في حوار مع أحد الأصدقاء حول الفساد المستشري في بلادنا، قال لي: الفساد موجود في كل مكان.
قلت له: نعم. ولكن هناك فارقًا كبيرًا بين فساد موجود في دولة- فهذا قد يحدث في أرقى الدول- وبين فساد تديره الدولة وفق خطة فساد منظمة.
وهذا بالضبط ما كان يجري في بلادنا خلال ثلاثين عامًا من حكم مبارك.
حكم مبارك أدار الدولة وفق منظومة فساد ضربت بأطنابها كل مفاصل الدولة وفق خطة لخلق شريحة واسعة ومتنوعة تستفيد من الفساد، وترى مستقبلها مرتبط باستمرار النظام الفاسد.
وهذه الخطة وظفت القانون لخدمة الفساد.
ويكفي أن التعديلات التشريعية التي تمت في حكم مبارك أخرجت عددًا كبيرًا من المرافق والمؤسسات خارج نطاق الرقابة، وأوكل الرقابة لتلك المؤسسات من خلال لوائحها الداخلية- بمعنى أنها تراقب نفسها!!!- مثل تعديل قانون الشرطة والجامعات والمعاهد العلمية والبحثية فضلاً عن قانون قطاع الأعمال الذي أورد قيدًا بضرورة الحصول على إذن من الوزير المختص قبل مباشرة أي إجراء من إجراءات التحقيق مع رؤساء وأعضاء مجالس إدارات شركات القطاع العام الذين يعينهم الوزير بنفسه.
مع استثناء شركات قطاع الأعمال من الخضوع للولاية القضائية للنيابة الإدارية بموجب قانون قطاع الأعمال لعام 1991، وكان ذلك مقدمه لبيع أصول الشركات بأبخس الأسعار.
وقس على ذلك منظومة تشريعات تحمي الفساد والمفسدين.
ومن هنا نفهم لماذا يتم تعطيل انتخاب المؤسسة التشريعية، والعويل واللطم لانتقال التشريع لمجلس الشورى والمطالبة بحله، ولماذا مهاجمة الدستور الذي ينص على إنشاء مفوضية لمكافحة الفساد.
خطة الإفساد الجهنمية هذه وضعت الشعب في طريقه لمكافحة الفساد أمام معركة قانونية وأخرى اجتماعية.
فمن الناحية القانونية نحن نواجه امتيازات منحها مبارك لبعض الجهات- كما أسلفنا- أخذت الصفة القانونية، وأصبح وراءها مستفيدين يدعمهم القانون، وأصبحت كل شريحة مستفيدة تتترس وراء القانون الذي يدعم مصالحها، وتقاوم تغييره. ومعركة قانون السلطة القضائية حاليًا يندرج تحت هذا النوع، حيث إن مشروع القانون الجديد يواجه استثناءات أخذت حكم القانون.
أما المعركة الاجتماعية فشأنها في بلادنا شأن عجيب. فمن الطبيعي أن أي بلد يحارب الفساد، ينقسم إلى فريق يكافح الفساد ويقابله فريق يدعم الفساد.
أما في بلاد العجايب فهناك فريق ثالث يعاند نفسه يكره الفساد ويعلم أنه أكبر معوق لحركة المجتمع، ولكن إن كان زوال الفساد سيدعم موقف الرئيس "محمد مرسي" والجماعة التي رشحته. فلتغرق البلاد في بحور الفساد.