هل يعقل مع هذه الأحداث الفارقة في تاريخ مصر ومع سقوط الشهداء والقتلى والمصابين والهجوم على المساجد وقتل السيدات وإغلاق المسجد الأزهر ومنع أذان العصر به (لأول مرة في التاريخ) واعتقال الرئيس المنتخب المعزول دون أن نعرف عنه شيئًا ودون تهمه رسمية, هل يعقل أن يتزامن مع كل ذلك هذا الكم الهائل من الإسفاف الأخلاقي والتفكك الأسري والاستهزاء بالقيم والمبادئ الدينية الذي نلاحظه بالمسلسلات التليفزيونية عمومًا، بل خصوصًا أثناء شهر رمضان.. لا أعتقد أن هناك مسئولاً أو غيره يوافق على هذا التدمير الممنهج لمقومات المجتمع, لمصلحة من هذه الهجمة على السلام الاجتماعي والأمن القومي؟؟ لم أصدق ما سمعت فحاولت المرور سريعًا على عدة مسلسلات وذهلت من السكوت على هذا الإفساد.
هناك تمويل ضخم للتركيز على شهوات الإنسان خصوصًا والجانب المادي عمومًا.. مع إهمال الجانب الروحي (فلسفة علمانية).. والمعروف أنه لا يمكن الاستثمار بالتمويل في إنتاج هذه المسلسلات إلا بعد التأكد من إقبال الجمهور على مشاهدتها وإلا ستنعدم الإعلانات التجارية (فيما بين هذه المسلسلات) التي تمثل المردود المالي الرئيسي للمنتج المستثمر, سألت فعلمت أنه كان متوقعًا إفلاس هذه المسلسلات هذا العام وبالرغم من ذلك تم إنتاجها بسبب ظاهرة خطيرة وعجيبة وهي عدم توافر أي شخصيات في سوق المسلسلات تمتلك الخبرة لإنتاج وإخراج مسلسلات محترمة هادفة, فهل هناك كارثة أو مهزلة تشبه ذلك؟؟ لقد ترك لنا المخلوع تركة لا يمكن اكتشاف حقيقتها الكارثية إلا على مر الزمن.
أدري أننا في أزمة سياسية شاملة ولكننا نلاحظ أن الطرف الحاكم يحاول إظهار الأمور على أنها شية طبيعية وأننا نستعد لإطلاق قطار العمل والتنمية, فأي تنمية في هذا المناخ الفاسد المفسد في "رمضان", لا بد من الإسراع لعمل مؤتمر عام يجمع بين رموز المفكرين والعلماء والمثقفين الذين ينتمون لهوية الشعب الثقافية لضرورة تحليل الظاهرة بمحاورها المختلفة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية.. ليتم التوصل لتصور يستوعب النتائج السلبية الخطيرة لهذه الممارسات الهابطة.. مع الحفاظ على إطلاق كل إمكانات الإبداع في مجال الفن وخلافه.
فالإبداع في حضارتنا ليس مثل الحضارة الغربية العلمانية.. فليس الإبداع إباحية جنسية وعنفًا ومخدرات وتفككًا أسريًّا وخروجًا على كل القيم المستقرة كما نشاهد الآن في هذه المسلسلات لمجرد استهداف الإبهار والمتعة دون أي محتوى موضوعي إيجابي هادف.
والحقيقة أننا على مدار العقود السابقة لم نر أي إبداع يذكر لا في الفن ولا في معظم المجالات.. بحيث يستحق دفاع العلمانيين عن الحرية المطلقة للإبداع دون التقيد بموروثاتنا الحضارية.
فتعريف الإبداع هو كل الجديد الذي يدعم تقدم وتنمية ونهضة أحوال المجتمع.. وحيث إن المجتمع لا أحد غيره هو الذي يقوم بالنهضة.. فالبديهي هو استحالة حدوث أي نهضة إلا بالتوافق مع هوية وثقافة وقيم المجتمع.. وبما أن الإسلام هو المصدر الأساسي لهويتنا وثقافتنا وبالتالي نؤكد أن شهر رمضان لا يمكن إلا أن يكون مركز تدريب مكثف روحي ومادي على جهاد النفس والمقاومة. فهل هناك شعب أو أمة غير المسلمين المعاصرين حاليًّا تتخذ فترة التدريب فقط في حد ذاتها كهدف من هذا التدريب؟!!.. أم أن البديهي والضروري أن يكون الهدف هو أيضًا فترة ما بعد مركز التدريب.. أي طوال العام؟!!
والعجيب أننا نقع في خطأ وظلم كبيرين عندما نصف شخص ما مسرف على نفسه بأنه ذو شهوة بهيمية (ليتها كذلك).. فذكر البهائم لا يقترب من الأنثى إلا للتخصيب ولا يعاود الاقتراب منها حتى تتم الولادة وتطلب التخصيب مرة أخرى... كما أن البهائم لا تتناول من الطعام والشراب ما يزيد عن الشبع.. في حين أن معظم أمراض الإنسان ناتجة من (المعدة بيت الداء) الإسراف في الطعام والشراب.
لقد ضيعنا ثمرة الصيام وثقافة المقاومة بدليل الارتفاع النسبي لأسعار السلع الغذائية في رمضان.. بسبب زيادة الطلب عليها وهو عكس المطلوب.. وكذلك الارتفاع النسبي لسعر دقيقة الإعلانات بشتى القنوات التليفزيونية نتيجة لزيادة الإقبال على مشاهدتها وهو أيضًا عكس المطلوب.
أي أن المسلم بدون ثقافة المقاومة الرمضانية ليس فقط أثناء رمضان بل طوال العام.. يهبط لما هو دون مستوى الكائنات الأخرى المحرومة من العقل.. وبدون الوعي بالمنهج الإسلامي وصل لظلم البهائم حتى في فهم الطبيعة الفطرية.
رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار