(الذين قال لهم الناس إنَّ الناسَ قدْ جمعوا لكم فاخشوهم).. هذه الصورة من حوار مفعم بالإثارة والتمايز والتضاد مجموعة من البشر المسالمين، في معركة أمس، معركة عظيمة مؤلمة موجعة, مات فيها سبعون صحابي على رأسهم حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم, ومصعب الخير, وأُصيب قائدهم محمد صلى الله عليه وسلم.

 

وبلغ بهم ما بلغ حتى تكلمت جراحهم,,

وبلغ بهم ما بلغ حتى تأوهت أجسادهم,

وأخذت تأنُّ من ثقلة الموقف,,

أجساد أضناها السهر وأحرقتها حرارة الشمس، وكان بعضهم لا يستطيع أن يسير فيعتمد على أخيه، وجحافل الأعداء الجرارة أبو سفيان وخالد بن الوليد وعمروبن العاص وعكرمة أسود ضارية متعطشة للدماء، بل مفجوعة بأكل الأكباد كما فعلت هند بحمزة, استراحوا وشربوا وغنوا ورقصوا، ولما مرَّت عليهم قافلة قال أبو سفيان قولوا للناس: سنأتي ونقضي عليهم فقد جاءنا مدد كثير وعتاد أكثر.

 

وهو يعلم أن ظهور المسلمين مكشوفة واليهود خانوه، وجوقة المنافقين تُشنع عليه بعدما تخلَّت عنه.. أطلقوها مع الركب وتقاذفات أصدائها رياح الصحراء القاسية.. (إنَّ الناسَ قد جمعوا لكم فاخشوهم).

 

لكنها اصطدمت بكتلةٍ صلبة من التربية الإيمانية الجبارة؛ تربية عملاقه واثقة مدهشة تعهدها وحرسها وسهر من أجلها المعلم الأول.. أناس تعرفوا على خالقهم وأنه حبيبهم وأنه لن يتخلى عنهم مهما كانت جراحهم مؤلمة، ومهما كانت أجسادهم مهدودة، ومهما كانت عظامهم تأنُّ وتصرخ.. فانقلبت هذه الرياح القاسية إلى نسائم رحمته فهبت على جباههم المكدودة فدبَّت فيها الحياة.. وداعبت خصلات شعرهم المخلوطة بالتراب والدماء فتولدت في أوصالهم طاقة الجهد و تحدي السنين..

 

ومست قلوبهم المكلومة بفقدان أعز الناس فتولدت فيوضات محبته والأنس به والرضا بقضاءه فانبعثت في قلوبهم جذوة الشوق و الانطلاق الي آفاق العزة والانتماء لله الكريم الحنان، وقبل أن ينطق اللسان نطقت جوارهم

 

حسبنا حبيبنا الله

هو حسبنا فقد عرفناه في كل حادثة ورأيناه في كل شيء

عرفناه في مكة وقت العذاب والقتل والمطاردة ..

عرفناه في الشعاب وقت الحصار والجوع و العطش..

عرفناه في الهجرة وسراقة يقتفي أثرنا..

وعرفناه وعرفناه قبلا وابراهيم يلقي في النار

والبحر ينصاع لموسي ..

والحوت يلتقم يونس ..

عرفنا ربا حبيبا رحيما لن يضيعنا

فاذدادوا يمانا وحبا وأمتلأت قلوبها ثقة ويقينا..

واحسوا بنعمة الله عليهم وبفضله وانهم اختياره وستار قدرته الماضية الي حيث شرعهو منهاجه و عدله ورحمته ستنال البلاد والعباد من جديد.