تحرر الشعب المصري من الخوف بعد ثورة يناير2011، وأصبح من حق كل مواطن أن يعبر عن رأيه دون التفات لأي جهة من الجهات، اختفت الأجهزة التي كانت تعد الأنفاس على الناس وتعرف مقاسات ملابسهم، وتزورهم في الفجر لرعبهم ورعب ذويهم وأطفالهم، حقيقة أن بعض الأجهزة الإرهابية البوليسية تضع بالونات اختبار لعودة مآسي الماضي، بأن عادت تتصل بسجناء الرأي تطلب منهم الحضور إلى تلك الأجهزة، لرعب أعصابهم وإرهابهم وابتزازهم، ووجدنا هؤلاء الجزارين المجرمين يقومون بتتبع الإسلاميين وحدهم وترك الحبل على الغارب للفِرق الإرهابية التي تحرق في كل مكان وليجبني عاقل ما معنى أن يقوم عشرات الصبية بمهاجمة القصر الجمهوري ويتعرضون لعقيد شرطة، ويثخنونه ضربًا مبرحًا، ويقومون بحرق سيارته، والجميع يتفرج عليه، وكأنهم شياطين يملكون طاقة خارجة، تعجز معها القوة، في حين وجدنا فلول أمن الدولة يقومون بتصوير كل من شارك في جمعة تطهير القضاء، من الإسلاميين، الذين لم يقوموا بحرق المؤسسات، ولم يسبوا النائب العام بأقذع الألفاظ، ولم يغلقوا دار القضاء العالي بالجنزير كما فعلت التيارات الإرهابية الأخرى التي تحظى بمباركة منهم.. العداء للتيارات الإسلامية هو الحل وهم لم ينسوا العداء التاريخي الذي يقوم على الحقد والغل للإسلام والمنافحين عنه.
ومؤخرًا زار وزير التربية والتعليم مدينة الغردقة، وافتتح العديد من المنشآت ووضع حجر الأساس لمدرسة ثانوية في حي الميناء، والتقى الطلبة في لقاء أبوي ودي لم يخطط له سلفًا، وفوجئ الحضور بطفلة تدعى حبيبة تلقي شعرًا عاميًّا ركيكًا بعنوان "الأستاذ والخروف"، أظنه يُنسب إلى والدها يحيي جوهر الموظف بالشركة المصرية للاتصالات، الذي أعرفه شخصيًّا منذ كان وجودي في مدينة الغردقة، وكان يتودد إلى أثناء حضوري الندوات والمؤتمرات والأمسيات، التي كانت تعقد في قصر ثقافة الغردقة، ولم يلق القبول من أحد لسطحية قصائده، وعدم عمقها ومباشرتها الفجة، وكنت أشرف على الصفحة الأدبية بجريدة "أخبار البحر الأحمر"، وجريدة "البحر الأحمر" التي تصدر بالتعاون مع أخبار اليوم، وكنت أرفض نشرها لتفاهتها، وعدم توافر عناصر الفن فيها، كانت مجرد رص كلمات عامية وتقليد واقتباس من شعراء آخرين، وكان الكل ينصحه بقراء الشعر في كل العصور مع الاطلاع على التجارب الأخرى لدى الآداب الأجنبية، ويحول وقته وأسرته لتنفيذ ذلك، وكان يحب لفت نظر الوافدين على مدينة الغردقة، من النقاد وأساتذة الآداب والشعراء، وكانوا ينصحونه بما ننصحه دومًا، ومع ذلك كان الرجل صديقي وما التقيته حتى أهش له وكلانا يرحب بصاحبه، وفؤجئت بقصة ابنته التي ألف لها هذه القصيدة العرجاء، التي قصد بها لفت الأنظار والتقفتها وسائل الإعلام ونفخ منها وجعل منها معلقة قالها شاعر من الفحول، والبعض الآخر من صحف الضرار، عدها من كنوز الشعر العالمي، وفاقت ملاحم "دون كيخوت" و"ملحمة السيد"، و"بيوولف"، و"الإلياذة والأوديسا"، وهرعت وسائل الإعلام إلى مدينة الغردقة ميممة شطرها إلى حي الدهار حيث يقطن يحيى جوهر، وأخذ إجازة من الشركة المصرية ليتفرغ للأحاديث وعدها فرصة لم يكن ليحلم بها، فاق هذا الحلم مرحلة الذهاب كل يوم ثلاثاء إلى قصر ثقافة الغردقة، ويلتقي الشاعر رمضان الخطيب، شيخ أدباء البحر الأحمر، ليصحح له مثالب قصيدته.. صارت حبيبة هي ووالدها بعد حادث القصيدة، ضيوفًا على الفضائيات وصار موضوعها كمثل موضوع حمادة المسحول، الفلولي، فتوة المطرية الذي ينتمي لفريق "أنا آسف يا ريس"، وفي رأيي أن موضوع حبيبة وأبيها، هو نسخة طبق الأصل من موضوع حمادة المسحول، فتوة المطرية، غير أن يحيى جوهر لم يكن يبغي مقابلاً ماديًّا، كما كان حال حمادة الذي كان يتقاضى 20000 دولار نظير الظهور في اللقاء التليفزيوني الواحد، ولكنه يبغي الشهرة فقط.
ومنذ سبعة أعوام حدث حاث شبيه لموضوع حبيبة جوهر مع فارق الهدف النبيل، حين كتبت الطالبة المحترمة "آلاء" ابنة الأديب الكبير فرج مجاهد موضوعًا إنشائيًّا في امتحان الثانوية العامة، كتبت فيه رأيها بشفافية ووضوح وعبرت عن الواقع الأليم الذي كانت تحياه مصر تحت دولة مبارك الفاشية البوليسية، التي كانت تتعقب الأحرار وأصحاب المواقف والكلمة وأصحاب الضمير الحي الذين وقفوا في عز جبروته ضد ظلمه وعسفه وفساده، لم يعط لهم الآمان كما أعطاه الرئيس الحالي محمد مرسي، الذي قال في بداية حكمه (ليس لي حقوق ولكن على واجبات)، فطغى أصحاب القلوب المريضة، الذين يبغون عودة الماضي الأليم بكل صوره وفساده، فآمنوا العقوبة فأساءوا الأدب وبالغوا في الإساءة التي أضرت بالوطن نتيجة نفخهم في الشائعات التي نالت من أمن الوطن، وبدأت وقائع أغرب اتهام عندما توجهت آلاء لمدرستها يوم امتحان اللغة العربية؛ حيث وجدت سؤالاً يقول اكتب موضوعًا إنشائيًّا عن أهمية استصلاح الصحراء بالنسبة للاقتصاد المصري وبحسن نية أفرطت الطالبة في التصدي لأسباب المشكلة واتهمت الولايات المتحدة الأمريكية بأنها السبب في المشكلات الاقتصادية التي تمر بها مصر والعديد من الدول العربية، وذلك لأنها تدعم الأنظمة الفاسدة ولا يهمها مصلحة الشعوب، بل كل ما يشغلها هو الحفاظ على مصالحها والبحث عمن يضمن لها النفوذ والكلمة العليا في مختلف العواصم العربية وعلى رأسها مصر، وبدأت الأحداث تتصاعد بسرعة، وذلك حينما قام مصحح اللغة العربية بكنترول المدرسة بقراءة إجابة الطالبة عن السؤال؛ حيث هرول نحو محمد صادق رئيس الكنترول ومعه ورقة الإجابة وبعد لحظات تصبب خلالها الموظفون عرقًا توجه الأخير نحو مديرية التربية والتعليم بمحافظة الدقهلية؛ حيث طلب لقاء وكيل الوزارة وأطلعه على إجابة الطالبة فلم يجد الأخير أمامه سوى الاتصال بجهة ما، وبعد لحظات تم استدعاء الطالبة من منزلها وفي وجود وكيل الوزارة ورئيس الكنترول وعدد من كبار الشخصيات في المحافظة تم توجيه الاتهامات للطفلة التي لم تبلغ 15 ربيعًا، التي وجهت من رؤساء كان أمن الدولة يختارهم بعناية، الشرط الوحيد إبراز إمكانات في النفاق وإرهاب كل ذي فكر وابتعاده واعتقاله وتتبعه في رزقه، وبعد تحقيق استمر لمدة ساعة تعرضت فيه الطالبة للرعب والإرهاب من الموظفين المجرمين الذين تخلصوا من كل أثر يدل على التربية والتعليم، لم تتمكن خلاله الطالبة من الكلام بسبب الرعب الذي انتابها أصدرت مديرية التربية والتعليم القرارات التالية وهى: إعلان رسوب الطالبة آلاء فرج مجاهد في جميع المواد الدراسية، وعدم السماح لها بدخول امتحانات الدور الثاني، وعدم السماح لها بالدراسة خلال العام القادم.
وفي نهاية الأمر قرر الفرعون عودتها بعد أن قام نظامه بفصلها، وفصل مدير المدرسة ومدير إدارة شربين ووكيل وزارة التربية والتعليم بالدقهلية، ولم ينتفض إعلام الرائد موافي (صفوت الشريف) للدفاع عنها، وتناولته على استحياء صحف رجال الأعمال التي أوتيت سقفًا من حرية الرأي، عملوا محللين للنظام البوليسي حتى يظهر بمظهر الديمقراطي في نظر العالم الخارجي، وبعد الثورة تاجر إعلاميو الرائد موافي القواد بالقضية وأعادوها للساحة من جديد، ولم يزايد والدها وهو الأديب الحقيقي، له إنتاج أدبي حقيقي، يتعفف عن الظهور رغم توجيه الدعوات له، آثاره تنوعت بين النقد والقصة وكتابة المقال، والتاريخ وتاريخ الأدب تناول أدبه كبار النقاد، وهو صديقي أيضًا أشهد له بالفضل في علمه وأدبه، وقد تخرجت آلاء وتعد رسالتها للماجستير في الأدب القديم.
وقد رأينا وزير التعليم يكرم الطفلة حبيبة ويشجعها وسط ذهول الحضور، ودعاها إلى ديوان الوزارة لا ليحقق معها ويسلم ملف أبيها إلى جهاز أمن الدولة، ولكن لتكريمها على شجاعتها، التي حرص على تنميتها لا ليئدها في مهدها، لم نجد أبيها قد طورد في رزقه ووقف عن العمل، بل رجع إلى بيته وعمله آمنا لأن مصر دخلت في منعطف الديمقراطية الحقيقي الذي كفل حرية الرأي وحرية الكلمة...