هناك رأي يقول إن المولى سبحانه خلق نهر النيل ليندفع إلى الشمال ولا يستطيع أحد إعاقة ذلك، فالقرآن الكريم يؤكد أن مصر محفوظة ومؤمنه تاريخيًّا, وزير الخارجية الإثيوبي أكد ذلك ردًا على مخاوف المصريين من سد النهضة، يقال إن إثيوبيا تريد الكهرباء ومصر تريد الماء ولا يوجد تصادم جذري بحيث يمكن حل الأزمة مثل أي أزمة. ورغم عدم ثقتي في الحكومة الإثيوبية التي تتصرف بخبث ومكر واضحين تجاه مصر؛ حيث قامت بالإعلان عن البدء في تحويل مجرى النيل بعد ساعات من مغادرة الرئيس مرسي إثيوبيا، فإنني أعتقد تمامًا في أن إرادة الله شاءت أن تجري المياه (التي جعلها الله سببًا لكل شيء حي) متجهة لمصر بما يكفي احتياجاتها.

 

إلا أن هذا لا يجعلنا نعتبر الأزمة مثل غيرها، خاصة أن التاريخ يؤكد أن حكام مصر منذ الفراعنة اهتموا بالنيل لدرجة التقديس، الملكة حتشبسوت أرسلت الجيش حتى وصل الصومال والحبشة لتأمين منابع النيل، في العصر الحديث جلس محمد على باشا على عرش مصر وسأل المحيطين به: من أين يأتي النيل؟ فقالوا إنه ينبع من هضبة الحبشة، فأرسل الجيش بقيادة ابنه إبراهيم لتأمين المنابع، وأصر الخديو إسماعيل على أن تكون حدود مصر النهائية عند منابع النيل، وضم موانئ مصوع وزيلع وبربرة، وأصبحت الحدود المصرية تنتهي عند الصومال وتضم أجزاءً كبيرة من إثيوبيا ودولة إريتريا الحالية.

 

وهناك رأي, ونحن معه مع قناعتنا بالرأي الأول, يشير إلى أن السيطرة على المياه في العالم الثالث تمثل هدفًا إستراتيجيًّا للغرب لتحويل المياه إلى سلعة ضمن اتفاقيات دولية تتم هندستها بتمويل إنشاء سدود لإعادة توزيع حصص المياه, يعني خصخصة المياه وإنهاء سيادة هذه الدول على الأنهار ونتذكر هنا بالونات اختبار منذ سنوات عندما تم تركيب عدادات مياه على الترع بالريف المصري لبيع المياه فقام الفلاحون بتحطيم العدادات لإفشال المؤامرة.

 

نحن لا نطالب الرئيس والجيش بإعادة حدودنا إلى ما كانت عليه، ولا نطالب بإعلان الحرب على إثيوبيا، ولكننا نطالب بعدم التفريط في نقطة واحدة من مياه النيل وإلا سيتمادى الطرف الآخر في سلب حقوقنا المائية مثل ما حدث من تركيا تجاه مياه سوريا والعراق,لا بد من تهديد كل من يحاول العبث بمياه النيل بأنه سيتم ضرب سد النهضة كحل اضطراري أخير وكعبرة لمن يعتبر، نؤيد توجه مصر الحالي بالتفاوض مع إثيوبيا للحفاظ على الحقوق التاريخية في مياه النهر، أما لو فشلت كل الجهود السلمية "لا قدر الله"، فأمامنا خطوات تدريجية بداية من التهديد بالدعم العسكري للمعارضة الإثيوبية، وكذلك إرتريا في صراعها مع إثيوبيا وأخيرًا لا يصبح أمامنا سوى الوقوف وراء جيشنا في القيام بتوجيه ضربة جوية لتدمير السدود التي تهدد حصتنا في المياه.

 

أما من يدعمون إثيوبيا ويخططون لإلحاق الأذى بمصر وشعبها، فأشير إلى ما ذكره عدد من الخبراء السياسيين والعسكريين من أن مصر يمكنها أن تجعل أمريكا وإسرائيل يعيدون حساباتهم تمامًا، من خلال استخدام ورقة واحدة فقط، وهى ورقة تسليح حركة حماس وإزالة القيود المفروضة عليها في ضرب ومهاجمة إسرائيل في العمق، بل إن مصر بإمكانها أن تناور بورقة إيران التي تعمل لها أمريكا ألف حساب, مصر لديها الكثير من الأوراق التي يمكنها أن تجعل أعداءها يفكرون ألف مرة قبل إلحاق الأذى بها لكن بشرط أن تتماسك القوى السياسية والاجتماعية جميعًا وراء الجيش في إطار رؤية وطنية تتعالى على الانقسامات السياسية الداخلية بهدف الدفاع عن أهم عناصر قوة مصر وهو نهر النيل, هذا النهر لا هو إخواني ولا علماني ولا إسلامي ولا نصراني ولا ليبرالي ولا غير ذلك, نهر النيل مصري وطني تاريخي حضاري... كتبت وأكدت كثيرًا أن مصر ليست مثل أي دولة, مصر مستهدفة دائمًا بإعاقتها عن مشروع الاستقلال الوطني.. وأن أي نظام حكم في مصر ليس أمامه إلا خيارين متضادين لا ثالث لهما ولا وسط بينهما: الأول إما الاعتماد على الشعبية الداخلية لمواجهة الاستهداف الغربي والإسرائيلي (المتصادم مع ثقافة وكرامة ومصالح شعوبنا) وإما الاعتماد على الهيمنة الخارجية بالانبطاح لهذا الاستهداف مثلما فعل المخلوع...

 

أزمة نهر النيل ستثبت ذلك وتحدد الخيار بلا لبس.

 

------------------------------------------

 

رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار

 

‎hassanelhaiwan@hotmail.com