قامت ثورة يناير لتصحح الأمور المعوجة ولتستبعد العناصر الفاسدة من حياتنا إلى الأبد مهما كان حجم هذا الفساد صغيرًا أو كبيرًا، وكان لزامًا علينا أن نعي أمور أصحاب الحيل والمتحولين الذي اندمجوا في كل عصر طالما ظلت مصالحهم مستمرة.. كان لا بد أن نعي لمكر هؤلاء الذين تحولوا بسرعة البرق ودخلوا إلى أتون المعركة، ينظِّرون ويدعون الثورية والنضال، واختلقوا تاريخًا من الكذب، أدعوا من خلاله أنهم وقفوا ضد النظام البائد.
صبيحة سقوط مبارك خرج علينا الأستاذ محمد حسنين هيكل لساعات على قناة "دريم" مع الإعلامية دينا عبد الرحمن وتحدث كثيرًا.. ونظَّر وكشف صفحات من فساد النظام البائد، ونظر للمستقبل الواعد، لم يتغير منهجه الذي استخدمه مع العسكر قبل أكثر من ستين عامًا، ووجدها فرصة وظن أنهم بإدارتهم للمرحلة الانتقالية، فأخذ يعيد معهم سيناريو الماضي الذي كان جزء منه.. ثم تحدث هيكل عن عصر مبارك في كتبه "مبارك وزمانه من المنصة وحتى التحرير الإسلامي" منجمًا على صفحات جريدة "الشروق".
خرج علينا الأستاذ هيكل في حواره مع جريدة الأهرام وشن حملة على التيار الإسلامي.. ومن ضمن كلامه: "وعندما يردد بعضهم نفس الذرائع الآن، فإنهم طبقًا لهذا الدستور، فقد كان يجب القبض على 18 مليون مصري نزلوا على شوارع مصر يوم11 فبراير الماضي تحت شعار أن الشعب يريد إسقاط النظام، إسقاط النظام أيضًا مخالفة للدستور، ويستوجب التجريم, فعل الثورة يستوجب مرجعية أخري عن الدستور، يستوجب تفكيرًا جديدًا، ينطلق من عناصر الواقع، ويحاول إعادة تشكيلها وتجديدها، بما يلائم أوضاعًا مختلفة، إما بتنظيم الأمور فهو هناك خطر وباهظ التكاليف، فلا يستطيع أحد أن يفكر في المستقبل، إلا وحقائق الواقع في تقديره!!".
ودعا هيكل إلى تنصيب المشير طنطاوي رئيسًا لمصر بدون انتخابات، حرصًا منه على استمرار الدولة البوليسية الفاشية التي كان جزءًا منها والمنظر الأول لها والكاهن الكبير في معبدها فقال: "ويجب أن نعترف بأن عندنا اليوم غيابًا للدولة لأنه يوجد خلط بين تأسيس شرعية دائمة مؤسسية وهو ما يعني رئاسة جمهورية.. والوضع المؤقت الانتقالي، فلا يوجد شعب يستطيع أن يعيش بلا دولة، وأنا شخصيًّا لا أجد حرجًا وبحكم منطق الأشياء وحقائقها وتقديرًا لما قام به المشير طنطاوي مباشرة في أزمة الانتقال- في تسميته رئيسًا للدولة في هذه المرحلة الانتقالية, إذا رئي أن تكون رئاسة الدولة لمجلس رئاسي فليس من الصعب العثور على عضوين فيه إلى جانب المشير طنطاوي مع استمرار مسئوليته عن وزارة الدفاع وعن المجلس الأعلى للقوات المسلحة والذي يمكن أن يتحول إلى مجلس أعلى للأمن الوطني، وإذا كان بجوار رئاسة الدولة نوع من مجلس أمناء الدولة والدستور على نحو ما أشرت إليه، يشارك في التحضير لانتخابات جمعية تأسيسية، تطرح دستورًا جديدًا, فهذه ضمانة كبرى لسلامة وشرعية فترة الانتقال ذاتها, ولا بد وبلا تردد أن يحدث عنها فصل بين الدولة الحاضرة دائمًا ومن يملأ هيكلها السياسي والدستوري بمعنى أن ضرورات الحياة تحتاج لوجود تنظيم الدولة."
***
مازال الرجل يعمل حسابًا للغرب وهو الذي أخافنا منه مرارًا عندما زعم في حملته الصحفية قبيل حرب أكتوبر بأن الجيش الصهيوني لا يقهر، وقد أثبت الزمن خيبة أمل وتكهنات الرجل الذي لا يتعظ ويعيش في جو الخمسينيات والستينيات، تعود أن لا يحيا إلا في ظل ديكتاتور يكون من ورائه الثروات ففي عز تطبيق الاشتراكية والرجل قد اشترك في صياغة الميثاق، يشترى الرجل بأمواله التي لا أعلم من أين أتى بها عزب أولاد تقلا أصحاب الأهرام مما يعني أنه ورثهم من كل ناحية ورث أرضهم وورث دارهم (الأهرام) وولى الناس إلى بلادهم من حيث أتوا صفر اليدين كما جاؤنا أول مرة... لا تأل عزيري القارئ عما يحدث فهي العجائب والمضحكات التي أنبأنا بها المتنبي قبل 1100 عام؛ حيث قال:
نامت نواطير مصر عن ثعالبها فقد بشمن وما تفنى العناقيد
النواطير: الحراس، والعناقيد هي: (الأموال)، والثعالب هم: اللصوص.
وقال:
وكم ذا بمصر من المضحكات ولكن ضحك كالبكا
وقد انتقده الكثير من المفكرين منهم المفكر الإسلامي الدكتور محمد عباس فقال:
"العبقري المذهل.. الأسطورة محمد حسنين هيكل نزل إلى ساحة المعركة بعد أن عجز صبيانه عن المواجهة فانسحبوا مذلين مهانين.. لأول مرة في حدود وعي وزمن يمتد نصف قرن أجد كاتبًا يكتب ثلاثة موضوعات متتابعة كل موضوع يشغل ثلاث صفحات من صحيفة الأهرام، ولقد وضع هيكل في هذه الصفحات خطة جديدة وجدولاً زمنيًّا جديدًا يلقي في سلة القمامة برأي 77% من الرعاع الذين يشكلون أمة سيادته الكافرة به والتي لم تستنزل وحيه حتى ترى طريقها.
الجدول الزمني لهيكل كامل وشامل وعبقري فيما عدا بضعة أمور، والعتب على أرذل العمر والشيخوخة.
الأمر الأول: من الذي سيقوم بمحاولة اغتيال المشير محمد حسين طنطاوي؟! وهل يتم ذلك في المنشية أيضًا؟ أم في ميدان التحرير؟ وما العمل في أن المشير لا يحب الظهور وأنه لا يعاني هستيريا الاستعراض كهيكل نفسه وكجمال عبد الناصر.
الأمر الثاني: الجدول الزمني كامل وبديع وشامل، لكنه أغفل متى ستحدث النكسة؟ ولم يكن هذا يليق بالكاتب الكبير.
الأمر الثالث : من الذي سيكتب خطاب النكسة بطريقة تحرض الجماهير على الخروج لمطالبة المشير بألا يتنحى؟!
الأمر الرابع : لقد كان فصم السودان عن مصر هو الثمن الذي قدمه هيكل وسيده إلى الغرب كي يوافقوا على أن ينصروا عبد الناصر على محمد نجيب، فما هو الثمن الذي سيقترحه هيكل هذه المرة مقابل ثلاث سنوات من الحكم يتم تمديدها ثلاثين عامًا.
ثم..
ثم أن الكاتب الكبير لم يتطرق بعد إلى ما حدث لدستور 54 الذي انتظروه لعامين والذي ينصحنا الآن أن نصوغ دستورًا مثله؟ لم يقل الكاتب الجهبذ الكبير لنا هل طبقوه أم طبخوا دستورًا غيره.. ولم يخبرنا أيضًا- رغم استعداد الملايين لتكذيب أنفسهم، والتاريخ، وتصديق فخامته، لم يخبرنا: هل سلم البكباشي جمال عبد الناصر الحكم بعد عامين للشعب أم استولى عليه...
على الأقل.. ألا يمتهن ذكاءنا هذا الامتهان كله.. وألا يعيد الخطة القديمة بحذافيرها.. نرجوه ونتوسل إليه.. أن يحفر لنا حفرة جديدة.. حتى إذا ما وقعنا فيها لم نشك في أن قلة إيماننا هي التي أوقعتنا في الحفرة مرتين.
ولعله يستفيض في حديثه عن دستور 1954 فربما نستفيد أكثر من تجربته..
لعله حتى يواجهنا بنصوصه.. لنعلم إن كان هو الدستور الذي اعتمد أم اعتمد غيره.
لكنه يصمت صمت من يداري عورة ويستر عارًا ويتجنب لعنة ويهرب من خزي..
هو يصمت.. لكن اللواء المؤرخ جمال حماد وهو من الضباط الأحرار يتكلم.
فلنقرأ ما كتبه جمال حماد إذن في كتابه- الحكومة الخفية في عهد عبد الناصر- الزهراء لإعلام العربي:
" وفيما يتعلق بالدستور كانت لجنة خاصة قد شكلت بقرار من مجلس الثورة في 13 يناير 1953 لوضع مشروع دستور جديد بعد إلغاء دستور عام 1923 وقد روعي في تشكيل اللجنة التي ضمت 50 عضوا أن يمثل أعضاؤها مختلف الأحزاب والطوائف والهيئات علاوة على أن يكون من بينهم طائفة من جهابذة رجال القانون في مصر، واستمرت هذه اللجنة التي كان يرأسها على ماهر هي ولجانها الفرعية تعمل عملاً دائبًا لمدة عامين كاملين حتى انتهت من إعداد مشروع دستور جديد يتمشى مع أحدث وأفضل الدساتير في العالم وأقرته اللجنة الفرعية للصياغة وأحيل في 17 يناير 1955 إلى رئيس مجلس الوزراء وقتئذ جمال عبد الناصر لاستطلاع رأيه قبل عرضه على اللجنة العامة تمهيدا لإصداره، ولكن عبد الناصر تجاهل هذا الدستور الذي أنفقت لجنة الدستور عامين كاملين في إعداده والتي استرشدت في صياغته بأبرز وأهم النظم الدستورية في العالم واكتفى بأن عهد إلى مستشاره القانوني الخاص محمد فهمي السيد (قريب السيدة قرينته) بوضع دستور آخر بمعاونة المكتب القانوني برئاسة مجلس الوزراء الذي كان يتولى رئاسته. وبعد دراسة استغرقت بضعة أشهر تم إعداد مشروع الدستور الجديد الذي عرض على مجلس الثورة وعلى مجلس الوزراء في أيام 10 و 11 و 13 يناير وبعد التصديق عليه صدر الدستور الجديد في 16 يناير عام 1956 أي في نهاية السنوات الثلاث التي حددت من قبل كفترة انتقال لإقامة حكم ديمقراطي سليم. ودعا الشعب إلى استفتاء عام في 25 يونيو 1956 على الدستور الجديد وعلى رئاسة الجمهورية وقد حصل عبد الناصر في الاستفتاء على رئاسة الجمهورية على 99.9% وهي نسبة لم يسبق لها مثيل من قبل في تاريخ الاستفتاءات في العالم كما كانت نتيجة الاستفتاء على الدستور هي 99.8% في صف الموافقين عليه."
وثيقة خطيرة
وإذا كان الأستاذ هيكل من هواة التوثيق والوثائق فإنه يمكن أن يضيف إلى أرشيفه المنظم هذه الوثيقة التاريخية؛ حيث إن سفير أمريكا السابق في مصر قد كشف وثيقة رسمية خطيرة؛ حيث تقول هذه الوثيقة التي نشرها الأستاذ محسن محمد رئيس تحرير "الجمهورية" على صفحات جريدته، وهي واحدة من الوثائق الأمريكية الرسمية المحفوظة بدار الأرشيف الوطني في واشنطن، وأنها جزء من تقرير سرى بعث به السفير الأمريكي في مصر إلى "دين أتشيسون" وزير الخارجية عن الأوضاع السياسية المصرية في الفترة من 28ديسمبر1948، وحتى 2يناير 1950، وكان هيكل وقتها يعمل محررًا في مجلة "آخر ساعة"، وتقول بعض كلماتها: "إن محمد حسنين هيكل كان يقدم المعلومات إلى السفارة الأمريكية في مصر عن أسرار السياسة المصرية ".. فقد كان ينقل ما يحدث بين الأحزاب السياسة في هذه الفترة الراهنة بعد حرب 1948 وكانت الدول حريصة على تتبع الوضع بمصر لأن بتحركها وموقفها يهيج الشعوب العربية فلجأت إلى ضعاف القلوب الذين لا تغريهم إلا الدولارات الخضراء التي تذهب العقول والألباب... كان الغرب والشرق يهمه أن تثبت قواعد الدولة الجديدة الكيان الصهيوني لتفرق شمل العرب العدو التاريخي للغرب الصليبي.
حوار بين هيكل وخروشوف
هل كان هيكل عميلاً للمخابرات المركزية الأمريكية؟
وقد ذكرت مجلة "الحوادث" اللبنانية هذا الحوار الذي دار بين هيكل ورئيس الاتحاد السوفيتي "نيكتا خروشوف"، ونقله محمود فوزي في كتابه عن هيكل، وكان هيكل يرافق جمال عبد الناصر في زيارته لروسيا، وبادره خروشوف قائلا:
ألم تزر الولايات المتحدة من قبل كصحفي؟!! ....
فرد عليه هيكل: لا.. لم تسمح الظروف بذلك من قبل....
فقال له خروشوف: إن لم تخني الذاكرة أعتقد أنك سافرت من قبل إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
فقال له هيكل: إنني لم أزر أمريكا نفسها ولكنها رحلة صحفية إلى مبنى الأمم المتحدة في نيويورك...
فقال له خروشوف بخبث: الآن فقط تذكرت ويومها انتهزت الفرصة وقمت بجولة حول الأمم المتحدة في أمريكا.
فقال له هيكل: نعم...
فقال له خروشوف: وإذا لم تخني الذاكرة فإن هناك مبلغًا محترمًا كان في انتظارك.
فقال له هيكل: هذا لم يحدث مطلقًا.
فرد عليه خروشوف: ولكن المبلغ الذي صرف لك كان بشيك رقم كذا على بنك كذا والمبلغ بالتحديد هو كذا.
فقال له هيكل: إنك بالتحديد تعني المبلغ الذي تقاضيته مقابل المقالات التي أرسلتها إلى جريدة "نيويورك تايمز"، و"واشنطن بوست" حين كنت مراسلا لأخبار اليوم في كوريا.
فقال له خرشوف ألا ترى أن الوقت كان بعيدًا بين الموضوع وتوقيت النشر، وأن المبلغ الذي حصلت عليه كان مبالغًا فيه جدًا.. فلا يعقل أن تقبض مائة ألف دولار على هذه المقالات؟!
فقال له هيكل: لا اعتقد ذلك..
فرد عليه خروشوف ولكن لم تخني الذاكرة فإن الذي صرف الشيك هو المخابرات الأمريكية!! وليس الصحف التي نشرت المقالات!!..
فقال له هيكل: ماذا تعني بهذا الكلام؟
فرد عليه خروشوف: أعنى ما أعنيه وما هو أكثر مما سمعته أذناك..
فبهت هيكل من مواجهات خروشوف لأنه يملك الدليل الدامغ فهو يستند إلى جهاز مخابرات قوي يرصد فيه خطوات العملاء الذين يزيفون وعي الشعوب، وعلى الفور غادر موسكو في نفس اليوم تاركًا عبد الناصر خلفه لأنه لا يريد فضح المستور أكثر من ذلك.
ويدعم هذا الموضوع سيار الجميل- أستاذ التاريخ في جامعة الموصل وفي الجامعات الأردنية والإماراتية فيذكر أدلة أخرى فقال: "في الأرشيف قضايا كثيرة لهيكل لو استخدمت استخدامًا عاديًّا فستصيب مقتلا منه.. ذلك أن جملة كبيرة من الوثائق تتضمن معلومات خطيرة عنه، وأن هناك مادة أرشيفية هائلة يمكن أن تستخدم ضد هيكل بسهولة تامة. وأن الأشخاص الذين اتهمهم هيكل كونهم من الحاقدين عليه والحاسدين له، ويعتقد الباحثون الأكاديميون بأن كلامًا قاله كل من: محمد نجيب ومايلز كوبلاند وخروتشوف.. لم يصدر كونهم حقدوا عليه أو حسدوه، فلقد اتهمه الرئيس محمد نجيب بالخيانة لحساب دولة أجنبية.(كتابه: كلمتي للتاريخ).. كما أتهمه مايلز كوبلاند بالعمالة المخلصة".
كما أوضح مخاريه الكاتب الإسلامي الكبير محمد جلال كشك، في كتابه "حبال على الرمال" وكتابه، "هيكل يزور التاريخ لحساب الملك حسين"؛ حيث ذكر المؤلف أن هيكل قد جندته المخابرات الأمريكية منذ بداية الخمسينيات، ولم يقاضيه هيكل على اتهاماته رغم أن قضايا التعويض في الغرب (حيث كان يقيم المرحوم جلال كشك) يمكن أن تخلف ثروة، وعلى الرغم من سعة اتصالات هيكل في الخارج، فلم يفكر أبدا في رفع قضية، نفس الموقف الذي اتخذه مع "مايلز كوبلاند".
ويتساءل الدكتور محمد عباس ويعدد مخازي هيكل: "كيف نسيت موقف هيكل المؤيد لتقسيم السودان منذ عام 1949؟
وكيف نسيت إعجابه بواحد من أوسخ رجال النخبة التي صاغها الاستعمار هو سلامة موسى؟..
وكيف نسيت نصرته للصليبي التبشيري لويس عوض ضد العلامة الشامخ محمود شاكر؟.. كيف نسيت- ونسينا- موقفه الرافض لوجود دور للإسلام؟
كيف نسيت.. ولماذا اندهشت كل هذه الدهشة عندما رأيته يمتهن الأمة والدستور ورأي الشعب في استفتاء 19 مارس، لو أنه قال إني أحتقركم جميعا لأنكم شعب متخلف والدستور لا يجدي معكم لاحترمت حقه في التعبير عن رأيه، لكنه تصرف كالنصاب الذي جاء يعلمنا الأمانة، وكالكذاب الذي جاء يعلمنا الصدق، ثم لا تنسوا أن هيكل ليس شاهدًا.. إنما هو شريك في الجريمة التي مازلنا نعاني آثارها إلى اليوم.. والشاهد يقول الحقيقة.. أما الشريك فإنه يخفيها. أهـ )كلام الدكتور محمد عباس( …
***
قصة اشتراكه مراسلا حربيًّا في حرب كوريا
وكان هيكل يعتمد على التهويل خلال رحلته الصحفية، فقد عشنا في ظل دولته الصحفية التي كان يدعى أنه يعرف كل صغيرة وكبيرة ويقف خلف الزعيم القومي راعي القومية العربية والانتصارات الوهمية وظل الشعب يمشي وراء صحافته حتى استيقظوا على الحقيقة المفجعة في يونيو 1967م .. ادعى أنه ذهب إلى كوريا لتغطية حربها في بداية الخمسينيات والحقيقة التي كشف عنها مصطفى أمين أن السفارة الأمريكية بالقاهرة دعت الصحف المصرية إلى أن ترسل مندوبًا عنها لرحلة إلى أمريكا.. فاختار مصطفى أمين هيكل مندوبًا عن أخبار اليوم، وحيث إن المحررين من الصحف المنافسة كانوا مسافرين من مصر إلى أمريكا عن طريق "نيوريورك"، فأقترح مصطفى أمين بأن تكون أخبار اليوم مختلفة عن الصحف الأخرى بالسفر عن طريق المحيط الهادي بدلا من المحيط الأطلنطي، وينزل هيكل سان فرانسيسكو، فأقتضى الأمر أن يسافر هيكل عن طريق طوكيو، ونزلت الطائرة سيول، وظل هيكل بها لمدة يوم واحدة، ثم نقل إلى طوكيو واستأنف السفر وإذ به يقول: "أنا ذاهب إلى كوريا وقمت بتغطية الحرب الكورية" وكوريا لم يبق بها إلا أقل من يوم "ترانزيت".
وخلف من بعده خلف كان هو قدوتهم في كل تصرف، فهو يأخذ الأموال من الأنظمة المستبدة ويثرى في ظلها ولا يقوى أن يصدع بقول الحق، فهو الذي زين للطغاة بالاستبداد في الأرض والجرأة في إصدار القرارات الموتورة..هو الذي شيد القصور واقتنى السيارات الفارهة والمزارع والعزب نظير تسخير قلمه للدفاع عن هؤلاء وهزائمهم المرة وإيجاد أسباب تخدر الشعوب.
ويذكر الدكتور أحمد شلبي أن هيكل كان يدفع الملايين لصحف لبنان وباريس ولندن نظير التحدث عن الزعيم الملهم صاحب الانجازات الذي يمر على الصحراء فتخضر.. كان من أشد المعجبين الصحفي إياه الذلى كان يأخذ الملايين من صدام والقذافي وبشار هؤلاء الجزارين الذي مازال يشيد بهم، وكان يدعي معارضة النظام السابق وبالرجوع إلى كتبه ومقالاته التي كانت تمدح سوزان وجمال وعلاء والفرعون الكبير كان يمثل الوطنية في أرفع أدوارها، والآن يحارب من أجل تثبيت دعائم الحكم البوليسي الديكتاتوري لأنهم لا يريدون الاحتكام لرأي الشعب الذي هو كالبحر يلفظ من جوفه كل جيفة نتنة، كان الصحفي إياه وريث هيكل في العصر المباركي وأسالوا صفوت الشريف فمبدؤه هو نفس مبدأ هيكل "من يتزوج السلطة أقول له ياعمي"، فهيكل كان إمام المتحولين فقد مدح مبارك في أوج سلطته ولم يؤثر أن عارضه في أمر خطير بل عاش عيشة الملوك، وهيكل بطبعه متكبرًا لا يتأقلم مع العامة والبسطاء، ففي أثناء اعتقاله في أحداث سبتمبر 1981، كان معه الوزراء وزعماء الأحزاب ..كان هؤلاء في غاية التواضع.. أما هو فرفض الاندماج معهم، اندمج فؤاد سراج الدين وفتحي رضوان وعمر التلمساني، أما هو فانزوى وكان يصله طعامه الخاص من الخارج باستمرار.
وينظر هيكل إلى الغرب دومًا نظرة دونية تغلفها العبودية والانحناء له وكان يخيف المصريين باستمرار من بعبع الأعداء فهو يفزع المصريين من الصهاينة قبيل حرب أكتوبر، وهو صاحب المصطلح "جيس إسرائيل الذي لا يقهر"، فعل هذا ليشيع روح الهزيمة، ويؤكد أن اختراق المصريين لخط بارليف سيكون مستحيلاً، وكان الضباط والجنود في ذلك الوقت يمزقون صحيفة الأهرام، ولم يكن غريبًا وهو يكتب بعد عن الثغرة بمثل ما كتبت عنها الصحف الأمريكية، بل إنه نشر رسمًا للثغرة، وهو نفس الرسم الذي نشرته صحيفة "النيوزويك" الأمريكية بانحيازها للصهاينة. ويخرج علينا منذ أيام بعد اختيار الشعب للتيار الإسلامي بعد أن سئم من التيار العلماني المؤيد دوما للاستبداد والقهر في الماضي وكان يغنى له وبيطبل ويزمر(اخترناك .. ياجمال يا حبيب الملايين.. حنحارب) فيقف يدلى بشهادته ويهمش من رأى الشعب، لم يغير وجهة نظره التي كان يطبقها جمال.
مزاعم هيكل حول ملكية قناة السويس
الدكتور علي الغتيت يكشف المستور
نسينا الضربة الهائلة التي وجهها الفقيه القانوني الدكتور على الغتيت إلى محمد حسنين هيكل وقناة الجزيرة أصابتني أنا بالدوار فهل شعرا بها؟! لقد قتل الدكتور الغتيت محمد حسنين هيكل.. وفجر قناة الجزيرة..ولقد نقل موقع صوت المقاومة للأستاذ صلاح بديوي ما نشرته صحيفة المسائية عن تصريحات خطيرة للدكتور على الغتيت، وهو من كبار أساطين القانون و حجة عالمية في القانون الدولي وعضو المجلس الرئاسي للاتحاد الدولي للمحامين، وهو قيمة وطنية كبرى وعقل منهجي جبار، عزوف عن الشهرة بعيد عن الأضواء إلا إذا اضطر مثلما حدث عندما كان هو المحامي العربي الوحيد الذي تطوع للدفاع عن الفيلسوف الفرنسي المسلم رجاء جارودي.. إن النص من الخطورة بحيث لا يجدي اختصاره أو الاستشهاد بفقرات منه.. إنه حكم بالإعدام لابد من قراءته كله.. ذلك أن القارئ هو المكلف بتنفيذ حكم الإعدام عندما قال بالنص: "فوجئت وغيري كثيرون بما أعلنه الأستاذ محمد حسنين هيكل في قناة "الجزيرة" طيلة فبراير الماضي عن أن مصر أممت شركة قناة السويس فقط، أما المرفق نفسه فيخضع لاتفاقية القسطنطينية، وهو كلام بالغ الخطورة لأنه يمس السيادة المصرية في الصميم، فالمرفق متواجد في ثلاث محافظات مصرية وهذا الكلام مضمونه الإلغاء العملي لتأميم قناة السويس، كحق مصري أصيل، خاصة وأن خطورة هذا الكلام تتزايد عندما نعلم أن هناك مؤامرة دولية تجري الآن في الظلام، وتستهدف قناة السويس كهدف استعماري أصيل وكجزء من الحملة التي تستهدف استعادة النفوذ الاستعماري القديم في المستعمرات السابقة ويكفي أن نعلم أنه تم تكوين شركة في باريس من أحفاد فرديناند دي ليسبس تستهدف استعادة قناة السويس من المصريين أصحاب القناة والبلد والمؤسف أن لهذه الشركة وكلاء مصريين في القاهرة يعملون لحسابها علنا، ويؤسفني أن أقول أن ما ادعاه الأستاذ هيكل في قناة "الجزيرة" عار من الصحة ويفتح الطريق لعودة قناة السويس للأجانب.
وللعلم فقد أثارني ما أعلنه هيكل على مدار أربع حلقات في الجزيرة طيلة فبراير من تشكيك في أحقية مصر في قناة السويس ودفعني ذلك إلى إرسال خطاب رسمي إلى وضاح خنفر مدير عام قناة الجزيرة بتاريخ 12 مارس 2008، وأطالبه بعرض الرأي الآخر وإتاحة الفرصة لي للرد تليفزيونيا على هيكل من نفس المنبر، خاصة وأن كلام هيكل شكل تشويشًا خطيرًا على السيادة المصرية على قناة السويس وطالبت قناة الجزيرة بإتاحة الفرصة لي لتوضيح الوضع القانوني الصحيح لقناة السويس بعد تشويش هيكل، لكن لم أتلق ردًا من قناة "الجزيرة" مما دفعني لإرسال خطاب آخر إلى وضاح خنفر أيضًا بتاريخ 27 مارس الماضي أطالبه للمرة الثانية بإتاحة الفرصة للرد على مزاعم هيكل دون فائدة؛ مما جعلني أتيقن من أن «الجزيرة» تلعب دورًا في مخطط التشويه والتشويش على مصر في قضية قناة السويس، خاصة وأنه تشويش يفتقر للحقائق القانونية الدولية المحسوم جوهرها وشكلها منذ أكثر من 120 عامًا.
ورغم ذلك رفضت الجزيرة إتاحة الفرصة للدفاع المصري، ومن جانبي أرسلت خطابًا شخصيًا إلى الأستاذ محمد حسنين هيكل بتاريخ 18 فبراير 2008 أكدت فيه حق مصر التاريخي والقانوني في قناة السويس شركة ومرفق وأن اتفاقية القسطنطينية لا تتضمن سوي ضمان مصر لحرية الملاحة لأي دولة في قناة السويس؛ طالما أن هذه الدولة ليست في حالة حرب مع مصر؛ أما خلاف ذلك فليس هناك أي التزامات على مصر ومما يؤسفني أن مزاعم الأستاذ هيكل تأتي في وقت تتعاظم فيه مؤامرات دولية مهددة لمصر ومشروعات صهيونية بحرية مهددة لمصر في قناة السويس وسيناء وبأحداث وشيكة في لبنان وفلسطين وسوريا؛ فضلاً عن أن هذا الكلام يعد استدعاء غريبًا لمعركة استعمارية بين انجلترا والدول الاستعمارية ألمانيا وفرنسا وروسيا والنمسا بعد الاحتلال البريطاني لمصر مباشرة خلال الفترة من 1882 إلى 1888 عمومًا المعركة مستمرة ولن نسمح بتنفيذ مخططات شركة أحفاد ديليسبس".
وهكذا صمتت صحافة مسيلمة الكذاب على مزاعم هيكل المثبتة صوت وصورة وشهد عليها ملايين الناس في الشرق والغرب في قناة الجزيرة، كما سكتت على جرائم نجليه الذين أضروا بالاقتصاد الوطني، بينما اخترعوا الأكاذيب حول الرئيس مرسى ونظامه وادعوا أنه يريد رهنها وبيعها لقطر وهذا مما لم يقم عليه دليل وقد نفاه الرئيس مرارًا أثناء حملته الانتخابية وبعد وصوله للحكم في كل أحاديثه وخطبه وآخرها حواره مع الإعلامي عمرو الليثي يوم 24/2/2013.
***
يشنع على النظام الديمقراطي الحالي وينسى مآس شارك في صنعها:
لم يجد الأستاذ هيكل سوى الإعلامية لميس الحديدي ليبثها أحزانه وهمومه حول الوضع الراهن في مصر، ويتباكى على الأمجاد التي حققتها مصر عندما كان يشير على الطاغوت بقتل معارضيه، وكان يشهد تعذيبهم هو والكتاب الناصريين عبيد البيادة، لم نستغرب من الرجل المناداة بالمشير طنطاوي رئيسًا لمدة ثلاثة سنوات ..هم باختصار يكرهون الديمقراطية ويكرهون الصندوق ويكرهون إرادة الشعب، يفضلون أن يعيشون مع حاكم يقصى حكم الشعب ويقصى الفصائل ويجعلهم هم وحدهم في الصدارة ويخلع عليهم الألقاب والجوائز والمناصب ويتغاضى عن تجاوزاتهم.
وليجيب على عاقل من أين أتى الناصريون الذين يدعون إلى العدالة الاجتماعية وتحديد الملكية والتأميم والاشتراكية، بهذه الثروات الضخمة في أوقات قليلة؟ علمًا بأن معظمهم من أسر فقيرة، كانت لا تملك سهمًا من الأراضي وعلى رأس هؤلاء هيكل نفسه، الذي بدأ من الصفر ويمتلك اليوم العزب والقصور والسيارات الفارهة والشقق على النيل يبلغ مساحتها آلاف الأمتار؟! من أين أتى تلميذه الأثير حمدين صباحي بثروته ومن أين أتى بمصروفات دعايته لانتخابات الرئاسة التي رسب فيها والتي تكلفت عشرة ملايين جنيه؟ ... وهذا الأمر ينطبق على مصطفى بكرى الذي جاء من بلدته وهو تحت خط الفقر، وما هي إلا سنوات إلا وامتلك القصور وصحيفة في وسط البلد، والقائمة طويلة من الاشتراكيين الرأسماليين منهم: إبراهيم عيسى، وسامح عاشور، وتهاني الحبالى، ورفعت السعيد، وإبراهيم عبد المجيد، ووائل الإبراشي ومحمود سعد وغيره ...
وسوف يصاب القارئ بالفزع عندما يعرف فساد أولاده وشراكتهم لأولاد مبارك الذي طغى في البلاد وأكثر فيها الفساد وكسبهم المليارات، ثم انتهى بهم المطاف إلى محكمة الجنايات.
وطبعًا لا يتبرأ هيكل من دوره في النكسة التي ألمت بالبلاد والعباد، والذي زين للطاغوت سوء عمله وجعله يعيث في الأرض فسادا يبدد أموال مصر على نزواته ونرجسيته البغيضة، وبطولاته الوهمية في محاربة الاستعمار على حساب القوات المسلحة وأرواح رجالها الذين قتلوا في سيناء، واليمن، والكونغو، والعراق. وكان صلاح جاهين أكثر منه نخوة عندما انسحب من ميدان النفاق، وذهب للبحث عن "زوزو" ونصح المواطنين بأن "يخلو بالهم" منها، مثلما يفعل ابنه الأثير بلال فضل في رحلته بالبحث عن "خالتي فرنسا"...
علماني حتى النخاع
صدم التيار اليساري وخصوصا الناصري منه لصعود التيار الإسلامي وانتخاب الشعب له في كل الجولات، وبما أنهم يمتلكون المنابر الثقافية والإعلامية فأخذوا يشنون حملة ضد هذا التيار الإسلامي، ويستدعي الماضي البغيض، ويؤسس لصراع بين الناصرية والأخوان المسلمين، ويكتب حمدي رزق أحد رجال الرائد موافي بالبنط العريض في مجلة المصور بأن ثورة يوليو باقية ولو كره الأخوان، كأن عبد الناصر عادى الأخوان وحدهم، مع أنه نكل بالأحزاب كلها وسجن رموز الوفد بداية من النحاس، وإبراهيم فرج، وفؤاد سراج الدين وحل عبد الناصر كل الأحزاب.. لم يكن يعادي الأخوان وحدهم فهو تعاون معهم وكان الأخوان الفصيل الوحيد الذي عرف بساعة الصفر لحركة يوليو وتولى الأخوان حماية القاهرة .. وقد تعاون هذا التيار الناصري مع الأخوان ودخلوا البرلمان على قائمة الحرية والعدالة وفاز بعضهم.. صمموا على أن تكون القائمة باسم "حزب الحرية والعدالة"، لمعرفتهم بقوة التيار الإسلامي في الشارع المصري، وما أن وضع هم أقدامهم في المجلس حتى بكروا بحل التحالف الديمقراطي والمشاركة في الهجوم على الأخوان المسلمين بل أن بعضهم سعى في حل البرلمان وحثهم الدائم للمجلس العسكري على إطالة الفترة، وفشل هؤلاء في تحقيق أهدافهم لقلة حيلتهم وذكاء الشعب المصري، فهرعوا إلى كبير كهنة المعبد الناصري هيكل، واستدعوه على عجل كما استدعت ثقيف أحد الحكماء الكبار على نقالة وكان يبلغ من العمر 150 عامًا ليفتيهم في أمرهم، فأشار عليهم بالذهاب إلى حنين، وهناك هزموا شر هزيمة.، ووقع جيشهم بين أسير وجريح وقتيل.
منهم الصحفي محمد الشافعي الذي تولى رئاسة تحرير مجلة الهلال في زمن الأخوان، وحول هذا المنبر العريق إلى بوق لليسار.
ذهب الشافعي إلى أستاذه هيكل ليعيد أمجاد ماضيهم ويشربوا في نخب التيار الإسلامي الذي قال هيكل عنه: "إن تيار الإسلام السياسي في مصر لا يقبل مبدأ الاختلاف فكريًّا.. وهذا ليس الآن فقط؛ حيث إنني أختلف مع المقولة الأساسية للأستاذ حسن البنا، مؤسس الإخوان المسلمين، من أن الإسلام دين ودولة.. وذلك لأن هذه المقولة تحمل كثيرا من التناقض، فالدين ثابت والسياسة نسبية.. والدين يقين واعتقاد.. والسياسة حوار دائم ومستمر.. كما أن الدين له منطقه ومجاله وله فعله بمقدار ما هو ممكن، ولكنه دومًا في القلب.. أما السياسة فقضية أخرى.. لأنها خيارات دنيوية.. وليست أخروية.. وأزمة سيطرة تيار الإسلام السياسي تكمن في غياب (مجال الحوار) فالوعد والتبشير والجنة والنار كلها أشياء لا تمهد لاختيارات سياسية.. لأنها تعبر عن مقادير مكتوبة ومحسومة."
وعندما سأله المحرر هذا السؤال ترى هل مثل هذه الأفكار هي التي جعلت الإخوان المسلمين على مدى أكثر من 80 عامًا لا يقدمون للساحة الثقافية مبدعًا كبيرًا؟
الأستاذ: من المؤكد أن "الإخوان" لا يستطيعون تقديم مبدع كبير، وذلك لأن أي أدب أو فكر أو فن يعني انطلاقة إلى شيء مختلف، ويدعو إلى التجديد وإلى مخالفة الواقع. فعندما تقول لي أن ما صلح به أول الأمة هو الذي سيصلح الأمة الآن، فهذا يعني أنك تدعو إلى التقليد والقولبة مما يعمل بالضرورة على تقييد الفكر والإبداع فهل يستطيع الإخوان إخراج شاعر يقول ما قاله أبو العلاء المعري في قصيدته الشهيرة:
في اللاذقية فتنة ما بين أحمد والمسيح
هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يصيح
كل يعزز دينه يا ليت شعري ما الصحيح؟
طبعًا هذا الكلام لا يرد عليه، لأن الأخوان يؤمنون بمرجعية الإسلام، ولقد ظل الإسلام يحكم مصر والعالم كله إلى ما قبل تسعين عاما ً عندما ألغى أتاتورك الخلافة الإسلامية سنة 1924، وكل ما أبدع كان إسلاميًا في الفكر والأدب، ولقد أحيا خلفاء المسلمين ومفكريهم التراث اليوناني والسرياني بعد أن ظل مطمورًا في السراديب مئات السنين وإذا كان هيكل وصبيه يقصدون الأديب من عينة صنع الله إبراهيم وأفكارهم الصادمة التي تخاصم فكرنا العربي وتمجد الآداب الأخرى على حساب أدبنا القومي... وهناك قمم مدفونون لأن سياسة الرائد موافي والوزير الفنان أقصت كل الفصائل وصدرت الشيوعيون والليبراليون وأغدقوا عليهم الجوائز والمناصب والمزايا، وهل نادي أبوالعلاء الذي استشهد به هيكل بأن الدين أفيون الشعب وخرافة.
بينما أشاد بالماركسيين والعلمانيين وعلى رأسهم "تشي جيفارا" ووصفه بالرمز فقال: "لقد دعونا بالفعل العديد من أصحاب العطاءات الكبيرة ومنهم المناضل الرمز تشي جيفارا، والذي دعوناه لزيارة مصر لمدة أسبوع، ورتبنا له ندوة حاشدة في "الأهرام" حضرها العديد من رموز تيار اليسار إسماعيل صبري عبد الله فؤاد مرسي محمد سيد أحمد.. إلخ، وسجلنا مع جيفارا 17 ساعة، انطلاقًا من ضرورة تكامل الثقافة والسياسة، فالحاكم أو السياسي صاحب الخلفية الثقافية يخلد في ضمير أمته، ومثال على ذلك تشرشل رئيس وزراء إنجلترا الأسبق، فقيمة تشرشل الكبرى في امتلاكه لخلفية ثقافية كبيرة، ومثله ديغول الذي امتلك الخلفية الثقافية وارتبط بمفكر كبير هو أندريه مالرو. فالحاكم المثقف عندما يتولى السلطة يضيف إلى وطنه وإلى الإنسانية كلها، وللأسف الشديد ضاعت - ولا أدري كيف - تسجيلاتنا مع تشي جيفارا، تلك الثروة الهائلة 17 ساعة حوار مع كبار مثقفي مصر - وقد سألت الدكتور عبد الملك عودة، وكان مدير مكتبي ب”الأهرام” وكان مشرفًا على هذه الندوة، وخرج هو الآخر من "الأهرام" من دون أن يعرف أين هذه التسجيلات النادرة - وقد سألت على حمدي الجمال رئيس تحرير "الأهرام" عن هذه التسجيلات فلم يعرف مصيرها ومازالت هذه التسجيلات النادرة والمهمة مفقودة حتى الآن".
اليسار وحده هو المرغوب وهو الذي يطلب ويروج له ويسمح لآله بالظهور، وهذا الفصيل هو الذي زكاه هيكل وسعى في طلبه، أما الزعماء الكبار كمولانا أبو الكلام آزاد، وأبو الحسن الندوي، وبهجة الأثري، والبيطار، وعبد الكريم جرمانوس، وعبد الله كنون، هؤلاء الذين كانوا يحلون على كل الدول ويحتفون بهم إلا في مصر، كان الاحتفاء باليسار وحده.
نرجسية حتى النهاية.. أدوار هيكل المزعومة
يمزج الأستاذ هيكل بين ذاته والموضوع الذي يناقشه ويؤرخ له، وكأن كتبه ومقالاته سلسلة من ذكرياته ومذكراته، ففي كل الأحيان ترى هيكل يتحدث عن موضوع ما، ثم يتركك فجأة ليحكى لك طرفة رآها، ويعدد المشاهير الذين قابلهم، ففي كل العصور الذي عاش فيها، تحس إنك بصدد رواية يكون البطل الوحيد لها هو محمد حسنين هيكل، رأيناه في عصر الملك فاروق يمجد من ذاته، وتحس بأنه أتى بالمعجزات، وتكتشف في النهاية أنها مجرد حواديت معظمها تشك في حدوثه، وفى العصر الناصري يتعامل مع الأيام الأولى لها بأنه هو الذي حضر ترتيباتها وكواليسها وكان مع الأحرار في الأيام الأولى لها.
وقد فند هذا مؤرخ الصحافة الدكتور إبراهيم عبده في كتابه الحجة "تاريخ بلا وثائق" فقال: "كنت جاهلا بمقام هيكل حتى قرأت كتاب فؤاد مطر (بصراحة عن عبد الناصر- حوار مع محمد حسنين هيكل)، وفى الصفحات الأولى من حوار الكاتب مع هيكل خرجت بهذه الحقيقة التي فابتنى، وفاتت على ما أعتقد كل من تعرض لقيام ثورتنا، فإذا زميلنا هيكل، قبيل الثورة بسنوات وشهور، وليلة قيامها، وبعدها بأسابيع مشارك في ترتيباتها وتطوراتها، يفتى بالرأي ويوجه عبد الناصر ويبصره حتى نجحت الثورة وحققت ما رتب له وأفتى به!! وبالطبع لم يذكر هيكل شيئًا كثيرًا عن أدوار زملائه "الضباط" الذين قاموا بهذه الثورة، وقصر معظم إجاباته على البكباشي جمال عبد الناصر (مثلما فعل تلميذه مصطفى بكرى الذي اختصر ثورة يناير في المشير حسين طنطاوي..) الذي تحدث عن صلاته الوثيقة منذ حرب فلسطين، ولم يتحدث عن محمد نجيب إلا ليقلل من شأن دوره في قضية هذه الثورة، وعنده أن اختيار الرجل ليتصدر الحركة لم يتم إلا لأنه كبير السن! أما الأبطال الحقيقيون الذين تحملوا المسئولية وأدوا المهمة وأنجزوا المعجزة كالبكباشي يوسف صديق الذي اعتقل كل الضباط العظام في مجلس قيادة الجيش، والقائمقام أحمد شوقي الذي احتل المراكز الحساسة في القاهرة، مثل هذين البطلين لم يكن لهما نصيب في تلك الليلة العظيمة التي فجر فيها هيكل وزملائه ثورة 23يوليو (وهذا يذكرني بمصطفى بكرى الذي أدعى أنه قاد مظاهرة من أمام مسجد الفتح برمسيس يوم 25 يناير2011، والحقيقة التي شاهدها ملايين الناس أنه كان يتهم بأنه هناك قوات أجنبية في الميدان يرعاها البرادعى، وظل يلمع في مبارك ويشهد بوطنيته حتى رحيله بعدها انقلب عليه.. الواقع يقرر أن الناصرية ذرية بعضها من بعض في التهويل).
وقد فند الدكتور عبده هذه التهاويل فقال: "وهذا هو السر الذي أذاعه هيكل عن نصيبه الموفور في تفجير ثورة يوليو قد شغلني وأنا أحاول دراسة الوثائق القليلة المتصلة بهذا الموضوع، بل حيرني أن يكون المصدر الوحيد لدور هيكل في التحضير والتفجير للثورة هو الأستاذ هيكل وحده، وأن شهوده على كل ما جاء في هذا الموضوع قد ماتوا أو انتحروا!.
أما الشهود الأحياء (زمن تأليف الكتاب 1975) الذين ذكرهم هيكل وهو يتحدث عن نشاطه في تلك الليالي، فإن أحد منهم لم يوثق دعواه، بل أن الرئيس الأسبق محمد نجيب له رأى في هيكل نفسه ذكره في كتابه "كلمتي للتاريخ" وفى أحاديثه مع مجلة الحوادث وغيرها، ينفى أن يكون لهيكل أي نصيب فيما رواه عن نفسه في كتاب مطر المذكور، بل لعل رأى ذلك الرئيس يضع هيكل موضع الاتهام في كثير من الأمور، وينفى نفيًا باتًا صلة هيكل بالثورة ورجالها وفى مقدمتهم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
ثم يستشهد برأي أحد الضباط الأحرار أحمد حمروش، وهو خير من أرخ لأيام الثورة ورجالها فيقول "ولم تتسع حلقة الاتصال بين المسئولين الأمريكيين وبين الضباط الأحرار رغم اعتمادهم– أي الأمريكيين- على الصحفي المقرب منهم محمد حسنين هيكل رئيس تحرير "آخر ساعة" في ذلك الوقت ورئيس تحرير الأهرام فيما بعد، لأنه لم يكن تعرف بجمال عبد الناصر أو غيره من قادة تشكيل الضباط الأحرار حتى ذلك الوقت أو اكتسب ثقتهم".
نفس الأسلوب اتخذه في عصر السادات وفى عصر مبارك الذي ظل يمدحه طوال عصره ولما رحل كتب " مبارك وزمانه من المنصة وحتى التحرير"، ونشره على حلقات في جريدة الشروق ولقد قرأت هذه الحلقات فرأيت هيكل يحشر نفسه في الحلقات ويعلى من ذاته ونرجسيته، ووجدته يتحدث عن نفسه أكثر من مبارك، وكنا ننتظر منه تشريح موضوعي للعصر، بأدلة قوية تحاكمه، بدلًا من التمييع في التحليل والتطويل في سرد أحداث غير ذي جدوى.
ونختم بما قاله الكاتب الصحفي أشرف عبدالشافى في كتابه "البغاء الصحفي" عن هيكل: "الأستاذ في الأربعينيات، كتب ومجد في الملك فاروق الذي ما أن سقط حتى مجد في جمال عبد الناصر، ثم بعدها في السادات الذي نال منه ما أراد ثم قام بإقصائه، وبعد وفاته كتب هيكل "خريف الغضب" الذي أهان فيه السادات كثيرا، وبعد وصول مبارك إلى الحكم رفض الاستعانة به رغم محاولات الأستاذ الكثيرة للوصول إلى عقله وقلبه، وهذا ما تثبته لنا المقالات المحجوبة التي كتبها هيكل في شكل رسائل إلى مبارك يعرض عليه فيها خدماته التي رفضها مبارك.
وفي النهاية نحن لم ننتقص من الأستاذ هيكل.. فله ما له وعليه ما عليه، وإنما هي مجرد وجهة نظر قابلة للصواب والخطأ، فنحن وغيرنا لا نملك الحقيقة المطلقة.