أعتقد أن وظيفة الكاتب الصحفي والإعلامي أن يكون أقرب إلى موقف الشعب منه إلى موقف السلطة، فهذا أدعى لاستقلاليته، ولهذا لم أكن أحب الاقتراب من السلطة أو السلطان في أي مرحلة من حياتي، ولكن قبيل الانقلاب العسكري الدموي بحوالي شهرين أتيحت لي فرصة الاقتراب من بعض مستشاري الرئيس الدكتور محمد مرسي، من الذين يتفرغون لبناء وصياغة المشروع الحضاري لنهضة مصر، وأسعدني كثيرًا أن أرى عن قرب هذه الجهود العلمية والفنية المخلصة والدؤوبة، والتي تتواصل ليل نهار في صمت (وهذه هي المشكلة من الناحية الإعلامية) لإنتاج مشروع حضاري إسلامي مصري يتميز بالأصالة والعلمية والواقعية والإبداع، ويمكن أن يكون نموذجًا يحتذى في بقية البلدان العربية والإسلامية، بل وفي العالم كله.
وفلسفة المشروع الحضاري التي تبناها الخبراء تقوم على أساس المشاركة المجتمعية الطوعية (وليست النخبة وحدها) لبناء النموذج وفق قيم حضارية واضحة، وبدأت الجهود بالفعل تتبلور في غالبية المجالات تقريبًا: في التعليم والثقافة والفن والإعلام والاقتصاد والتجارة والسياحة والعلاقات الدولية والرياضة والعمل الأهلي وغيرها.
وأكثر ما أسعدني أن الرؤية الأساسية التي تقوم عليها فكرة البرنامج الحضاري النهضوي، ليست مبنية على أساس المنع والحصار والتضييق لما هو قائم أو قادم، بل على أساس كيفية النهوض والارتقاء الذاتي المعرفي والوجداني والقيمي والإنساني والحضاري بشكل عام.
لمست في هذه الجهود الرائعة، التي يقوم عليها إناس متخصصون وخبراء مخلصون ووطنيون وصادقون، بعيدًا عن العيون والكاميرات والدعاية، بدأوا منذ أن تسلم الدكتور مرسي مهام الرئاسة، وربما قبلها، أنها تحلم بأمة عربية وإسلامية قوية ومتحضرة وناهضة، تأكل مما تنتج وتزرع، وتلبس مما تصنع، وتحمي قرارها بإرادتها الحرة.
لم يعرف معظم أبناء الشعب أو بالأحرى كله تقريبًا، ما يجري من جهود مخلصة بعيدًا عن الأعين، بل تابع بقلق بالغ ما قدمته له النخبة الفاسدة، عبر وسائل التضليل الإعلامي التي تفسد عليه حياته ليل نهار، مع افتعال وظهور بعض المشكلات والأزمات، حتى يقول الناس "نار الاستبداد والفساد مع الاستقرار، ولا جنة الحرية والديمقراطية مع المشكلات والأزمات!" فازداد الضغط على السلطة الضعيفة، وكثرت الأزمات والمتاعب.
ولأن الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، أدرك خطورة ما يخطط له الرئيس المصري وفريقه الر
ئاسي ومستشاريه على مصالحه في المنطقة، بل وأدرك أن هذا الفريق بدأ في تنفيذ جانب من المشروع بالفعل في المجال الصناعي على سبيل المثال: مشروع تطوير ممر قناة السويس، ومشروع تعمير شبه جزيرة سيناء، وإنشاء مناطق صناعية جديدة في صعيد مصر، وبناء صناعات تكنولوجية متطورة، وتحسين مستوى معيشة الفقراء والمعدمين وغيرها من مشروعات في أقل من عام، رغم كل الظروف الصعبة التي مرت بها مصر في تلك الفترة، إضافة إلى عدد الزيارات الخارجية الناجحة للسيد الرئيس، والاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية التي تم توقيعها.
كل هذا أثار حفيظة الغرب من ظهور ونمو هذا المشروع الحضاري النهضوي الذي يتبناه الرئيس المصري محمد مرسي، وهو ما أشار إليه الفريق الخائن عبد الفتاح السيسي في حديثه للواشنطن بوست عندما قال: إن عزل الرئيس كان بسبب تبنيه لمشروع إقامة إمبراطورية إسلامية عالمية، وأيضًا وزير خارجية الانقلاب عندما قال للصحيفة الألمانية: إن مشروع مرسي كان إسلاميا ولذا قمنا بالإطاحة به، إنها لغة مغازلة الغرب حتى يساندوهم في دعم واستقرار الانقلاب العسكري الدموي.
أضف إلى ذلك وجود هذه النخبة العلمانية الفاسدة، التي عاشت وتعايشت واستفادت من نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، واستطاعت بما تملكه من تأثير وسيطرة على وسائل التضليل الإعلامي ومنابر الثقافة، أن تنجح في "شيطنة" التيار الإسلامي وتصويره بكل بشاعة، في مجتمع لا يزال يعاني الكثير من آلام الفقر والحرمان وصعوبة الحصول على لقمة العيش، ولم يتربى بعد على قيم الديمقراطية واحترام الرأي الآخر، وبالتالي نجحت هذه النخبة العلمانية في مساعدة الانقلابيين على الاستمرار حتى الآن.
لكن ثقتي واطمئناني ويقيني بأن هذا المشروع الحضاري الإسلامي التنموي، سوف يرى النور على أرض الواقع قريبًا جدًّا، وأن الله سبحانه "المدبر" يهيئ الأرض الآن لنجاحه واستقراره، ليس في مصر وحدها، بل في العالمين: العربي والإسلامي، بل وفي العالم كله أيضًا، ولعل ما يجري في مصر الآن من إسالة الدماء واعتقال المعارضين والزج بالإخوان المسلمين في السجون والمعتقلات، هو جانب من دفع الثمن لبناء هذا المشروع الكبير حتى يستقر ويستمر أكثر، بإرادة الله وحده أولاً، ثم بدعم وحماية الناس أنفسهم ثانيًا (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).