام لا بد أن يكون حديثًا موضوعيًّا منزهًا عن أي هوى أو ميل سياسي، ولا بد أن يكون صوت العقل والضمير فيه أعلى من صوت أي ضجيج، كما أنني أرى أنه يجب أن تكون نصوص الدستور قريبة جدًا عند الحديث عن أبعاد الأزمة وكيفية الخروج منها، فلم يعد بمقدور أحد أن يتصدى لها من غير أن يرجع إلى نصوص الدستور وإلا كان تصديًا قائمًا على غير أساسٍ سليم وسيأخذنا حتمًا إلى نتائج خاطئة..
والأزمة تعود إلى زمنٍ بعيد وفي بلادٍ لم تشهد استقلالاً حقيقيًا للقضاء في كل عصورها، ومنذ أن كان منصب النائب العام يُستغل في نواحٍ كثيرة للتنكيل بخصوم النظام السياسيين، والثلاثين عامًا السابقة على ثورة يناير كفيلة بأن تُعطى مثال على ذلك. فقانون الطوارئ كان هو السيد وليس القانون الطبيعي وسلطة وزير الداخلية وهو في النهاية رجل ضبط كانت تفوق سلطة النائب العام وهو منصب قضائي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وحين يحدث ذلك في مجتمع من المجتمعات فهذا معناه أن النظام الذي يحكم هو نظام بوليسي مهمته الأولى حماية الحكم واستمراره.
وإذا نظرنا إلى الفترة التي تولى فيها المستشار عبد المجيد محمود منصب النائب العام والتي بدأت في 2006 سنجد أنها الفترة التي اشتعلت فيها الثورة داخل نفوس المصريين والتي تحولت إلى غضب عارم في 25 يناير والأيام التي تلتها. فلا يختلف أحد على أن هذه تعد من أكثر الفترات التي أُهدرت فيها حقوق وحريات الأفراد وخاصة من يعارضون النظام والذي كان يتهيأ إلى نقل السلطة من الرئيس الأب إلى الرئيس الابن، وكان المطلوب هو إخماد أي عقبة في سبيل ذلك مهما كان العدوان على الحريات طاغيًا. ولا يختلف أحد على أن هذه الفترة أيضًا كانت من أكثر الفترات في تاريخ مصر التي أُهدرت فيها الأموال العامة بصورة تشكلت معها منظومة فساد كبرى لم نكن نتخيل أنها بلغت هذا الحجم، وكان ذلك للأسف تحت بصر الرجل الذي مهامه الأولى هي حماية حريات وحقوق وأموال الشعب.
وقامت الثورة وكان من بين مطالبها إقالة النائب العام.. كان مطلبًا ثوريًّا اتفقت عليه كل قوى الثورة على خلاف توجهاتها، وكان كل حكم يصدر ببراءة الضباط المتهمين بقتل الثوار، تخرج المظاهرات تطالب بإقالة النائب العام وتحمله مسئولية ضعف الأدلة. كانت المظاهرات ضد الرجل تتصاعد رغم الحصانة التي كانت تحمي منصبه من العزل أو الإقالة في قانون السلطة القضائية، وحين تم تعيينه سفيرًا لدى دولة الفاتيكان قامت الدنيا ولم تقعد رغم قناعتي الشخصية بأنه قبل هذا المنصب وأن قرار نقله كان بناء على رغبته وجاء وفق القانون، لكن أمور معينة قد تجمعت وتكاتفت حتى أعادت الرجل إلى مكتبه وكانت عودة قُلت عنها في حينها إنها جاءت باطلة وكانت تحتاج إلى قرار وحلف يمين جديدين. لكن الرجل عاد على أي حال وكان في عودته على هذا النحو جرح أصاب مؤسسة الرئاسة ونتيجة أخطاء وقع فيها رجال قانون محيطون بالرئيس كان يجب أن تكون مواقفهم على قدر أهمية وخطورة الحدث، وأعتقد أن الرئيس منذ عودته النائب العام السابق إلى مكتبه وعلى غير رغية منه لم يكف البحث عن وسيلة أخرى من أجل التخلص من رجل هو قال عنه وقبل أن يأتى رئيسًا للبلاد " لقد أخطأنا عندما سمحنا بأن يستمر النائب العام في منصبه بعد الثورة" وكانت وسيلة الخلاص منه هذه المرة عن طريق إعلان دستوري نصت المادة الثالثه فيه على أن يعين النائب العام من أعضاء السلطة القضائية بقرار من رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات من تاريخ شغله المنصب. وقد جاءت المادة الثانية من هذا الإعلان الذي صدر في 21- 11-2012 تحصن الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات الصادرة عن رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة في 30 يونيو 2012 وحتى نفاذ الدستور وانتخاب مجلس شعب جديد من أي طعن أمام أي جهة قضائية بحيث تكون نافذة بذاتها على النحو الذي جاء بنص الإعلان. وقد صدر قرار رئيس الجمهورية بتعيين النائب العام المستشار طلعت عبد الله بناء على هذا الإعلان الدستوري. وهنا ثار الخلاف القانوني الذي يحتدم حتى الآن. ما مدى شرعية تعيين النائب العام الحالي المستشار طلعت عبد الله، وما مدى شرعية عزل النائب العام السابق المستشار عبد المجيد محمود. وفي مجال الإجابة عن هذا التساؤل سأتعرض لثلاثة أحكام قضائية يمكننا أن نستخلصها منها. أول هذه الأحكام هو الحكم الصادر عن محكمة جنح الأزبكية في الجنحة رقم 12299 لسنة 2012 والذي قضى بعدم قبول الدعوى المقامة من النيابة العامة في واقعة نصب باعتبار أن وكيل النيابة الذي تصرف في الدعوى الجنائية لم يستمد سلطته من نائب عام شرعي تم تعيينه صحيحًا باعتبار أن الإعلان الدستوري الصادر بتعديل المادة 119 من قانون السلطة القضائية، قرار إداري منعدم هو في حقيقته عمل مادي يحمل اغتصابًا للسلطة ويترتب عليه بطلان وانعدام الآثار المترتبة على العمل المادي والخاص بتعيين المستشار طلعت عبد الله نائب عام.
فالحكم هنا جاء واضحًا في عدم اعترافه بالنائب العام الذي جاء عن طريق إعلان دستوري، ومن ثم اعتبر الدعوى الجنائية التي حركتها النيابة العامة غير مقبولة لرفعها من غير ذي صفة. وهو حكم من شأنه أن يهدم بنيان النيابة العامة بأكمله وينبئ بانهيار الأمن الداخلي بالمرة إذ أن كل الدعاوى الجنائية التي حركتها أو تحققها النيابة العامة ستلقى هذا المصير وهو ما يعنى أيضًا أن منصب النائب العام في مفهوم هذا الحكم قد أصبح شاغرًا.
لكن الحكم الصادر عن محكمة جنح مستأنف شمال القاهرة رقم 68097 لسنة 2012 والذي أقامته النيابة العامة استئنافًا لحكم محكمة الجنح المشار إليه قد جاء على خلاف هذا مطلقًا واعتبر الحكم في عبارات واضحة أن الإعلان الدستوري الذي أصدره رئيس الجمهورية والذي أصدر قرارًا جمهوريًّا بناء عليه بتعيين النائب العام الحالي هو من قبيل أعمال السيادة التي تصدر عن الحكومة بوصفها سلطة حكم لا سلطة إدارة وتتخذها اضطرارًا للمحافظة على كيان الدولة في الداخل أو الزود عن سيادتها في الخارج، وهي بهذا المفهوم تخرج عن نطاق المشروعية وتخضع لقاعدة التفسير الضيق وقد جرت أحكام الدستورية على استبعاد أعمال السيادة من الرقابة القضائية. وقد أوضحت محكمة الجنح المستأنفة في حكمها ما المقصود بالإعلان الدستوري؛ حيث قالت إنه الأداة القانونية التي تخول للسلطة القائمة إدارة شئون البلاد خلال المرحلة الانتقالية ريثما إقرار الدستور. وانتهت المحكمة إلى إلغاء الحكم المستأنف لمخالفته هذا الشأن وأعادت الدعوى إلى محكمة الجنح لاستنفاذ ولايتها والحكم فيها من جديد.
وإذا أتينا إلى الحكم الصادر عن محكمة استئناف القاهرة دائرة طلبات رجال القضاء والنيابة الذي نظر الطعن على القرار الجمهوري رقم 386 لسنة 2012 بتعيين المستشار طلعت عبد الله نائبًا عامًا واعتباره كأن لم يكن وما ترتب عليه من آثار والذي أثار الأزمة التي مازالت مشتعلة حتى اليوم والذي قضى بالفعل للمستشار عبد المجيد محمود بطلباته سنجد أنه تبنى تقريبًا النهج نفسه الذي انتهجه حكم محكمة جنح الأزبكية، فقد جاءت أسباب الحكم على أن الإعلان الدستوري الذي عُين بمقتضاه رئيس الجمهورية نائبًا عامًا جديدًا خلقًا للنائب العام السابق لم يُستفت عليه من قبل الشعب ومن ثم لم يبلغ مرتبة الدساتير وأن استقلال القضاء من المبادئ الأساسية التي تنهض بمقتضاها منظومة حقوق الإنسان ويستقيم في ظلها نصًا وعملاً وتطبيقًا مبدأ الفصل بين السلطات بالدولة الحديثة كما أكدت المحكمة في أسبابها أن مبدأ استقلال القضاء هو من المبادئ فوق الدستورية وأن مصر موقعة على العديد من الالتزامات الدولية والإقليمية التي تضمن عدم المساس به وأن عدم قابلية القضاة للعزل يمثل جوهره. كما استند الحكم أيضًا إلى المادة 222 من الدستور والتي تنص على أن كل ما قررته القوانين واللوائح من أحكام قبل صدور الدستور يبقى نافذًا ولا يجوز تعديله ولا إلغاؤها إلا وفقًا للقواعد والإجراءات المقررة في الدستور. وانتهى الحكم إلى إجابة المدعى إلى طلباته بإلغاء قرار رئيس الجمهورية بتعيين المستشار طلعت عبد الله نائب عام وماترتب عليه من أسباب. والحقيقة أن هذا الحكم قد استند إلى جدل دستوري كان من الأوفق أن يظل بعيدًا عنه، فالجدل حول شرعية الإعلان الدستوري الذي لم يُستفت عليه الشعب هو من الأمور التي يُثار بشأنها نقاش كبير بين فقهاء القانون الدستوري، فمنهم من يقول إن الإعلان الدستوري يبقى دائمًا من ضمن الأدوات المتاحة للرئيس في مرحلة بناء مؤسسات الدولة وهي المرحلة الانتقالية وأنه لا يحتاج إلى استفتاء شعبي عليه. ومنهم من يقول عكس ذلك وأنه يجب استفتاء الشعب عليه حتى يبلغ مرتبة الدستور. كما أن الاستناد إلى المبادئ فوق الدستورية قد جاء في غير محله إذ لا يعرف النظام القضائي المصري ما يسمى بالمبادئ فوق الدستورية. أما الاستناد إلى نص المادة 222 من الدستور السابقة الإشارة إليها فقد جاء الرد عليه بما تضمنه النص ذاته؛ حيث جاء به أن كل ما قررته القوانين واللوائح من أحكام قبل الدستور يبقى نافذًا ولا يجوز تعديلها ولا إلغاؤها إلا وفقًا للقواعد والإجراءات المقررة في الدستور وهو ما حدث بالفعل إذ صدر الإعلان الدستوري بتعيين المستشار طلعت عبد الله نائبًا عامًا وقد جاءت المادة 236 من الدستور على إلغاء الإعلانات الدستورية الصادرة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الجمهورية منذ الحادي عشر من فبراير سنة 2011 وحتى تاريخ العمل بالدستور ويبقى نافذًا ما ترتب عليها من آثار في الفترة السابقة. وهو ما يقنن وضع النائب العام المستشار طلعت عبد الله ويجعل قرار تعيينه بمنأى عن البطلان بصرف النظر عن الطريقة التي عين بها والظروف التي جاء بمناسبتها وبصرف النظر عن الإعلان الدستوري ذاته والمبررات التي دعت الرئيس لإصداره.
تلك هي أزمة النائب العام من الناحية القانونية منذ إصدار الإعلان الدستوري وحتى صدور حكم استئناف القاهرة الذي ألغى قرار رئيس الجمهورية بتعيين النائب العام الحالي والذي سيعرض على محكمة النقض حتى تقول كلمتها فيه ودون أن يتحصل النائب العام السابق على الصيغة التنفيذية لعدم قابلية الحكم للتنفيذ. لكن المشكلة الكبرى هي أن يصدر حكم النقض بتأييد هذا الحكم وهنا سيقع الصدام لا محالة بين حكم قضائي صادر عن المحكمة العليا في النظام القضائي المصري وبين نصوص دستور هي التي ترسم سياسية الدولة العامة وتؤسس للجمهورية الثانية كما يقولون، ولا شك عندي في أن الغلبة ستكون لنصوص الدستور الذي لا يمكن أن يخالفه قانون أو حكم قضائي حتى ولو كان صادرًا عن محكمة النقض. والرأي عندي أن بقاء النائب العام المستشار طلعت عبد الله سيظل محصنًا من العزل ولن يترك منصبه إلا عند اكتمال مدة ولايته المحددة بنص الدستور بأربع سنوات أو أن يتنازل الرجل من تلقاء نفسه عن الاستمرار في منصبه وبغير هذا لن تكون هناك وسيلة أخرى. فقد حددت المادة 227 من الدستور أن كل منصب يعين له الدستور أو القانون مدة ولاية محددة غير قابلة للتجديد أو قابلة لمرة واحدة ويحتسب بدء هذه الولاية من تاريخ شغل المنصب. وجاءت المادة 173 تنص على طريقة اختيار النائب العام وتحديد مدة ولايته بأريع سنوات منذ شغله المنصب ولمرة واحدة وهو ما يشكل استحالة مطلقة تحول دون عودة النائب العام السابق إلى منصبه حتى ولو صدر حكم قضائي بات بهذا الشأن.
أما الأزمة من الناحية السياسية فقد أبرزت بغير شك التخبط الذي أصاب بعض قوى المعارضة والتي أضحت لا تفصل بين معارضة نظام حكم وهذا حقها وبين معارضة أحكام دستور أقرت المحكمة الدستورية العليا بشرعيته، والمؤسف أن تُختزل الدولة في شخص الرئيس، وهذا من شأنه أن يعرض الدولة كلها للخطر، فهناك خط فاصل دائمًا بين النظام والدولة، فالنظام يسقط ويتغير أما الدولة فهي باقية لا تسقط ولا تتغير.
في مسألة النائب العام لا بد أن نسمو على كل خلاف وأن نرتفع فوق كل غاية لا تكون في صالح هذا البلد. لست سعيدًا للطريقة التي تولى بها النائب العام الحالي منصبه ولست سعيدًا للطريقة التي خرج بها النائب العام السابق من منصبه، ولست سعيداً بالطريقة التي خرج بها الدستور للاستفتاء لكنه يبقى في النهاية دستورًا وسيلة تغييره الوحيدة هي كما نصت مواده اللهم إلا إذا تكرر مشهد 25 يناير مرة أخرى وهو أمر محل شك كبير.
إن أزمة النائب العام ليست أزمة تهم القضاء والنيابة العامة فحسب، بل هي أزمة تهم كل المصريين باعتبار أنه الرجل الذي ينوب عنهم في مباشرة الدعوى الجنائية.. الرجل الذي يلجأ إليه كل مظلوم يطرق بابه طمعًا في عدله.
ليس من المتصور أن تهتز ثقة الناس في هذا المنصب الرفيع، ليس من المتصور أن نهدم ركنًا أساسيًّا في بنيان النظام القضائي المصري.. ليس من المتصور أن نظل في جدل يومي بشأن أمور كان يجب أن تستقر في أذهان الناس ووجدانه.. ليس من المتصور أن يرتاب الناس في العدل وهو أساس الملك.. ليس من المتصور أن نعارض نظام حكم وأعيننا على سقوط الدولة.
المستشار سامح عبد الله رئيس محكمة الاستئناف