المنهج الإسلامي ألطف المناهج بالناس وأكثر المناهج رحمةً وشفقةً على أخطاء البشر, كيف لا وهو دين ومنهج رب العالمين الذي قال عنه أفضل أنبيائه صلى الله عليه وسلم "ولا أحد أحب إليه العذر من الله, ومن أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين" متفق عليه.

 

 

وكيف لا وهو منهج أفضل المرسلين الذي قال: "مَن قال في يوم: سبحان الله، وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر" (متفق عليه).

 

 

هذا الإسلام اللطيف الجميل يحاول البعض أن يصوره على أنه منهج دموي وأتباعه يتوقون إلى جلد الظهور وقطع الأعضاء، وأنهم متشوقون لرؤية الأخطاء ليطبقوا الحدود.

 

 

 

كيف يصدق هذا واتباع هذا المنهج الإسلامي يتداولون في منهجهم أنه "من أكمل السعادة تعظيم شعائر الله ثم التوجه بالشفقة على خلقه".

 

 

 

ويتدارسون قول نبيهم: "مَن قال اللهم اغفر لي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.. كُتب له بكل نفس مسلمة حسنة"، فكيف يتمنى لهم الأخطاء وهو يدعو لهم بالهداية والمغفرة.

 

 

وفي نفس الوقت يحذر نفسه من مجرد سوء الظن في هذا المخطئ فيكررعلى نفسه قول نبيه الكريم: "لا تشمت بأخيك فيرحمه الله ويبتليك" (رواه الترمذي وحسنه).

 

 

ولا شك عندي أن بعض أبناء التيار الإسلامي ساهموا- عن غير قصد بالتأكيد- في تشويه الصورة وإساءة الفهم.

 

 

فلنتعرف معًا على فلسفة الإسلام مع الخطأ, لنتعرف على رحمة الإسلام:

 

 

أولاً:- إن الإسلام يرى أن الخطأ قدرٌ من أقدار الله, ولا بد من احترام أقدار الله، وأن الله يجريها على عباده لنعلم مدى ضعفنا وعجزنا، فبقبح الخطأ وقصور الضعف البشري يظهر جمال الكمال الرباني؛ ولذلك قال ابن القيم: "أنين المستغفرين أحب إلى الله من زجل المسبحين".

 

 

فبصفات المخطئين تظهر صفات رب العالمين من المغفرة والرحمة والتوبة والحلم والعفو.

 

 

ثانيًا:- إن الخطأ ليس معرة، واكتشافه والحديث فيه ليس مضرة، ما دام أنه يزجر من أجل أن نصل إلى الصواب، فالخطأ والصواب وجهان لعملة واحدة هي عملة الحياة.

 

 

ومن أجل تأكيد هذا المعنى نجد أن الخطأ قد يقع من أفاضل الناس، بل من أكابر الصحابة.

 

 

وقد يقع الصحابي الفاضل في خطأ واضح كما حدث من أبي ذر مع بلال حين قال له يا ابن السوداء, ومن حذيفة بن اليمان مع خادمه حين ألقى الكأس في وجهه لما طلب منه كأس ماء فجاءه بكأس من فضة.. كما ثبت ذلك عند البخاري.

 

 

لذا قال التابعي الجليل جبير بن نفيل: "لقد استقبلت الإسلام من أوله فلم أزل أرى في الناس صالحا وطالحا"، وقال سعيد بن المسيب في قاعدة من قواعد الجرح والتعديل: "ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله".

 

 

ثالثًا: الأصل في تعامل الإنسان مع خطأه أن يقع بين الخوف والرجاء اعتقادًا منه في قوله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ) (سورة الحجر)، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العُقُـوبَةِ ما طَمِعَ بجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ مَا عِنَد اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، مَا قَنطَ مِنْ جنَّتِهِ أَحَدٌ" (رواه مسلم).

 

 

ويغلب جانب الخوف حال الوقوع في الذنب والخطأ ويتذكر أن الله يغار وغيرة الله أن تنتهك محارمه ولربما أصابته من الله لعنه لا تأتيه بعدها رحمه، وأن الذنوب والأخطاء جراح ولربما جاء جرح في مقتل.

 

 

لكنه لا ييأس من نفسه مهما كان حجم الخطأ ومهما تكرر شرط أن يكون أمامه صورة مثاليه يسعى للوصول إليها، فيستفيد من كل خطأ ليتعلم ويقترب خطوه من هدفه.

 

 

فعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنة ، يكون نصب عينيه، فارًّا منه، حتى يدخله الجنة" (أخرجه ابن المبارك في الزهد).

 

 

وأن الله خلق الإنسان ليكون خليفة (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)، وهذه الكلمة "خليفة" تدل على أن الإنسان مليء بالطاقات والإمكانات حتى يحقق هذه الخلافة، ولكن هذه الطاقات والإمكانات لن تكتشف إلا عبر المحاولة والخطأ.

 

 

ولذلك فان الله تعالى رغم إقراره سبحانه للملائكة على قولهم: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ...).

 

 

إلا أنه عقب سبحانه بقوله: (إني أعلمُ ما لا تعلمون)، أي أنه سبحانه وتعالى يعلم أن هذا الإنسان رغم أنه سيخطأ إلا انه مهيأ كذلك لتعديل الخطأ والاستفادة منه لتحقيق الخلافة.

 

 

وتأمل حال خير بشر مشوا على الأرض الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا فإنهم لم يصلوا إلى أن خاطبهم الله بقوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة). إلا بعد أن تنازعوا غنائم بدر وساءت أخلاقهم فيها- كما ذكر ابن عباس-، وبعد أن عصوا الرسول في أحد، وبعد أن أصابهم الغرور في حنين، لكن هذه الأخطاء كانت تقربهم خطوة إلى الحالة المثالية التي كان يرسمها لهم القرآن، فبلغت بالرجل أن يعرض عليه الرسول نصيبه من الغنائم فيرفضها قائلاً: ما على هذا اتبعتك.

 

 

فأقبل أخي رحمك الله على شأنك، واستدرك خطأك، واستغفر ربك، وثق في نفسك وفي سعة رحمة ربك، ولا تيأس وامضي معنا.. نصنع الحياة.

 

 

رابعًا:- علاقتنا مع الآخر على قسمين لا ثالث لهما..

 

 

إن كان مسلمًا: - فالرابط الذي يربطنا به هو رباط العقيده وما يستلزمه هذا الرابط من الحب والنصح والرعاية والشفقة والتماس الأعذار. ويظل هذا الرابط بيننا وما يستلزمه مادام هذا الآخر مسلمًا، مهما كان من المذنبين المقصرين، حتى يأتي بالكفر البواح.

 

 

أما إن كان غير مسلم .... :- فالرابط الذي يربطنا به هو رباط الدعوه وما يستلزمه هذا الرابط من البر والقسط وحسن التعامل وحسن عرض الإسلام، ويظل هذا الرابط ومستلزماته حتى يتحول صاحبه الى محارب ومقاتل .

 

 

وعلى هذا فإن الأصل في التعامل مع أخطاء الاخرين هو الستر وليس الفضح أوحتى الرفع الى الحاكم .

 

 

فمن رأى شخصا على خطا، ولو كان مما يوجب الحد، فالأصل أن يستره ما لم صاحب الخطأ من المجاهرين المصرين، ولم يكن قصد صاحب الخطأ نشره بين الناس كالقوادين وتجار المخدرات .

 

 

وما لم يترتب على هذا الخطأ ضرر جسيم بعد نصح وتعليم, أو خيانة عظمى تضرر بعموم البلاد.

 

 

وليكن موقفنا من خطأ الآخرين مثل موقف هذا الصحابي الموفق أنس بن النضر- عم أنس بن مالك- لما كان يوم أحد وانكشف الناس، وأصاب المشركون رسول الله وتراجع المسلمين تجاه المدينة، قال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين- وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء- يعني المسلمين. رواه البخاري.

 

 

فتأمل تعامل الرجل مع خطأ إخوانه المسلمين لم يفرح بهروبهم وثباته، بل شعر أن خطأهم كأنه خطأه هو فاعتذر لهم. وهكذا الجماعة المسلمة ترى خطأ الفرد كخطأها، والفرد فيها يرى خطأ الجماعة كأنه خطأه، وبذلك لا مجال للشماتة والفرح بخطأ الآخرين- ولو كانوا مخالفين- بل الاعتذار، ومن ثمَّ التعاون على الإصلاح والاستدراك.

 

 

فهل هناك سمو في التعامل مع الخطأ مثل هذا.. فأين أنا وأنت من مثل هذا السمو حين نرى أخطاء الآخرين.

 

 

خامسًا:- إن العقوبات الشرعية المقررة لعلاج أخطاء البشر هي منزلة من رب البشر، والله اعلم بما يصلح عباده، وهو أرحم بهم من أنفسهم بأنفسهم، فلا يجب الاعتراض عليها بهذه الصورة الفجة من قبل وسائل الإعلام، قبل وضعها في إطارها الحقيقي الذي أاوضحناه.

 

 

هذا هو منهجنا الإسلامي فأنصفوا يا معارضين, وافقهوا يا مؤيدين, وأحسنوا العرض يا مدافعين. والسلام عليكم أجمعين.