تعرضت مصر لأكبر نكبة عسكرية في التاريخ الحديث، ولأكبر هزيمة في التاريخ الإنساني جرت بين اليهود والمسلمين، هي نكسة يونيو 1967، على يد نظام خدع المصريين كثيرًا وجعلهم يعيشون في شعارات لم يتحقق منها شيء على أرض الواقع، وكُشف النظام أمام شعبه ولم تخدمه أجهزته الأمنية والإعلامية التي سيطر بها على عواطف الشعب المصري وحاصره بها، بعدما طارد معارضيه بالقتل والسحل والسجن والاعتقال وتلفيق التهم لهم، فاستحل أموال الشعب المصري والاقتصاد القوي الذي ورثه من عصر الملكية؛ حيث كانت مصر تدين بريطانيا العظمى بعشرات الملايين من الجنيهات الإسترلينية، فقد ذكر الضابط إبراهيم الطحاوي، سكرتير هيئة التحرير وأحد الزعماء الذين قادوا المظاهرات في مارس 1954 تهتف بسقوط الحرية والسنهوري الجاهل احتجاجًا على عودة الدستور والحريات للبلاد، وذلك في كتاب (القضية الكبرى) أن مجوهرات أسرة محمد على بالإسكندرية جمعت في 37 صندوقًا، سعة الصندوق متر واحد مكعب، ولنا أن نسأل:
أين هي تلك المجوهرات؟
ومن الذي جردها وتسلمها؟
وأين وثائق الجرد والتسليم؟
وهل بيعت لحساب الدولة أو لحساب بعض الأفراد؟
أو هي لا تزال في صناديقها محبوسة لم يكشف عنها النقاب بعد؟
الأمر نفسه ينسحب على أصحاب الأملاك والثروة والعقارات والقصور التي وزعت على الضباط، كان هؤلاء الناس تحركهم نوازع وطنية، كانوا يستثمرون على تراب الوطن، لم يهرِّبوا أموالهم إلى الخارج، وعندما تم التأميم تنازلوا عنها ولم يقاوم أحد منهم النظام إلا في حالات فردية، ولم يؤسسوا صحفًا ليستأجروا أًصحاب الأقلام المسمومة حتى يجهضوا الثورة كما تم بعد ثورة يناير، أي أن نظام يوليو تسلم دولة قوية كانت رائدة الدول في الشرق كله، يهرع إليها كل الناس عربًا وعجمًا، كان المجتمع على درجة فائقة من الأخلاق، وعندما تمت بعض الإصلاحات والتغيير تم هذا برجال العصر السابق، أما بعد ثورة يناير فقد حصدنا ما زرعه النظام البوليسي الذي قرب إليه ضعاف النفوس من الرجال وفر من مصر ما عرف بالطيور المهاجرة التي ساهمت في بناء النهضة في دول أخرى، واستشرى الفساد وتجذر في كل مكان، وظهر في كل المجالات في السياسة والاقتصاد والتعليم والمجتمع؛ حيث دخل الناس في بيات شتوي لم يتخلله فصل آخر طوال 15 سنة، خُدر الشعب بالشعارات والإنجازات الوهمية والانتصارات الزائفة، واشترك الناس جميعهم إلا قليل منهم تواروا خلف القضبان يتعرضون للتعذيب والقتل، في بناء صنم أضخم من صنم أبي الهول، الذي (يفوت على الصحراء تخضر)، وهو البطل الوحيد والقائد الملهم الذي يفكر نيابة عن الشعب، حتى حدثت الفاجعة الكبرى التي أفاقت الناس، ويظهر الفرعون على شاشات التليفزيون كسيرًا، يعلن استقالته نهائيًّا ويعود إلى صفوف الجماهير، ويعمل نظامه جاهدين على إثنائه ورجوعه، وجهزوا الحافلات التي أحضرت الناس من مديرية التحرير والمحافظات للهتاف للزعيم والمطالبة بعودته، والناس تراهم وهم سكارى ومصدومين من إثر الهزيمة التي ألجمت لسانهم أيامًا وشهورًا.
وتعقد محاكم هزيلة لقادة حرب يونيو أصدرت أحكامًا هزيلة، وهنا ينفجر الوضع، ويخرج الطلبة والعمال الذين ساهموا في صنع الصنم، وهتفوا ضد النظام، وعندما ذهبوا إلى جريدة "الأهرام" التي كانت تضلل الشعب، وتنشر الأخبار الكاذبة طوال عصر الفرعون وأثناء الحرب، وهي التي زعمت أن الجيوش العربية تزحف في صحراء "النقب" باتجاه تل أبيب وأنه تم إسقاط مئات الطائرات... لمح الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل الذي ساهم في تضليل الرأي العام بما بثه من أضاليل وأكاذيب ، جحافل الثوار تزحف نحو الأهرام في مبناها القديم، ويهرول إلى سطح المبنى ليرى بنفسه الجماهير الغفيرة من العمال والطلاب، فإذا به يصفر وجهه وترتعد يداه.. رأى الآلاف المؤلفة من العمال والطلبة ويسمعهم يهتفون ضد النظام وضد صاحبه وضد مركز قواه، ويفتنون في النداءات والهتافات، ويطلبون فيما يطلبون من (الجبان أن يتعلم من عدوه موشي ديان)!!..عندئذ نزل هيكل في الحال، لم يتحمل النظر إلى هذه الجحافل التي لم يتعود رؤيتها منذ عقد ونصف، منذ أفول نجم الديمقراطية، ولم يمكث حتى للفضول الصحفي، لأنه لا يريد أن يقرر الحقيقة وإلا سحبت منه كل الامتيازات ولصودرت منه العزب والقصور والسيارات والشقق الفارهة ومعظمها على شاطئ النيل، وقد حصل عليها بالابتزاز من (آل تقلا) أصحاب الأهرام الذين رجعوا صفر اليدين إلى بلادهم كما جاءونا أول مرة. جرى على الفور ليحتمي في حجرة من البناء العتيد، فقد أخذ العمال والطلبة يقذفون الأهرام بالحجارة ويحاولون حرق البناء، ليقضوا- كما كانت تقول هتافاتهم- على بؤرة الدعاية والتضليل والإفساد!!!.
وقد تحركت مظاهرة جامعة القاهرة صباح يوم 24 فبراير1968 والتي ضمت ألوف الطلبة والطالبات وتجاوزت أول الحواجز الأمنية الموجودة على أول الطريق المؤدي إلى كوبري الجامعة، وسارت بجوار المجموعة التي تقود المظاهرة، وصارت تهتف بسقوط الأحكام التي أصدرتها المحكمة العسكرية، واشتدت قوة المظاهرة، وهي تخترق السور الأمني التالي الموجود عند مدخل كوبري الجامعة، وقبل أن تصل إلى منتصف الكوبري، حتى بدأت أقود الهتافات، وحملني الطلبة على الأكتاف. ورويدًا رويدا، تحولت الهتافات من الأحكام إلى النظام، وأصبحت الهتافات:
(يسقط حكم الفرد الظالم.. يسقط حكم المعتقلات..)
(العيشة بقت مرة.. عايزين حكومة حرة..)
(عاملين أسود علينا.. واليهود في سينا)
( لا صدقي ولا الغول.. عبدالناصر هو المسئول)
(لا ديكتاتورية بعد اليوم، حرية.. حرية..)
(العيشة بقت مرة.. عايزين صحافة حرة).
وكان من ضمن الحضور الكاتب الصحفي عبده مباشر هو والمحامي إسماعيل النقيب فقال: "ولأن السور الأمني الموجود على مدخل الكوبري من ناحية مسجد صلاح الدين بحي المنيل كان أقوى من الحواجز السابقة حتى يمنع المتظاهرين من الوصول إلى منطقة قلب القاهرة، ولأننا خشينا أن يتمكن من منع المظاهرة من إتمام مسيرتها، فقد رأيت أن يقود إسماعيل النقيب المظاهرة، وأعمل أنا مع المجموعة التي تتصدر مسيرة المظاهرة ومعي الضبع وآخرون منهم محمد وغالب لكي نؤمن للمظاهرة القدرة على الاستمرار وشق طريقها عبر هذا الحاجز. وما أن اخترقت المظاهرة هذه العقبة حتى واجهت حاجزا آخر عند نافذة شيم الشافعي، ذلك الشارع الضيق الذي يصل الكورنيش بشارع قصر العيني، وعدت إلى قيادة المظاهرة وقيادة هتافاتها، وركزت على هتاف (حرية.. حرية.. حرية.. يا مصر.. حرية) وعلت أصوات المتظاهرين، وتشنج البعض بكاء، وانضم مئات من المواطنين إلى المظاهرة، وتحول المئات إلى آلاف. وأمام الضباط والجنود الموجودين لحماية حاجز الأمن في هذه المنطقة، هتفت بأعلى صوت قائلاً: (اقتلونا.. مادمتم أعجز من أن تقتلوا الإسرائيليين)، وصرخت مرات متتالية هاتفًا: (اقتلونا..اقتلونا.. اقتلونا) فتراجع الضباط والجنود أمام هدير الهاتفين، وبمعنى أدق صراخ الآلاف من المتظاهرين، ويبدو أنهم كانوا في حاجة إلى تعليمات واضحة من قيادتهم حول أسلوب التعامل مع المتظاهرين في مثل هذا الموقف. وطوال هذه المسافة، كانت الحواجز الأمنية، تتساقط بسهولة، واحدًا وراء الآخر، وقدرت أن الأمر سيظل هكذا إلى أن يراجع كبار الضباط وزير الداخلية، وكان الأمر يتطلب أن يحصل الوزير على تعليمات واضحة من رئيس الجمهورية بعد أن تطورت المظاهرة إلى هذا المدى، خاصة بعد أن أصبحت وسط قلب القاهرة، وبين مئات الآلاف من المواطنين".
ويتابع مباشر سرد أحداث هذا اليوم: (لقد خرجت المظاهرة عن الإطار المرسوم لها، وبالقطع لا يمكن السماح للمتظاهرين بالوصول إلى منطقة سكن الرئيس. وتساءلت: متى وأين سيتم وقف المظاهرة؟ وكيف؟ وهل سيكون القرار تفريق المظاهرة بالقوة؟ وبعد أن اجتازت المظاهرة حاجز الأمن الموجود عند نافذة شيم الشافعي، دخلت شارع قصر العيني، وهناك انضمت مجموعات جديدة من المواطنين، وواصلت مجموعات منظمة الشباب تحمل مسئولية حماية أجناب ومؤخرة المظاهرة، وحاولت أن تعمل على ضبط وتيرة سيرها من مقدمتها. لقد اكتسبت المظاهرة قوة هائلة، ولم يعد هناك من يمكنه تغيير هتافاتها الجديدة، أي قصر الهتافات على الأحكام التي أصدرتها المحكمة العسكرية، وفي الوقت نفسه كان من الصعب تغيير اتجاهها، كانت المظاهرة تندفع إلى الأمام. عند هذه المرحلة، رأيت أن الوقت قد حان لترك مسئولية الهتاف وقيادة المظاهرة للفريق الذي خرج بها من الجامعة. وتجمعنا من جديد، وتحاورنا أنا وإسماعيل النقيب، والضبع، ومحمد وغالب، وقررنا الاستمرار في المظاهرة مع الحرص على أن نكون بجوار مجموعة الهتاف، حتى تظل الهتافات في المنحي الذي اخترناه، ولكي نضمن استمرار تقدمها. ومضت الأمور في إطارها والمظاهرة تخترق ميدان التحرير وتدخل شارع رمسيس، وفي هذه المنطقة، كانت المظاهرة قد بلغت حجمًا غير متوقع بانضمام مواطنين جدد إليها باستمرار، استمع الناس من النوافذ والشرفات إلى الهتافات، وتوالت الزغاريد بين تصفيق الجميع ومشاركتهم في الهتافات. وشارك الواقفون على جانبي طريق المظاهرة في التعبير عن مساندتهم وتأييدهم بالتصفيق والتشجيع.
ومن الشوارع والنوافذ والشرفات تعالت الأصوات بالدعوات لحماية المتظاهرين وتوفيقهم. وبعد أن وصلت المظاهرة إلى مستشفى الهلال الأحمر، واقتربت من ميدان باب الحديد حتى بدأت قوات الأمن في إطلاق الرصاص على المتظاهرين).
قد كانت هناك مظاهرة أخرى خرجت من جامعة عين شمس، وكانت في طريقها كما يبدو إلى مجلس الأمة (مجلس الشعب حاليًّا)، ولأنها كانت قد وصلت تقريبًا أمام المستشفى القبطي بشارع رمسيس، أي اقتربت جدًا من ميدان باب الحديد، فقد قرر المسئولون الحيلولة دون التقاء المظاهرتين حتى لا تزداد الأمور صعوبة، ويتعقد الوضع بأكثر مما هو معقد. وظللنا نتابع أو بمعنى أصح نشاهد شوارع المنطقة الميدان بعد تفريق المظاهرتين، كانت آثار الفوضى التي خلفها الصدام مازالت واضحة، في حين استمرت قوات الأمن محتشدة في شوارع المنطقة. ومما يذكر أن مسئولي الأمن تعاملوا مع مظاهرة جامعة القاهرة بكثير من الذكاء، فقد أعلنوا عن تصميمهم على منع المتظاهرين من التقدم لأكثر مما وصلوا إليه، واصطدموا بهم بقوة، ولكن وفي الوقت نفسه أتاحوا للجميع عدة منافذ مفتوحة للهرب منها، أي تركوا عددًا من الشوارع الخلفية والجانبية دون متاريس أو حواجز أمنية. وفي الوقت نفسه تمت عمليات اعتقال لأعداد من المتظاهرين, إلا أنه كان واضحًا الحرص على عدم الإمساك بأعداد أكبر. وفي اليوم نفسه، شهدت القاهرة ومدنًا أخرى مظاهرات أخرى، وحتى مع التزامها بالإعلان عن غضبها من الأحكام التي صدرت من المحكمة العسكرية، فإن صوت الغضب كان مزمجرًا وصاخبًا. ولم تخف دلالة هذا الانفجار الذي أطلق ما في الصدور من مشاعر مكتومة على المسئولين، وبالاستناد إلى ما نشر، فإن كثيرين من أهل القمة قد ارتعدت فرائصهم, ومنهم من فكر في الهرب من السفينة. وبعد أكثر من شهر, وتحديدًا يوم28 مارس، أصدر مجلس إدارة نادي القضاة بيانه الشهير الذي طالب فيه بالحرية والديمقراطية وبإصلاحات جذرية في النظام ككل. ولم يكن هناك من تحسب لهذه المفاجأة التي فجرها القضاة, والتي أصروا بالرغم من كل الضغوط عليهم لتأجيلها حتى يصدر الرئيس بيانه الجديد يوم30 مارس، على تفجيرها، ولكي يتجاوزوا الحصار المفروض عليهم, فقد طبعوا بيانهم في شركة النصر للتصدير والاستيراد، وبذلك تجنبوا كل العيون، وتمكنوا من إسماع المواطنين صوتهم.
مما سبق نلحظ أن القضاء الشامخ الذي لم يستسلم للنظام البائد، فحول النظام المعارضين لمحاكم استثنائية يرأسها من سلم قطاع غزة عام 1956 وممن تغزل في دولة إسرائيل،(الفريق الدجوي) بينما تجاهلتها صحف النظام وعميدهم الذي لم يقوي على رؤية المظاهرات التي خرجت عفوية.. لم تحرضها أموال تتدفق من دول تعادي النظام كما يحدث اليوم، ولم يفعلها خصومه لأنهم منذ عقود خلف القضبان... يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب، وإنما الذي فعلها بناة الصنم والذين صدموا من عدم جدواه، واكتشفوا بأنه لا ينفع ولكنه يضر ويدفع الأمة إلى الهاوية.. دلع خادم النظام فأطلق على الهزيمة (نكسة)، ووجدنا أحد أعضاء مجلس الأمة يرقص فرحًا وطربًا ومعه أعضاء المجلس لعودة الفرعون وعدوله عن استقالته، في هذا الزمن، بينما وجدنا قبل خمسة عقود من هذه الواقعة، المفكر الكبير عباس محمود العقاد يقول (إنه على استعداد لتهشيم أكبر رأس في البلاد وهو الملك إذا تعرضت الديمقراطية للخطر)، وبالنسبة لموقف القضاة فأصرها عبد الناصر في نفسه، وبعد شهور عمل عبد الناصر لهم مذبحة.. إذ سرح المئات منهم بجرة قلم، وأنشأ المحكمة الدستورية، لتبرر له كل شيء.
وضع هيكل وصبيانه ورعاياه التبريرات للطغاة والأنظمة الديكتاتورية في مصر والعالم كله، بينما يكيدون للتجربة الديمقراطية الوليدة في مصر حرصًا منهم على الولاية للبيادة العسكرية ولعقها، وبرر الهزيمة التي قال عنها (إذا كان العدو قد نجح في احتلال سيناء فإنه لم يقو على إسقاط الزعيم الملهم الفرعون) ولم يستح هيكل أن يخفي دجله عندما قال: "إن النظام الناصري هو الذي صنع حرب أكتوبر سنة 1973 وهي حقيقة لا جدال فيها"، ويرد عليه رائد الصحافة العربية الدكتور إبراهيم عبده في كتابه "تاريخ بلا وثائق"، وهو بمثابة أستاذ لهيكل فقال:
(ما لكم وحرب أكتوبر...إن حرب أكتوبر انتصار
إن لكم حرب 1967وهي تاريخكم الذي ختمتم به تجربتكم..
إن حربكم هي الهزيمة.. وهي الخزي والعار...
لقد حاربتم في سنتكم تلك بجيش حطمته المواجع ، وفر مظلة من الجوع والحرمان تحت قيادة أفسدها الدلال...
حاربتم بجيش لا يعرف القتال ولا يجيد إلا الخيلاء والاحتيال...
حاربتم بجيش وزعت قيادته على جنوده قبل القتال صور الغانيات من المطربات والممثلات لتدعم معنوياته حين يجد الجد ويشتد القراع والنزال...)...
----------