كتبت كثيرًا- وسأظل- حول الفوارق الكبرى بين آفاق التجربة الإسلامية المصرية في الحكم ونظيرتها التركية، وقلنا سلفًا إن النجاح "التركي" يدور حول المقاصد العامة التي تشترك فيها الشريعة الإسلامية مع غيرها من الشرائع مثل قضايا "العدالة والمساواة" وعموم فكرة "التنمية واﻹعمار".
أما التجربة المصرية فهي تسعى حثيثًا لإقرار الإسلام (كمقاصد وشرائع ومنهج حياة)، والمقاصد العامة تأتي في البداية لتخطو بعموم المصريين (مسلمين ومسيحيين) خطوة إيجابية نحو الالتفاف حول المنهجية الكاملة للإسلام، ونرى أن التجربة المصرية مرشحة بقوة لتحقيق أهدافها ذاتيًّا، أما أختها التركية فستظل تنتظر أجواء إقليمية (أي من خارجها) تساندها لكي تزيح عنها ركام السنين.
وقد لاحظ هذا الفارق الكاتبان الأمريكيان "جيمس جيفرى وسوتر جاغابتاي" في دراستهما المنشورة على موقع (معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط في 3.4.2013)، وكانت الملاحظة أنه بالرغم من تأكد العلمانية التركية أن "حزب العدالة والتنمية" (يحتقر) شرب الكحوليات، ويروج للتعليم الديني، وأن العلمانيين يحذرون من الاتجاه نحو أسلمة الدولة، إلا أن إجابة الباحثين على سؤال: هل ستطبق تركيا الشريعة الإسلامية لاحقًا؟ كانت الإجابة: لا، وذلك لأنهم وجدوا أن (مفهوم الشريعة) حظي بنقد أو بتحقير شديد على مدى عقود طويلة بسبب حركة "التغريب" و"الأتاتوركية" التي خلَّفت صورة ذهنية بالغة السوء عن "الشريعة"، وجعلتها مرادفًا "للرجعية والتخلف والتعصب" في مخيلة المسلمين أنفسهم.
وطبقًا لاستطلاع رأي أجراه "مشروع بيو لأبحاث الاتجاهات العالمية"، فإن 16% فقط من الأتراك ينظرون بإيجابية إلى العقوبات الصارمة التي فرضتها الشريعة (هكذا وصفوها)، ولم تزد هذه النسبة بعد مجيء "أردوغان" للحكم، في حين أن 82% من الباكستانيين والمصريين نظروا لها بشكل إيجابي.
كذلك فإن عائقًا مهمًّا- يراه الباحثان- أمام وضع تركيا على الطريق الإسلامي، وهو الطابع الغربي للمؤسسات السياسية واعتناق "تركيا" للاقتصاديات الليبرالية بعمق، وكان نجاح "أردوغان" مرتبطًا بوضع نفسه في إطار المنظومة العالمية الليبرالية، وقد أحرز نجاحه من خلالها وبشروطها، وذلك يُقربه من "الليبرالية" ويضعه في اختبار شديد فى توجيه الدفة نحو "اﻷسلمة".
كذلك فإن الإرث الدستورى العلماني في "تركيا" يجعل الطريق طويلة جدًا ومتعثرة نحو "منهج إسلامي شامل".. هكذا رأى الباحثان.
ولم ينس الكاتبان الإشارة إلى الترحيب المصرى الكبير "بأردوغان" في "مطار القاهرة" الذي أعقبه غضب وحزن من نصيحة "أردوغان" للمصريين بوجوب تشكيل حكومة (علمانية)!!؛ مما أظهر الفارق الكبير بين المدرستين التركية والمصرية، أو بالأحرى أظهر أن فرص "مصر" أكبر كثيرًا من "تركيا" في التوجه نحو الهوية الإسلامية الطبيعية للمجتمع، بينما العقبات كبيرة فى طريق "تركيا".
لا يخفى على القارئ أن الباحثين المذكورين قد رحبا بالتجربة التركية واعتبرا أنها نموذج (للاعتدال)، وذلك برغم تهديد (المشكلة السورية) لهذا (الاعتدال)... فقد أصبحت الحدود (التركية- السورية) عرضة لاختراق الجهاديين إلى المجتمع التركي!! لكنهما رأيا أن "الاعتدال التركي" سيظل قائمًا باستمرار "تركيا" خاضعة للنفوذ الغربي رغم اتصالها بالعالم اﻹسلامي، وهذه التوليفة ستنقذها من هذه التهديدات التي تغير الأمم في لحظات!.
هذا البحث يمثل نموذجًا صادقًا للمنظور الغربي في قراءة الواقع السياسي لأي دولة إسلامية؛ يحيث تقارن الدراسات دائمًا بين تأثير النفوذ الغربي واﻹسلامي على حركة الدولة، وقطعًا فإن الطمأنينة تلف الدراسة لوكانت الدولة أبعد من التأثر باﻹسلام وأقرب إلى الغرب، أما إذا انعكس التأثير فهنا تنشط مراكز البحث لتسدى نصائحها لصناع القرار في كيفية مواجهة هذا الخطر اﻹسلامي بالطبع.
وفي هذا السياق ستلحظ أن (النموذج الغربي) يعمل بدأب في واقعنا السياسي حتى يحفر لنظرياته مكانًا تحت الشمس المصرية؛ ليواجه النموذج اﻹسلامي القادم بثقة كما يصفونه غربيًّا.
ومن مجهودات الغرب أنك سترى محاولاته الدائبة لصبغ حركة الشباب الثوري بصبغة غربية علمانية متطرفة، وقد شاهدنا كيف أن الإبداعات الاحتجاجية تكاد تكون كلها قد تم صنعها غربيًّا وأمريكيًّا في إطار كلّ من (الفكر) و(السلوك السياسي):
1- ففي (الفكر) المطروح تجد اﻹصرار واضحًا على مطلب (حريات بلا سقف) لتحذو حذو الغرب تمامًا، وتُنحي القيود الدينية جانبًا حتى في الأحوال الشخصية، والزواج، وإسقاط المرجعية الإسلامية من الدستور (وإن كانت هذه طُرحت ثم سحبت مؤقتًا لعدم التصادم مع الجماهير)، وكذلك نشهد يوميًّا الانحياز للرؤية والتجربة الغربية فى صياغة القوانين وبناء المؤسسات، وليس أشهر على ألسنة دعاة الغرب من عبارة: (عقب كل الثورات يحدث كذا وكذا)، و(في كل الديمقراطيات يحدث كذا وكذا)، و(لا نريد أن تخترع العجلة فالديمقراطية مطبقة وعلينا أن ننقلها كما هي)..!! هذا باﻹضافة لكل اﻷفكار التي تطرح على أنها حقائق وثوابت لا لشيء إلا ﻷن منشأها غربي.
ومثل هذا نسمعه في عالم الاقتصاد والعلاقات بين الحكام والمحكومين.. إلخ.
2- أما في السلوك السياسي: فأمامنا وسائل التعبير التي بدأت (بقناع فانديتا)، ثم "الكتلة السوداء"، بالإضافة لرقصة "هارلم شيك" التي رقصوها "في المقطم" وهي الرقصة ذات الحركات الحسية والعشوائية التي تعبر عن الرفض المطلق والعدمية الكاملة في مواجهة "الآخر" المرفوض تماماً وهو "الإسلام" في حالتنا، مُعبرًا عنه "بجماعة الإخوان" كخطوة أولى.
إن السفر المتواصل، والتفاعل مع الغرب بلا خلفية إسلامية، وتحت وطأة قهر النظام البائد، قد أوجد نموذجًا غريبًّا على الهوية المصرية تلمحه فى شكل الشَعر ومظاهر الاختلاط غير المتحفظ، وفى طريقة الملابس، ثم في إسقاط مفردات الآداب واللياقة المتعارف عليها إسلاميًا ومصريًا، والانتقال إلى منظومة غير مبالية بقيم المجتمع، ومشجعة لعالم جديد من القيم هي في النهاية قيم الغرب، لكنهم يُلبسونها ثوب الثورية والرغبة في التغيير.
ثم إن استيراد نماذج (السخرية) و(الحط من شأن الآخر) الذي يختلفون معه فهو أيضًا سلوك غربي لا أخلاقي أثبت فاعلية كبيرة في مواجهة الخصوم عندهم.. كل هذا ونحن لا نبحث هنا قضية (التمويل) و(العمالة للغرب)، فهذا مكانه بحث آخر لكن ما يشغلنا هو اﻹشارة إلى محاولة (تجذير) واقع علماني غربي شديد التطرف والمناوأة للمنهج الإسلامي باعتداله المصري المعروف.
وهم- في الغرب- قد جربوا العلمانية المعتدلة على مدار التاريخ المصري فوجدوها فاشلة، والآن نحن في مرحلة تدشين (علمانية متطرفة) ومتصادمة شكلاً وموضوعًا، قولاً وفعلاً، سياسة واقتصادًا، أشخاصًا ومناهج ويصنعون هذا عبر الحركة الشبابية.
وبالطبع فعلينا أن نتوقع (خطوة تنظيم) ليسهل تقديم هذا النموذج؛ وذلك بأن يتم تقديم "المتطرف العلمانى" الجديد باعتباره (الثورى النقي) الممثل لأحلام رجل الشارع؛ ليمكن تقبله في فترة انعدام التوازن التي يعيشها وطن يتحول من منظومة إلى منظومة أخرى.
إذًا الحادث على الأرض ليس معارضة فى سياق ديمقراطي، ولا ممارسات ثورية في مواجهة نظام سلطوى، ولا تناقص مصالح بين نظام بائد ونظام جديد.
إنها بكل تأكيد معركة بين نظام شرعي يحمل كل ملامح النجاح والتبشير بالمشروع الإسلامي فيى مواجهة نظام عالمي يريد عرقلة هذا المشروع وإخضاعه ﻷفكاره ومصالحه، أو حرفه عن مساره، أو حرقه قبل نجاحه.
جدير بالذكر أن أبحاثًا أخرى ترى أن كل هذه العقبات المصنوعة أمام المد اﻹسلامي هي محاولات يائسة من الغرب والأمريكان، وأن المنظومة الجديدة تسير واثقة الخطى، وتنصح الغرب بأن يتقبل الواقع ويبدأ بالتعامل معه بدلا من الدخول في معركة سهدد مصالحه، وستوقظ الشعوب اﻹسلامية وتوجهها نحو الالتفاف حول منهجها وقيادتها الجديدة المتمثلة في اﻹسلام المعتدل في كل دولة (كما صرح هتنجتون مثلاً)… ولاحقًا سنتعرض لهذه الأبحاث إن شاء الله.