تعجبتُ كغيري من آلاف المصريين، لزيارة حمدين صباحي لشيخ الأزهر الإمام الأكبر أحمد الطيب، لتأييده له ضد الحملة الشرسة التي يتعرض لها من الإخوان المسلمين الذين يريدون ابتلاع مصر، تأتي هذه الزيارة بعد يوم من زيارة وفد من الدعوة السلفية لشيخ الأزهر لنفس السبب (هم الذين كانوا يمثلون للشيخ أنهم خوارج العصر)، وبعد قراءتي لهذين الخبرين قلت لنفسي ولغيري: "أنت أكيد في مصر".. التدليس والكذب والافتراء هو السائد بين بعض الأطياف السياسية، وفي وسائل الإعلام التي تتخذ من الكذب شعارًا لها وموردًا رئيسيًّا للرزق..

 

كلنا يعلم أن السيد حمدين صباحي ينتمي إلى التيار الناصري اليساري العلماني، هذا التيار الذي هدم دور الأزهر، وفعل تجاه هذا المعهد العتيد الذى وقف رجاله يدافعون عن هوية الأمة الإسلامية على مدى العصور، حينما كان الأزهر الشريف مهد الثورات، وقف للمماليك قبيل مجيء الحملة الفرنسية وأخذوا عليهم عهدا وميثاقا يحكم العلاقة بينهم وبين الشعب، كما كان الأزهر مهد المقاومة الشعبية الشرسة ضد الحملة الفرنسية مما جعل نابليون يهرب بليل من جحيم المقاومة وهو الذى أذل كل الإمبراطوريات في أوربا، ثم وجدنا الأزهر بعد رحيل الحملة الفرنسية يختارون محمد على حاكما .. صحيح أن محمد على خان كل المواثيق التي قطعها مع الأزهريين، وحاول احتواء الأزهر والقضاء على دوره، فلم يستطع بل استعان بالأزهريين الذين كانوا وقودا لنهضته التي استفاد هو منها وعشيرته وشذاد الأفاق من الأجانب الذين أتوا من كل حدب وصوب، كما الأزهر مهدا للثورة العرابية وكان قائدها الزعيم أحمد عرابي من رجال الأزهر، وكان أيضا مهدا لثورة 1919 الذى كان قائدها سعد زغلول من أبناء الأزهر أيضا، وقامت ثورة يوليو وحازت بتأييد من الأزهر، إلا إننا فؤجئنا بإلغاء عبدالناصر لأوقاف الأزهر وحده وجعله تابعا له، يختار شيوخه بنفسه، وهذا مما لا يجرؤ فعله مع أصحاب الديانات الأخرى، وتعرض عبدالناصر للتيار الإسلامي، الذي كان جله وفى القلب منه الإخوان المسلمين من علماء الأزهر، تعرضوا في سجونه لأبشع الظلم والتعذيب والقتل والسحل، مثل: الشيخ محمد فرغلى، ومحمد الأودن، ومحمد الغزالى، وعبدالحميد كشك، ومحمد عبدالله الخطيب، ومحمد أبو زهرة، في حين لم يجرؤ عبدالناصر على توجيه لوم لأى قيادة من أصحاب الديانات الأخرى، ولقد ألغيت الماسونية في عهده، لم نرى أى محاكمات لأى من أعضاءها، وقد كان معظم الزعماء والأدباء والفنانين والوجهاء من أعضاء هذه المحافل الماسونية، التي كانت ترتبط بالصهيونية العالمية وتجمع التبرعات وتذلل الإمكانيات لإنشاء دولة إسرائيل، وللقارئ أن يرجع إلى كتاب "الماسونية في مصر" للدكتور على شلش، كما وجدنا الأزهر وقد ناله الكثير من الضرر في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، تسلط السفهاء بالقول والكتابة في وسائل الإعلام وفى الأعمال الفنية، بل الرئيس نفسه كان يسخر من الأزهريين قائلاً" إنهم يُفتون الفتوى من أجل ديكٍ يأكلونه"، في أثناء خطاب "جمال عبد الناصر" في 21 مايو 1962 أمام المؤتمر الوطني للقوى الشعبية تعرض لقضية مساواة المرأة بالرجل في كل الأمور، فقام الشيخ الغزالي وهو عضو في المؤتمر، بالمطالبة بالالتزام بالشرع فيما يخص المرأة والرجل، فطالب بتخفيف العبء على المرأة، والحد من الأمور التي تخرجها عن طبيعتها الأنثوية، ثم أضاف الشيخ الغزالي بضرورة تحرير القانون المصري من أية تبعية أجنبية والعمل على توحيد ملابس المصريين والـتأكيد على احتشام المرأة وارتدائها للحجاب، وفي اليوم التالي خرج الأهرام بكاريكاتير لـ"صلاح جاهين" وقد رسم الشيخ الغزالي وهو يخطب في عدد غفير من الجماهير وكتب "جاهين" على لسان الشيخ الغزالي: "يجب أن نلغي من بلادنا كل القوانين الواردة من الخارج.. كالقانون المدني وقانون الجاذبية الأرضية!"..

ولم يكتف جاهين بهذا بل هاجم شيوخ الأزهر وقال عليهم شيوخ تضليل وأنهم وقفوا ضد تنوير الحملة الفرنسية فقال:

 زحف الفرنسيس وزحفت قبلهم جواسيس

غايصين لقاعها وعارفين باعها من باريس

وايش عمل قصير الباع ..فى القمة

العمة لما اتكلمت وتن صوتها حبيس

غير لما قال البوليس نوروا الفوانيس

وده كفر طبعًا . ولا يدخل لنا في ذمة

اطمن الغرب أن في بلدنا ناس رمة

وانهش يا ديب فينا وأقضى بمنتهى الهمة ...

على اسم مصر

أنا لو "نابليون" لكنت عدمتهم تقتيل

ما دمت أقدر أسيح دمهم في النيل

وأخلع ذقونهم وأبين أنها تضليل

 

 واستغل صلاح جاهين خرس علماء الأزهر وموالاتهم للسلطان في هذا التوقيت.. يفتون له ويؤصلون للاشتراكية في الإسلام، ورضوا ان يرأسهم الضابط الشيوعي محمد توفيق عويضة في الشئون الإسلامية، بل كتبوا له كل ما يطلبه كما أفتوا له بقتل الإخوان المسلمين في السجون، وعملوا كتابا نشر كملحق لمجلة "منبر الإسلام" بعنوان "رأى الدين في إخوان الشيطان"

 

 وفى الشهور الأولى صدر مرسوم بقانون رقم 180 لعام 1952م أي في أول خمسة شهور من حكم الثورة إلغاء الوقف الأهلي، كما كانت هناك إجراءات صحبت ذلك كله وأخرى تتابعت في السنوات التالية أدت فيما أدت إلى وضع الدولة يدها بشكل كامل على الأوقاف عبر وزارة الأوقاف التي سلمت هذه الأوقاف بشكل أو بآخر إلى الهيئة العامة للإصلاح الزراعي، حتى أن الهيئة تسلمت 137 ألف فدان من أراضي الأوقاف بسعر 17.5 مثلاً لضريبة الأطيان المربوطة عليها أي أن قيمة الفدان بلغت خمسين جنيهًا، في حين زادت قيمته الحقيقية بسعر السوق في ذلك الحين على ألف جنيه، ولذلك عجزت وزارة الأوقاف عن تأدية رسالتها لأن هذه الأراضي كانت تدر على الأزهر في السنة الواحدة 8 ملايين جنيه، وبتطبيق هذه القوانين انخفضت الإيرادات إلى 800 ألف جنيه إذ إن الريع تم تحديده بـ3% و 4% من قيمة سندات سلمت لها كبديل للأرض، فضلاً عن امتناع الهيئة العامة للإصلاح الزراعي عن سداد الريع المستحق، الأمر الذي جعلها مدينة لوزارة الأوقاف بمبالغ مالية هائلة، هذا فضلاً عن تبديد الهيئة لأغلب هذه الأوقاف لاسيما أوقاف الخيرات الموقوفة على المساجد، وبهذا ضربت ثورة 23 يوليو الركيزة الاقتصادية لعلماء الأزهر؛ تلك الركيزة التي كانت تجعلهم في غنى عن أموال الحكومة، الأمر الذي كان يكفل لهم الاستقلال عن الحكومة ويتيح لهم معارضتها دون الخوف من قطع مرتباتهم أو تشريد أسرهم من بعدهم.

وعلى حين عوملت أوقاف المسلمين هذه المعاملة استثنيت أوقاف غير المسلمين من أحكام هذه القوانين حيث وضعت لها قوانين خاصة، وتركت لكل كنيسة أوقافها في حدود مائتي فدان، وما زاد عن هذا كانت الدولة تأخذه وتدفع ثمنه بسعر السوق وهو ما أدى في أواخر السبعينيات إلى مناداة عدد من الأصوات في مجلس الشعب بمساواة أوقاف المسلمين بأوقاف "المسيحيين".

ثم كان الخطوة التالية بإلغاء المحاكم الشرعية خطوة بارزة قامت بها ثورة يوليو لتقليص دور الأزهر في الحياة العملية للمصريين خارج توجيه الحكومة؛ إذ إن ممارستها لنشاطها كانت تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية عن الحكومة خاصة في مجال المنطلقات الأيديولوجية، وعبدالناصر وثورة يوليو كانا يهدفان لتأميم الدين لصالح نظام الحكم فكان لزامًا القضاء على هذه المحاكم التي كان يستحيل تأميمها لصالح النظام الحاكم, وكانت ثورة يوليو واعية بذلك منذ البداية إذ ألغيت هذه المحاكم بقانون رقم 462 لعام 1955م, وبذا بدأت هيمنة ثورة 23 يوليو على القوة الإسلامية الأكبر في مصر وفي العالم الإسلامي وهي الأزهر الشريف وعلماؤه, حيث شكل إلغاء المحاكم الشرعية تحديًا لنظام الشريعة الإسلامية نفسه في دولة إسلامية يعلن دستورها أن دينها الرسمي هو الإسلام، وهذا مما لم يستطع المستعمر الصليبي نفسه أن يفعله، وبإلغاء المحاكم الشرعية وبالهيمنة على إدارة الأوقاف نجح الرئيس جمال عبد الناصر فيما فشل فيه الاحتلال الغربي من الهيمنة على أبرز مؤسسة لعلماء الإسلام في العالم كله، وقد أيد عبدالناصر في أفعاله هذه رجال ضعاف النفوس لديهم شبق على المنصب، جعلهم في الصدارة، في حين سرح كبار المخلصين وجردهم من المناصب ومنهم أبوزهرة كما أسلفنا، ومن كان يرفض أو يلمح بالرفض كان الأجهزة البوليسية الإرهابية تتعقبه في الرزق والعمل .

وقد شنت أجهزة إعلام الدولة - الثورة حملة إعلامية صاحبت ذلك كله، ووصفته بأنه ثورة جديدة تجري داخل الأزهر وتقودها الدولة من أجل التجديد والتقدم لخدمة الأزهر والإسلام, وبلغ الأمر أن هاجم د. محمد البهي في جلسات مجلس الشعب (1961م) ما وصفه بأنه جو العداوة والجمود الذي يسود الأزهر وقال: "إن الثورة أعطت الإصلاح للأزهر لأن الشيوخ لم يريدوه", وكان محمد البهي أحد الموالين لعبد الناصر داخل الأزهر.

يقول الأستاذ عبد المنعم منيب: "وبعد أن هيمن عبدالناصر على الأزهر وموارده الاقتصادية كان عليه أن يكرس هذه الهيمنة بقانون رسمي محدد المعالم، فتم إصدار قانون تنظيم الأزهر (103 لسنة 1961م). وكي يتضح المدى الذي كبلت به الحكومة مؤسسة الأزهر قبل هذا القانون لابد أن نعود لأحداث جلسة مجلس الأمة (البرلمان) التي أقرت قانون تنظيم الأزهر، يقول فتحي رضوان: "لإجبار المجلس على الموافقة حضر رجال الثورة وجلسوا أمامنا على المنصة، وتحديدًا كان على المنصة أنور السادات وكمال حسين وكمال رفعت، وهدد أنور السادات المجلس عندما علت أصوات تعارض مشروع القانون قائلاً: كانت ثورة في 23 يوليو 1952م والذين حاولوا الوقوف أمامها ديسوا بالأقدام واليوم ثورة جديدة وسيصاب الذين يقفون أمامها بنفس المصير".

هذا نموذج من تعرض الأزهر للاضطهاد في عهد الزعيم بطل نكسة 1967، والأب الروحي لحمدين صباحي وتياره، فهل يعتذر عن تلك الجرائم التي تعرض لها الأزهر؟

إنهم مدلسون مجرمون، يفتعلون أكاذيب لا تحدث إلا في خيالهم المريض؟

 يدعون أن الإخوان يريدون هدم الأزهر والتنكيل بشيخه(عضو لجنة السياسات وأحد رجال جمال مبارك والذى صرح بأنه على استعداد لقبول الطلاب اليهود ولا يقبل طلاب الإخوان المسلمين عقب قضية مليشيات الأزهر الذى اعترف مجدى الجلاد مؤخرا بتلفيق أمن الدولة لهذه القضية) ونسى له الإخوان أفعاله، كما تسامحوا من قبل مع جمال عبدالناصر واحتسبوا أمرهم عند الله، (يأيها النمل ادخلوا مساكنكم) وأقرءوا التاريخ جيداً، فالتيار الإسلامي هو الذى طالب باستقلال الأزهر من التبعية الذليلة للبيادة، وأقر هذا في الدستور، ورئيس الجمهورية محمد مرسى يعتز بالأزهر ورجاله، ولم يتعرض لأحد بسوء كما فعل زعيم حمدين صباحي، الذى عزل حسن مأمون برغم ما قدمه لناصر من خدمات له.

هل اكتشف العلمانيون واليساريون والناصريون أن للأزهر تاريخ؟

أنتم الذين طالبتم بإلغائه كما نادى طه حسين، ووصفتم شيخه ببابا روما كما قال توفيق الحكيم.

هل نسينا ما قاله جابر عصفور أحد أصدقاء الإمام الأكبر احمد الطيب حينا أدعى في تقديمه للطبعة الأخيرة من كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، الذى تم طباعته في مشروع "ماما سوزان"، فقال: "كان دستور 1923 على وجه الخصوص تجسيداً لكل ما حققته دعوات الدولة المدنية السابقة من تقدم، وما طرحته أفكار المجتمع المدنى من صيغ لصورة المستقبل، ولقد انطوت لجنة الثلاثين (التى صاغت الدستور) نفسها على تناقضات هذا المسار الصاعد سلباً وإيجابا فضمت إلى جانب العلمانى داعية الدولة المدنية، رجال الدين الأزهري التقليدي النقلى الذى ظل يفكر في الدولة الدينية التسلطية "؟!!! ...

 وأنى أسأل ونقول متى كان الأزهر متسلطاً أو مشاركاً في الحكم وفى أى عصر يا عصفور؟، لقد افتريت في معظم كتبك ومقالاتك على الأزهر ورجاله وتاريخه، وقد انتقد موقف الشيخ العلامة محمد بخيت المطيعى مفتى الديار المصرية، الذى تمسك بالمادة 149 من هذا دستور 1923التى تنص على الإسلام دين الدولة واللغة العربية هى اللغة الرسمية، وزعمت أن هذا يهدد المواطنة وحرية الاعتقاد وأسس الدولة المدنية، ونقول له وهل تمسك ملك بريطانيا برعاية الكنائس الإنجيلية في العالم، هل هذا هدد الديمقراطية الغربية التي تعتز بها؟، أم أنك تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض ولم لا تناقش أى موضوع تطرحه، من كل الزوايا؟، لا من زاوية واحدة ضيقة تثبت في النهاية أن "الدين هو أفيون الشعوب".

ويقف الدكتور طه حسين الذى أفترى على الأزهر كثيراً في كتبه مثل: "الأيام"، و"مستقبل الثقافة في مصر" – يهلل لإلغاء المحاكم الشرعية عام 1956، ويكتب تحت عنوان "الخطوة التالية"، مطالباً السلطات العسكرية الحاكمة بإلغاء الأزهر تحت زعم توحيد التعليم كما وحد القضاء، هؤلاء الذين مدحوا أتاتورك وما يزالون لأنه طبق أفكاره المنحرفة بالقوة والغشم.

وفي أوائل الأربعينيات تقرر كلية الآداب رواية الكاتب الانجليزى جورج برنارد شو (جان دارك)، وفيها بعض التهم التي تكال ضد الإسلام، فيقف علماء الأزهر ضد الرواية ويطالبون الجامعة بوقف تدريسها، فيقف توفيق الحكيم يكيل التهم للأزهر وشيخه الذى اتهمه بأنه يريد أن يمثل دور بابا روما في العصور الوسطى ويريد أن يرجعنا إلى محاكم التفتيش التي تضطهد الفكر والإبداع، وأنه لا حجر على الإبداع والفكر!!!.

وعندما صدر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ على عبدالرازق، الذى أثبتت الدراسات أنه سطا على بحث للمستشرق الانجليزى "مرجليوث"، وقف هؤلاء يهاجمون الأزهر ويتهمونه علمائه بأنهم سدنة الطاغوت الملك فؤاد، وقال كبيرهم أحمد بهاء الدين.. يفترى على هذا المعهد العريق الذى زعم في كتابه "أيام لها تاريخ" يتهم علماء الأزهر بمولاتهم للملك فؤاد فيقول : "أدرك القصة (قصة الخلافة) الأذناب وتجار الدين فبدؤوا يبثون الدعوة للخلافة الجديدة التي علقوا بقيامها شرف الإسلام، والمدركون لهذه المؤامرة لا يتكلمون، لا أحد يستطيع أن ينطق بكلمة ضد فؤاد، ولا أحد يجسر على أن يحصب كهنة الدين بحصاة ... لم يكد يخرج إلى النور حتى هبت في وجهه الزوابع من جميع الاتجاهات، الملك وأذنابه لأن الكتاب فيه حملة هائلة على الملوك، وتحطيم لحلم شامل لحلم الخلافة البراق ورجال الدين ثاروا لأنهم رأوا في هذا المنطق ما يزعزع سلطانهم، ويعقل منافعهم في الاتجار بالدين، ويكشف عن هذه العمائم التي لا ترتفع إلا لتستر وراءها الظلم والاستبداد"، ويرد عليه الدكتور محمد رجب البيومى قائلاً : "وأنى لأساله أين سلطان رجال الدين الإسلامي الذين يخافون عليه؟ أكان في الإسلام كما في الكنيسة سلطان لرجال الدين؟ ومتى كان لهم في مصر حين صدر الكتاب؟!! أليس شيخ الأزهر وهو رئيس هؤلاء موظفاً يولى ويعزل كسائر الموظفين فأين سلطانه إذن؟ ومتى اتجر الأزهريون بدينهم وفى أى قضية عاصرها الكاتب"... وهولاء العلمانيون الذين مازالوا ينشرون الكتاب ويتجاهلون رجوع المؤلف على باشا عبدالرازق سنة 1951 عن أفكاره التي نادى إليها في كتابه في حوار مع المفكر الكبير أحمد أمين في مجلة "رسالة الإسلام".. كما لفت نظري الاحتفاء من قبل مجلة "أدب ونقد" التي يصدرها حزب "توتو" - بكتاب "من هنا نبدأ" للمفكر الإسلامي خالد محمد خالد، الذى تراجع عنه وألف كتاب "الدولة في الإسلام" عام 1981، وأثبت أن الإسلام دين ودولة.

هؤلاء الذين يتباكون على الأزهر اليوم، أن يراجعوا أولاً أقوال أسلافهم التي حاولت هدم الأزهر واجتثاثه ونعته بأسوأ الصفات، ولكن ذهبوا وبقى الأزهر مرجعية لكل التيارات الإسلامية جمعيًا، وليبين لى هؤلاء القوم أهناك اختلاف بين العلوم التي يحملها التيار الإسلامي وبين العلوم التي تدرس في الأزهر؟ وأين مكمن الخلاف؟ هل للتيار الإسلامي قرآن وسنة غير القرآن والسنة الذى يتخذه الأزهر؟

 هل يستمدون هؤلاء وهؤلاء بشيء غير القرآن والسنة وقول السلف الصالح ويؤمنون بأحداث التاريخ الإسلامي وأن الإسلام دين ودولة ؟ هل ينكر الأزهر أن الإسلام دين ودولة ؟ هل ينكر الأزهر مرجعية الشريعة الإسلامية؟ هل يرضى الأزهر عن شطحات العلمانيين والماركسيين الذين حاربهم في الماضي وتصدى لمخططاتهم ؟ فيجيبنا هؤلاء بالنفى أن كان لديهم برهان أو دليل.

والواقع يقرر أن معظم أبناء التيار الإسلامي وكبار رجاله هم من علماء الأزهر وأبناء الأزهر، بل أن بعض القيادات التي لم تتخرج في الأزهر عادت إليه لتحصل على شهادة منه، مثل الدكتور عصام العريان، بل إن الإمام الشهيد البنا كان دائم الرجوع لعلماء الأزهر إذا وجد اعوجاجا يتهدد المجتمع، ونشاط جماعات التبشير والتنصير في العشرينيات، كما خاطب الكثيرون منهم مثل الشيخ الدجوى، والإمام الأكبر محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر الذى شكره على غيرته فكتب في (مجلة المنار) الجزء الخامس والثلاثين عام 1939م يقول: "إن الأستاذ البنا رجل مسلم غيور على دينه، يفهم الوسط الذي يعيش فيه، ويعرف مواضع الداء في جسم الأمة الإسلامية ويفقه أسرار الإسلام، وقد اتصل بالناس اتصالاً وثيقًا على اختلاف طبقاتهم، وشغل نفسه بالإصلاح الديني والاجتماعي على الطريقة التي يرضاها سلف هذه الأمة". كان البنا وقادة الإخوان من بعده يحترمون الأزهر وعلمائه، فقد قال الإمام الشهيد : "إن الأزهر الشريف هو أمل المسلمين الباقي، وهو مظهر الإسلامية، وله من ماضيه وحاضره وآثاره ما يجعله كذلك؛ فإعزازه إعزاز للإسلام، والنيل منه نيل من الإسلام؛ فموقف الإخوان المسلمين منه المحافظة التامة على مجده وكرامته، والعمل الدائب على إعزازه وإعلاء شأنه وتأييده في كل خطةٍ يُراد بها خدمة الإسلام والمسلمين".

ولك أن تلحظ أن المؤتمرات الجماهيرية التي يعقدها التيار الإسلامي، يكون أغلب الحضور منهم من القاعدة العريضة لرجال الأزهر، وهذا ما شاهدته بنفسى في مليونية الشرعية والشريعة في مطلع ديسمبر الماضى، فقد وجدت آلاف العمائم، تزين المكان، ويكاد أن يتلون باللون الأحمر.. نصيحتي لكم أيها العلمانيون: ألعبوا غير هذه اللعبة التي لا تخيل حتى على البسطاء، ولا تفرحوا بإعجاب الشيخ الحالى بكم.