الذين شاركوا في الثورة ورأوا كيف كان الجميع على قلب رجل واحد ضد نظام فاسد مفسد أضاع مقدرات البلاد- يدركون الآن بشاعة الجرم الذي يرتكبه بعض من يدّعون أنهم معارضون للنظام.. في أيام الثورة كان الجميع ينظرون إلى مصلحة مصر, ومن ثم تشابكت الأيادي والقلوب, وقُسّم الطعام والشراب- على قلتهما- بين شركاء الميدان, ونسى الجميع- من أجل مصر- الخلافات التي بينهم, ونظروا فقط إلى المشترك والأرضية والقواعد التي يمكنهم الانطلاق منها نحو بر الأمان.

 

ولما تلاشى زخم الثورة كان الناس على ضربين؛ أما أحدهما فما زال على ثوريته وحميميته لبلده, يسعى لخيره, ويقدم- بإخلاص- كل ما يستطيع من أجل نهضته, وهؤلاء يحظون بدعم الشعب, ويثقون في تحقيق ما يصبون إليه من أهداف وطنية مشروعة.. أما الفريق الآخر فهم كل من نظر إلى نفسه فقط, وإلى مصالحه الخاصة, فأعماه ذلك عن النظر إلى مصلحة بلده.. لقد ظن هؤلاء أن النظام السابق غنيمة لكل من شارك في إسقاطه, ومن ثمّ فهم يفترضون أن لهم حقًّا ماديًّا معتبرًا في أصول وممتلكات الدولة, وهذا فكر قاصر وتفكير غبي ما سمعنا به في الأولين والآخرين, فالوطني الحقيقي هو كل من أعطى ولم ينتظر الأجر, وكل من بذل من ماله ودمائه ولم يرد العوض؛ لعلمه أن العوض من الله, وأن الإنسان لا يبلغ درجة الكرامة والإنسانية إلا إذا كان مدافعًا عن دينه منافحًا عن بني وطنه.

 

المعارضة التي خرجت علينا بعد الثورة تبنت شعار: (معارضة لكل العصور والأزمان) فالشخصيات والهيئات التي عارضت المجلس العسكري هي نفسها التي تعارض النظام القائم, وقد رضيت بأن تظل في هذا الدور، ليس عن قصد أو قناعة بالطبع, إنما لعجز عن الرواح من هذا المكان, فهي لم تستطع حصد أصوات تؤهلها لتولي السلطة, ولم تستطع كسب جماهير, بل لم تستطع أن تحافظ على كياناتها الأولى, فوقعت الانشقاقات داخلها, وصارت الحركة الواحدة حركتين وثلاثًا, والحزب الواحد حزبين وثلاتة أحزاب.

 

وإذا كانت الفترة التي حكم فيها (العسكري) انتقالية, فقد اختلطت فيها كثير من الأمور والمفاهيم, وظنت تلك (المعارضة)- لاستجابة (العسكري) لبعض شروطها غير المشروعة- أنها على شيء, وأنها يمكن أن تستكمل الثورة وأن تحقق مطالبها, ونسيت أن استكمال الثورة لا يكون بالهتافات وحدها, ولا بسب الآخر والانتقاص منه, ولا بالتشكيك في الخصم ورميه بالتهم زورًا وبهتانًا, كما نسيت أن استكمال الثورة يعني الإيمان بالديمقراطية والاعتراف بالهزيمة- إن وقعت- نسيت المعارضة كل هذا, واعتبرت أنها صاحبة الحق في القيادة والريادة, ما جعلها تنكر حقوق أصحاب الحق ولو كان الشعب هو الذي أعطاهم هذا (الصك) وولاهم على نفسه طوعًا واختيارًا.

 

المفاهيم الأولية للمواطنة والعدل والمساواة والمشاركة والديمقراطية, كل هذه المعاني لا بد أن تصل إلى جبهات المعارضة, على اختلاف مسمياتها وأفرادها؛ لأنه من الواضح أنهم لا يعرفون شيئًا عن هذه المفاهيم, أو عرفوها ثم كفروا بها حسدًا من عند أنفسهم لتولى فريق (إسلامي) السلطة, وهو ما لا يريدونه، كما لا بد أن يعرفوا أن المعارضة بمعناها العصري تعني اقتسام السلطة مع الحزب أو الهيئة الحاكمة؛ الحاكم في الجانب التنفيذي والمعارضة في الجانب التقويمي, والطرفان على ثقة- في ظل الديمقراطيات المحترمة- أنهما سوف يتبادلان الأدوار, لكنهما- في نهاية الأمر- على قناعة بأنهما في مركب واحد, وأن هذا المركب يلزمه (ريس) واحد لا اثنين, وعلى الآخرين معاونته لاجتياز المعوقات, خصوصًا في أوقات العواصف والخطر, لا يكونون حربًا عليه يكيدون له بالليل والنهار, سرًّا وعلانية.

 

لماذا- إذن- لا تكون العلاقة بين النظام والمعارضة علاقة منافسة شريفة من أجل النهوض بمصر؟, تقدم السلطة مشروعًا فتباريها المعارضة فتقدم مشروعين, تقدم السلطة مقترحًا فتعدل المعارضة فيه وتقترح بنودًا ونقاطًا أخرى تثري به المقترح وتؤهله للنجاح؟

 

إن ما نراه على الساحة الآن لا يمت للديمقراطية بصلة, أما المعارضة فمجموعة من ذوي الأصوات العالية والحناجر الفظيعة, لا نتوقع أن يقفوا أبدًا في صف منتظم, ولن يخضعوا لقواعد الديمقراطية؛ لعلمهم أن ذلك يكشف سوءاتهم ويفضحهم أمام الجماهير، والحل بات في يد هذه الجماهير التي لا بد أن تكون عامل ضغط على هذه الفئات الخارجة على النسق العام, وإلزامها: إما بالمشاركة في العملية السياسية بالاحترام الواجب ومن خلال القانون والعرف العام, أو الامتناع- تمامًا- عن هذا الهرج الذي يحدثونه في الشارع.