سيادة الرئيس؛ وأنت تغدو وتروح وتحل وترتحل تَذَكَّر أن الدرجات على حسب المقامات، وأن المقامات على حسب الأعمال، وأن أعمال القلوب هي التي تقرب إلى حضرة علام الغيوب، بها يقع القرب، وبالخلو عنها يقع البعد، وقد قال الله تعالى: (إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا) (الأنفال: من الآية 70).

 

سيادة الرئيس؛ وأنت تعاني تلك الحملة الشرسة التي تنال من شخصك وتستهدف مشروعك تَذَكَّر أن الله تعالى لا يمكن أن يدع أهل الإيمان نهبًا لأهل التحلل والعصيان، فسننه شاهدة على أنه يثبت أهل الإيمان في مواجهة دعوات التنصل من مقتضيات إيمانهم، تلك التي لا يكف كارهو الالتزام الديني عن الدعوة إليها، مستغلين منابرهم الإعلامية، أو أدوات الضغط والحاجة الاقتصادية.. لكن شعار أهل الإيمان هو: 

 

         إذا ما دعتنا حاجة كي تردنا            أبينا وقلنا مطلب الحق أولا

 

سيادة الرئيس؛ تَذَكَّر أن الله عز وجل مع المؤمنين بالتثبيت والتأييد، كما أنه ضد الظالمين، فلا يهتدون إلى الحق، ولا يثبتون في مواطن الحسم، وقد قال عبد الله بن المبارك لسفيان الثوري: من الملوك؟ قال: الزهاد. قال: فمن الأشراف؟ قال: الأتقياء. قال: فمن السفلة؟ قال: الظلمة.. وللأتقياء وللظلمة قال ربنا سبحانه: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)) (إبراهيم).

 

سيادة الرئيس؛ تَذَكَّر أن المُلْكَ هو الاستغناء بالمكوِّن عن الكونين، وأن من قدَّر الله عليه الإهانة في السَّبْقِ لا يقدر أحد على كرامته؛ لأن لباس الحق لا يزول ولا يحول (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج)، وفي هذه الآية ما يلقي الطمأنينة في القلوب الموصولة بالله، تلك القلوب التي ربما عانت الفقر والحاجة لكنها تأبى أن تعود إلى زمن القهر والنهب والاستبداد، وهي تعلم أن للحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق، وهي تعلم أن الأحرار يموتون ولا يأكلون على حساب شرفهم وحريتهم وكرامتهم ومستقبل أوطانهم، كما تعلم أن الله يغنيها بفضله عن ذل الحاجة لخلقه، فليس عليها إلا أن تطرق بابه وتطلب نواله.. أخرج الطبراني بسند جيد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل: ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد ديْنا لأداه الله عنك؟ قل يا معاذ: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطيهما من تشاء، وتمنع منهما من تشاء؛ ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك.

 

سيادة الرئيس؛ تَذَكَّر أن الشعب المصري قد أثبت بعد الثورة أنه لا يتأثر بحملات الإعلام المضلل، وقد أكدت صناديق الاقتراع أن هذا الشعب قد أدرك أن فرعون لا يمكن أن يساوي موسى، وأن قارون لا يمكن أن يساوي ذا القرنين، وأن الذين يعلمون ظاهر الحياة الدنيا لا يمكن أن يساووا من عرفوا حقيقة قدر الدنيا وقدر الآخرة.

 

سيادة الرئيس؛ لقد قال بنو إسرائيل لموسى (أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) فجاء رده الحاسم (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف: من الآية 129) وكأنه يقول لهم: لا تسووا حالكم مع فرعون بحالكم معي، فقد فقدتم مع فرعون كرامتكم وإرادتكم وحريتكم وثرواتكم وحاضركم ومستقبلكم.. ومعي ومع الصالحين من عباد الله لن تحتاجوا إلا إلى قليل من الصبر وكثير من العمل لتقطفوا كثيرًا من الثمرات (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)) (الأعراف).

 

سيادة الرئيس؛ نقولها معك لكل شعب مصر: استعينوا بالله واصبروا، فلربما كان التضييق في الرزق لمصلحة يدخرها الله لكم (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)) (الشورى).

 

ونُذكِّرُ شعبنا بقول رسول اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: "أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا ما يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ ما الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا، كما بُسِطَتْ على من كان قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وَتُلْهِيَكُمْ كما أَلْهَتْهُمْ".

 

---------

* وكيل كلية القرآن الكريم- جامعة الأزهر