دعاني صديقي للتمرد.
قلت لقد وجدت بُغْيَتك!!!
فأنا يا صديقي أمضيت عمري كله متمردًا.
تمردت على الظلم والطغيان.
تمردت يوم أن كان ثمن التمرد قتلا وسجنًا وتشريدًا.
رفعت رأسي يوم أن خفض الناس رؤوسهم.
رفعت صوتي يوم كمم الناس أفواههم.
هتفت من محبسي:
أخي أنت حر وراء السدود
أخي أنت حر بتلك القيود
أخي ستبيد جيوش الظلام
ويشرق في الكون فجر جديد
أخي إن ذرفت علي الدموع
وبللت قبري بها في خشوع
فأوقد لهم من رفاتي الشموع
وسيروا بها نحو مجد تليد.
أنا ابن مدرسة الشهداء.
أنا من سار على درب الأنبياء.
صرخت في وجه الطغيان: (إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة، يأبى أن يكتب كلمة واحدة يقر بها لحاكم طاغية ).
كسرت صنم الظلم وأنا أصرخ (أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)
كسرت الأصنام وأنا أرسم طريق الحياة الحرة الكريمة.
هكذا علمني إمام مدرستي (قبل أن تهدموا للناس بيوتهم، ابنوا لهم قصورًا)
إمام مدرستي، مات شهيدًا، وترك وحيدًا، ولم يشهد جنازته إلا أهل بيته.
لماذا؟
لأنه تمرد على واقع أمة غافلة غارقة بين جهل أبنائها وكيد أعدائها.
أنا يا صديقي فارس حلبة التمرد ولا فخر.
أنا من وضعت قواعدها: (إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره) .
مضيت في تمردي لم ألق حجرًا، ولم احرق شجرًا.
سامحت من عذبوني، وعفوت عمن ظلموني.
تدعوني اليوم لأتمرد على وطن جريح ؟؟!!!
وطن يلملم جراحات السنين، ويبني ما هدمه الطغاة المجرمين.
كلا يا صديقي:
ليست تلك أخلاق فروسية التمرد التي أعرفها.
أنا اعلنها يا صديقي، أنا الذي رفعت رأسي زمن الظلم والطغيان، أنا اليوم أحني ظهري لمن يبتغي أن يصعد عليه لبناء وطني.
كلا لن أوقع يا صديقي.
فليس هذا مكاني، وإن كان التمرد ملء كياني.