"إخلاء سبيل المتهم محمد حسني مبارك لانتهاء المدة القانونية للحبس الاحتياطي".. بغض النظر عن الرفض والقبول لهذا القرار، وبغض النظر عن الجالسين على منصة الحكم، وهم بلا شك جزء لا يتجزأ من قضاة عهد مبارك، وبعيدًا عن الجدل السياسي العقيم والإعلامي المُشوَّه.. القرار قانوني بامتياز، لكن هناك سؤال: لماذا لا يطبِّق قضاة مبارك قوانين الرئيس السابق مبارك على المتهم مبارك؟! بمعنى أن هؤلاء القضاة والمئات غيرهم خالفوا ضمائرهم وبامتياز، في المكان والحدث والمضمون نفسه، عندما تخلوا عن ضميرهم ولم تكن الأحكام إلا تعليمات أو إشارات هاتفية من صغار ضباط أمن الدولة المنحل.
سُجنت عدة مرات احتياطيًّا على خلفية قضايا سياسية متنوعة، ووقفت أمام المنصة وعليها أشباه قضاة؛ قال لي أحدهم: "موضوعك أكبر مني"!، وقال آخر قبل الدخول عليه أو سماع المرافعات: "السروجي ياخد 45 يوم"، وقال ثالث: "انت عارف.. الأمر مش بإيدي"!، وغير ذلك.
المحكمة تفرج عني وقبل النطق بالحكم كان أمر الاعتقال جاهزًا على بياض. أمري سهل، لكن الأصعب هم من قابلتهم في سجون مصر وأقسام الشرطة الذين مارس عليهم ضباط أمن الدولة المنحل كل الأمراض النفسية التي كان يعانيها هذا الجهاز المجرم.. شباب بل أطفال في سن الحادية عشرة، دخلوا سجون مبارك وظلوا أسرى حتى تجاوزوا أربعين عامًا، كان يناديني بعضهم: «يا عموا»!، خطفهم جهاز الإثم والعدوان في قضايا يمكن تناولها تحت عناوين «صدق أو لا تصدق»، قابلت منهم من حصل على إخلاء سبيل أكثر من 35 مرة، لم ينفذ منها حكم واحد؛ لأن نظام المجرم مبارك وجهاز أمنه الأشد إجرامًا كانوا فوق المحاكم والدستور والقانون. لم لا وقد اعتقلوا أكثر من 100 ألف شاب مصري بمتوسط سنوات سجن تجاوزت 50 ألف سنة من عمر الشباب وعمر الوطن وعمر الإنسانية؟! سنوات ضاعت من عمر الوطن لم يتحرك لها الساسة ولا الإعلام ولا منظمات الحقوق الفارغة.. محاكم عسكرية لمدنيين واعتقالات بالجملة ومصادرة أموال وممتلكات.. هذه حصيلة أجندة الحقوق الإنسانية لعهد المتهم المخلوع؛ فلماذا لا يحاكم مبارك بقوانين عهده البائد، خاصة أن قضاة عهده لا يزالون على المنصة؟!
الكل يعلم أن محنة مصر الثورة والدولة تكمن في مفصلها الأساسي.. في قضاء مبارك الذي دخل معظمهم هذا الحرم الآمن والعادل بالرشوة والمحسوبية والتوريث، وأن عددًا غير قليل منهم متورط في قضايا فساد بالمليارات.
نعم، أُخلي سبيل المتهم مبارك في قضية من قضاياه التي لم تنتهِ ولن تنتهي، لكن كلي يقين في الله الحكم العدل أن مبارك وزمرته سيذوقون كل كئوس المر التي أذاقوها مئات الآلاف من شباب هذا الوطن.. إنه العدل اسم الله الأعظم وسنته في كونه الواسع.
-------
* سجين سابق