تشهد الساحة السياسية المصرية الآن محاولة خبيثة وموجهة لتشويه متعمد لأحداث الثورة، وإعطاء صكوك المشاركة في الثورة والتمهيد لها ومعارضة النظام السابق لبعض المرضى عنهم وحجبها عن غيرهم تبعًا للمواقف والرؤى السياسية والقرب والبعد من مطلقي الأحكام وحاملي أختام الثورية وسدنة معابد التحرر الوطني.

 

فنرى البعض يُسهب في شرح دوره في الثورة وأنه مفجرها أو أن شخص ما أو جهة أخرى هي من مهدت لها وقدمت في سبيلها الغالي والنفيس، وكان آخر ذلك تصريح غريب وعجيب وشاذ فيه تساؤل: "أين كان الإسلاميون ونحن نسحل على يد النظام السابق؟!".

 

هكذا صراحةً وبلا مواربة يتساءلون عن دور الإسلاميين في ظل النظام السابق ولم يكلفوا أنفسهم عبء التذكر فقط  وليس التساؤل عن إمكان إقامة الإسلاميين في تلك الفترة هل كانت في فنادق الخمس نجوم أم في السجون والمعتقلات؟! وعبء التساؤل عن الأسباب الحقيقيةلاضطهاد الإسلاميين وإقصاؤهم عن كافة الوظائف والتعيينات في أماكن بعينها وتهميشهم في أماكن أخرى وتحويلهم لوظائف إدارية لعدم احتكاكهم مباشرة بالمواطنين؟!

 

إن محاولة البعض التقليل من شأن الدور الكبير للقوى والتيارات الإسلامية في مقاومة النظام السابق وتبيان فساده وإفساده وتحمله للعبء الأكبر في مواجهته، هي محاولة يائسة للبحث عن زعامة وشعبية مفقودة لدى البعض ممن فشل في إيجاد أي تواجد مؤثر داخل الشارع المصري.

 

وتنضم تلك الفرية لأختها القائلة بأن الإخوان لم يشاركوا في الثورة منذ بدايتها، وأنهم لم يشاركوا سوى في موقعة الجمل يوم 2 فبراير، وتناسى هؤلاء أن تواجد الإخوان كان على مرأى ومسمع من الشعب كله ولا ينكره إلا جاحد.

 

كما تناسوا كل البيانات الصادرة عن الإخوان والمؤرخة للثورة وعلى وجه الخصوص بيان الإخوان الصادر يوم 23 يناير الذي يدين استدعاء أمن الدولة لقيادات الإخوان في المحافظات ومحاولته اليائسة والمرفوضة لثنيهم عن المشاركة في مظاهرات 25 يناير وجاء في هذا البيان التاريخي " وفوجئنا برد فعلٍ متعجل ٍيخلو من الحكمة والكياسة، وينبئ عن الإصرار على بقاء النظام في نفس الموقع الذي يدعم الاستبداد والفساد وإرهاب الدولة؛ وذلك باستدعاء مسئولي الإخوان المسلمين بالمحافظات وتهديدهم بالبطش والاعتقال والمواجهة العنيفة، وربما الدامية في حالة النزول إلى الشارع لإعلان هذه المطالب الشعبية.

 

وإزاء هذا فإننا نعلن رفضنا للتهديدات والإرهاب، ونؤكد أن ملف الجماعة ملف سياسي، ولا ينبغي أن يكون بيد الأمن، فإن كان هناك مَن يريد أن يتحاور مع الأمة ونحن من نسيجها وموجودون ومنتشرون ومتجذرون فيها لبحث وسائل الإصلاح ومنهج التغيير لكي نخرج جميعًا من الأزمة والمأزق الذي يعيش فيه الناس والوطن، فنحن على أتمِّ استعداد لذلك، بل ندعو إلى حوارٍ وطني شامل لكل القوى والاتجاهات والأحزاب والحركات السياسية والممثلين لكل فئات الشعب.

 

ولا يتصور عاقلٌ أن أسلوب التهديد والوعيد يمكن أن يخيفنا؛ لأننا نعمل لله من أجل تحقيق مصلحة الأمة، ومَن يعمل لله لا يخيفه شيء؛ لأنه يخاف الله وحده ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْن ِأَحَقُّ بِالأَمْن ِإِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام: من الآية 81).

 

واختتم البيان " لن نكون أبدًا إلا وسط الشعب، نشاركه همومه وآماله ونعمل من أجل تحقيق حريته وكرامته، ونسعى معه في كل الأنشطة التي تقرب ساعة الحرية، وإن غدًا لناظره قريب ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنّ َأَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾".

 

إن هذا البيان صدر في قمة قوة وصولجان النظام السابق وقت أن كان العديد ممن يتشدقون بالعبارات الثورية الحنجورية يتوارون خوفاً ورعباً من بطش النظام به وكانوا يتقربون إليه زلفى لينالوا الرضا من أصغر ضابط أمن دولة.

 

وتناسى هؤلاء صور الوقفة الاحتجاجية أمام دار القضاء العالي ومشاركة رموز الإخوان فيها بعدد كبير ونشرت وكالات الأنباء تلك الصور في حينه.

 

إن معارضة الإخوان للنظام السابق كانت حباً لمصر ولشعبها وطاعة لله برفض الظلم والطغيان والاجتراء على حدود الله وإهدار الحريات بكل أنواعها ورعاية الفساد وأهله. ولمحاربة ومواجهة كل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة والحفاظ على مقدرات الشعب وعدم إهدارها.

 

لقد تحمل التيار الإسلامي وفي القلب منه الإخوان المسلمين الظلم والاضطهاد وسنوات السجن والاعتقال والنفي والتشريد ومنعهم من أبسط حقوقهم التي كفلها الدستور والقانون، وقت أن كان من يتشدق بالثورة الآن لم يولد بعد أو يتملق النظام السابق ويداهنه أو لا ثقل شعبي حقيقي له فتركه النظام السابق كجزء من الديكور الديمقراطي الذي يرعاه للحفاظ على صورته.

 

وبالطبع كانت هناك معارضة حقيقية عارضت النظام ورموزه نكن لها كل تقدير واحترام، ولكن أن يحاول البعض إنكار أي دور للتيار الإسلامي في الثورة فهذا بهتان مبين وتزييف بين للتاريخ ومازل صانعوه أحياء ويشاركون فيه للآن.

 

لقد تناسى البعض في خضم كرههم العميق للتيارات الإسلامية وعدم قبولهم لهم مهما قدموا من تضحيات أو قاموا بأعمال جليلة، أن الشعب ما زال يتذكر الأشخاص ومواقفهم والأعمال وأغراضها ولم يصب بعد بمرض فقدان الذاكرة ولديه القدرة على التمييز بين الصادق والمزيف والمضحي والمزايد.

 

ووصل الأمر بهم لجعل فلول النظام السابق ثوار وأصبحوا هم من قاموا بالثورة وأشعلوا فتيلها ومن غير المستبعد أن يكون مبارك وزبانيته في القريب العاجل هم مفجرو الثورة وحماتها.

 

إن هذا الحقد الأسود لدى البعض لن يبلغ مراده بإذن الله لأن الشعب أوعى منه ومن مخططاته اليائسة والبائسة، وعلى أهله وصانعوه أن يتقوا الله في بلدهم ووطنهم وأن يوجهوا جهودهم لإعادة بناء ما هدمه النظام السابق، وألا يوجهوها لتشويه صورة القوى والتيارات التي تتعبد إلى الله بأعمالها وتبغي ما عنده سبحانه وتعالى.

 

ستبوء تلك المحاولات بالفشل الذريع كما حدث لما سبقها من محاولات عديدة في تاريخ مصر لتشويه التاريخ الحقيقي، وكشف الشعب زيف تلك المحاولات وبقت الصفحة البيضاء للمخلصين من أبناء مصر ناصعة مشرقة مشرفة بفضل الله سبحانه وتعالى.

 

حفظ الله مصر وشعبها ورئيسها من كل مكروه وسوء.