لا شك أن ثورة 25 يناير بعثت روحًا جديدة في الدماء المصرية، وأيقظت جينات العزة والكرامة في نفس كل مصري، ومهما حاول الحاقدون أن يرجعوا بنا إلى الوراء فلن يستطيعوا، ومهما فعلوا من محاولات لاستنساخ النظام البائد بوجوه جديدة فلن يفلحوا، وذلك لأن الثورة المصرية إيذان من الله سبحانه بعودة الإسلام والمسلمين- وليس مصر فقط- إلى مكانتهم الطبيعية لقيادة العالم كله إلى الحق والعدل والخير.
ولن يرحم التاريخ أحدًا ممن يصدون عن هذه السبيل بالظلم والكذب، وقبل كلمة التاريخ في حق هؤلاء تأتي كلمة الله تعالى: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) (الشعراء: من الآية 227) (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12)) (الأنعام).
لقد ضيعت الأنظمة السابقة في مصر هيبة المصري وكرامته في كل مكان داخل مصر وخارجها، ولذلك كانت السفارات المصرية في جميع دول العالم مجرد ديكور سياسي، ولم تكن هذه السفارات فاعلة في أي شيء يخص مصالح الجاليات المصرية في أي بلد، لأنها سفارات بلا روح، ومن أين تأتيها الروح والبلد كلها كانت بلا روح، جعلها حكامها السابقون جسدًا خاملاً.
وكان يجب أن يتغير واقع سفارات مصر بعد الثورة.. أما أن تظل هذه السفارات تؤدي عملها بنفس المنطق القديم فهذا أمر لا يليق بمكانة مصر ولا يناسب قيمة مصر.. إن سفارة مصر في أي بلد هي بيت كل مصري يعيش في هذا البلد، وهي الراعية على مصالح المصريين ومشكلاتهم.. ولكن يبدو أن الروح الجديدة التي تسري في دماء المصريين لم تظهر بعد في سفارات مصر..
في الأسبوع الماضي قام السفير المصري بالمملكة العربية السعودية بجولة في منطقة القصيم، وزعم منظمو هذه الزيارة والراعون لها أن الزيارة غرضها الاطلاع على أحوال الجالية المصرية في منطقة القصيم، وقد استغرقت الزيارة حوالى 36 ساعة قضى منها سعادة السفير حوالي نصفها في حفلات غداء وعشاء، وكان حظ الجالية من وقت زيارة سعادته قليلاً لا يتفق مع المعلن بأنها زيارة للجالية.
واجتمع السفير مع نخبة ممن يمثلون الجالية- وإن شئت قل: يمثلون على الجالية- من أطباء ورجال أعمال وأساتذة جامعات، ولم يمثل أحد العمال والكادحين من أبناء الجالية وهذه النوعية أكثر الجالية، وهؤلاء هم من يستحقون الرعاية والحماية وتفقد أحوالهم ومشكلاتهم التي لا تنتهي في بلاد الغربة.. فالحقيقة التي يجب أن يعرفها الجميع أن من يسمون أنفسهم بالنخبة لا يعبرون أبدًا عن حقيقة الشعب سواء منها النخب الموجودة داخل مصر أو الموجودة خارجها، فهؤلاء لهم مشكلاتهم الخاصة وحواراتهم الخاصة..
وكان لي عدة ملاحظات على هذه الزيارة، لعلها تكشف بوضوح حقيقة أداء السفارات المصرية في الخارج بعد الثورة:
* هناك فارق كبير بين أن يؤدي السفراء في سفارات بلادنا لأعمالهم وهم محبون لها ومقتنعون برسالتهم ومخلصون لقياداتهم، وبين الأداء الشكلي الذي يبدو بلا روح ولا طعم ولا قناعة بالقيادة السياسية لبلادهم.
* يبدو أن الدبلوماسيين مصرون على أن ينسجوا حول أنفسهم هالة معينة من البروتوكولات والضوابط التي تجاوزها العصر والواقع، فالدبلوماسي مسئول في إطار نظام بلاده ونظام الدولة التي يعمل فيها وفي الوقت نفسه وهذا هو الأهم مسئول عن جالية بلاده التي يرعاها مسئولية تامة ومباشرة ولا ينبغي أبدًا أن تضيع مسئولياته تجاه جاليته في خضم البروتوكولات الدبلوماسية المصطنعة.
* كما أن الفلول موجودون داخل مصر فهم موجودون أيضًا خارجها، والموجودون خارجها ربما أكثر حقدًا وكراهية للنظام في مصر أكثر من الفلول الموجودين داخلها، وما زالت سفارات بلادنا على علاقة قوية بهؤلاء الفلول منذ زمن بعيد، وتقدمهم السفارات على غيرهم وتتواصل معهم بزعم أنهم المسئولون عن الجالية والمتحدثون باسمها- ولا أدري من أعطاهم حق الحديث باسم الجالية والتكلم بلسانها-.
* لا بد للسفارات المصرية في كل بلاد العالم أن تكون معبرة بصدق عن القيادة السياسية الحالية للبلاد وأن تتواصل مع الجالية تواصلاً حقيقيًّا أكيدًا للتعرف على مشكلاتهم وهمومهم، وأن توسع دوائر الاتصال مع الجالية وتفتح مسارات جديدة ومتعددة لتحقيق هذا الأمر، ولا تجعل بينها وبين أي فرد من أفراد الجالية حاجزًا ولا وسيطًا مهما كان.
* لا بد للسفراء في اللقاءات العامة أن يتعاملوا بحزم مع من يقلل أو يحقر من رموز مصر ما دامت الإرادة الشعبية هي التي جاءت بهم لحكم البلاد، وأنا لا أتصور أن يهمز أحد الموجودين في لقاء سعادة السفير المصري مع الجالية الرئيس المصري ويصفه بأنه حمار، ويكون الرد عليه دبلوماسيًّا ونلتمس العذر بمناخ الحرية الذي يسيطر على عموم المصريين بعد الثورة، فليس معنى الثورة انحطاط الأخلاق وضياع القيم، والتحقير من رموز البلد.. وهل يسمح سعادة السفير لأحد أن يهمزه ويلمح من قريب أو بعيد عنه بأنه حمار ويلتمس له العذر بمناخ الحرية.. أو حرية التعبير عن الرأي؟.. لا أظنه يفعل والدليل على ذلك أنه غضب لما قال له أحد الحاضرين إن رده على هذا المتطاول كان باهتًا.. فلقد غضب السفير من وصف رده بالباهت أكثر من غضبته للتلميح عن الرئيس المصري بأنه حمار!!.
* أخيرًا أظن أن اللقاءات التي تعقدها السفارات مع الجالية لن يكون لها أي ثمرة حقيقية لأنها لقاءات شكلية، ولا بد أن تستبدلها السفارات بفتح أبوابها يومًا أو يومين في الأسبوع لاستقبال أبناء الجالية والتعرف على مشكلاتهم، أو يقوم السفير بزيارة منطقة معينة ويحدد له مقر إقامة يقابل فيه من يريد مقابلته من أبناء الجالية ويعلن عن هذه الزيارة بوقت كافٍ وترتب لها كل ما يذلل صعوبات التواصل مع السفير.
* لقد فات المنظمون لزيارة سعادة السفير الكثير من الأمور لأنني أظن أنهم لم يكونوا يقصدون إلا أمرًا واحدًا من وراء هذه الزيارة وهو إيهام بعض الأطراف الأخرى أنهم على تواصل أكثر منهم بالسفارة، لقد فاتهم مثلاً افتتاح اللقاء بالسلام الوطني لجمهورية مصر العربية ووضع علم مصر في قاعة اللقاء وأمام السفير بدلاً من انشغالهم بتقديم الهدايا التذكارية الشخصية.
* لا بد للسفراء أن يحذروا من شخصنة هذه الزيارات قدر الإمكان، وأن يحرصوا على برنامج اللقاء ومراعاة من يديره وبأي صفة يديره، وأقترح عليهم أن تكون إدارة هذه اللقاءات تابعة للسفارة وأعضائها.
* أليس عجيبًا أن يترك سعادة السفير سيارته الدبلوماسية في الرياض ويستأجر له منظمو الزيارة سيارة عادية يتجول بها في زيارته.. ما الذي يمنع أن يسافر السفير بالطائرة ويقابله السائق بالسيارة الدبلوماسية في المنطقة التي يزورها، فالأولى أن يذهب السفير إلى لقاءاته بالسيارة الدبلوماسية وعليها علم بلادنا يرفرف وينادي بكلمات بيرم التونسي:
أنا المصري كريم العنصرين.. بنيت المجد بين الأهرمين
جدودي أنشئوا العلم العجيب.. ومجرى النيل في الوادي الخصيب
لهم في الدنيا آلاف السنين.. ويفنى الكون وهما موجودين
وأقول لك على اللي خلاني.. أفوت أهلي وأوطاني
حبيب أوهبت له روحي.. لغيره لا أميل تاني