عشرة أسابيع مرت حتى الآن على الانقلاب العسكري الذي وقع في مصر في الثالث من يوليو الماضي، ومازال السؤال مطروحًا: ما فرص نجاحه واستمراره، في ضوء التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهه؟ وهل تستطيع ثورة الشعب المصري المستمرة والمتزايدة أن تهزم هذا الانقلاب؟ وكيف؟ ومتى؟ هذا ما يحاول هذا المقال الإجابة عنه.

 

بداية يواجه الانقلابيون العسكر والمتحالفون معهم من القوى السياسية العلمانية عدة أزمات ومشكلات على أكثر من محور:

 

ـ لم ينجح الانقلاب حتى الآن في بلورة رؤية سياسية، يمكن أن تجمع حوله قطاعًا مؤثرًا من الأحزاب والتيارات، بل أصبح شعاره: "من ليس معي فهو ضدي"، وبالتالي يواجه شركاء الأمس، الذين ناصروه وأيدوه، ضغوط الملاحقة الأمنية والقضائية والشيطنة السياسية، إن هم فكروا في أي رد فعل أو انتقاد لا يتوافق مع رؤية الانقلابيين، ولعل ما حدث مع "البرادعي" يعد نموذجًا واضحًا على هذه الملاحقة، إضافة إلى إحالة عدد كبير من النشطاء من غير الإسلاميين في الأسبوع الماضي إلى النيابة بتهم عديدة، من زاوية الضغط السياسي والقبول بكل ما يأتي به الانقلاب.

 

ـ الحالة الهستيرية التي يقوم فيها الجهاز الأمني، بالتعاون مع قوات من الجيش، باعتقال كل رموز ومسئولي الإخوان المسلمين، بدءًا من فضيلة المرشد العام، ورئيس حزب الحرية والعدالة، ومرورًا بكل من تولى مسئولية في حكومة د. هشام قنديل من الوزراء والمحافظين والتنفيذيين، ثم أعضاء البرلمان السابق، وانتهاء بالأفراد العاديين، وهو ما قدره البعض بما يفوق الـ 25 ألف معتقل حتى كتابة هذه السطور، ومازالت حملات الاعتقال والمداهمات وتحطيم أثاث البيوت وأماكن العمل، والاستيلاء على أي أموال أو مشغولات ذهبية خاصة، تجري يوميًّا على قدم وساق بلا أي قانون، وهو ما يوفر بيئة شديدة الاحتقان داخل المجتمع المصري الآن قد تنفجر في أي لحظة، خصوصًا مع تواتر معلومات كثيرة تتحدث عن تعذيب وسوء معاملة وحرمان من الحقوق الطبيعية للمعتقلين السياسيين.

 

ـ خارجيًّا لم ينجح الانقلابيون حتى الآن في إقناع دول العالم بأن ما جرى في مصر هو ثورة لتصحيح الأوضاع ولم يزد عدد الدول التي أيدت الانقلاب فور حدوثه حتى الآن على خمس (أربع دول عربية إضافة إلى الكيان الصهيوني) من بين حوالي 190 دولة، وهو بالتأكيد إخفاق كامل يجعل استمرار هذا الوضع شديد الصعوبة، وهو ما انعكس بالتالي على دور مصر العربي والإقليمي والدولي، ويكفي أن نشير إلى أن زيارة رئيس الوزراء الليبي علي زيدان للفريق السيسي قبل أيام، أثارت أزمة في ليبيا قد تؤدي إلى فقدانه منصبه، بسبب رفض الشعب الليبي التعاون مع الانقلابيين أو الاعتراف بهم.

 

ـ على الصعيد الاقتصادي تمر مصر منذ سنوات بأزمة طاحنة تفاقمت حدتها جدًا مع حدوث واستمرار الانقلاب والإجراءات التي اتخذها، برغم المساعدات التي قدمتها وتكفلت بها الدول العربية الداعمة للانقلاب، وبدأت شرائح جديدة في المجتمع تعاني أكثر مع مرور الوقت، وعلى رأسها قطاع السياحة، وهو قطاع كبير ومؤثر، إضافة إلى قطاع المستثمرين ورجال الأعمال، بعد توقف آلاف المصانع والمشروعات الزراعية والصناعية والتجارية، وهو ما أدى إلى تسريح آلاف العمال، والعجز عن توفير المرتبات، وتفاقم أزمة البطالة، وخفض الرواتب ونقص السيولة، أيضًا زادت معاناة قطاع كبير من الحرفيين وأصحاب الأعمال الهامشية وسائقي سيارات الأجرة.. إلخ وأدى ذلك إلى تنامي المشاركة الميدانية بوضوح من هذه القطاعات في مسيرات وتجمعات الشوارع، التي تنطلق الآن يوميًّا في مختلف محافظات مصر.

 

ـ على الصعيد الميداني أيضًا يواجه الانقلابيون ضغطًا أمنيًّا ونفسيًّا هائلاً، مع استمرار تدفق المظاهرات والمسيرات اليومية، وأيام الحشد (مليونيات يوم الجمعة) في الشوارع، وتزايد أعداد المشاركين فيها باطراد، بما يعني استمرار حالة الاستنفار القصوى بين الضباط والجنود والآليات العسكرية في شوارع القاهرة، وفي مداخل المدن الرئيسية وعلى الطرق السريعة، وهي حالة إرهاق لم يعتد عليها أفراد الجيش لفترات طويلة.

 

إضافة إلى هذه الحالة العدائية التي تواجه قوات الجيش الآن من عامة الشعب، بعد مجزرة فض اعتصام ميداني رابعة العدوية ونهضة مصر، والمجازر التي تمت قبل ذلك أمام نادي الحرس الجمهوري، والنصب التذكاري للجندي المجهول، والتي راح ضحيتها أكثر من خمسة الآف شهيد، وأكثر من 20 ألف مصاب ومعتقل، ومن الصعب تصور إمكانية استمرار هذه الحالة، خصوصًا في حالة عدم وجود بادرة للحل السياسي حتى الآن.

 

وفيما يتعلق بالتحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب، الذي يقود الثورة الآن لانتزاع حرية الشعب وعودة الشرعية، وهو تحالف يضم في جوهره أحزابًا وتيارات وهيئات إسلامية ووطنية، وفي القلب منه "الإخوان المسلمون" وحزب "الحرية والعدالة"، فيمكن تلخيص موقفه كالتالي:

 

ـ لا يزال التحالف يتمسك بالمبادئ التي قام على أساسها عقب الانقلاب وهي: عودة الرئيس المنتخب، وإعادة العمل بالدستور المستفتى عليه، وإعادة مجلس الشورى المنتخب، والتعجيل بإجراء الانتخابات البرلمانية، والاتفاق على البدء في تحقيق مصالحة سياسية شاملة بين مختلف الفرقاء السياسيين، ومحاكمة الانقلابيين ويبدي التحالف استعداده للحوار حول أي مبادرة سياسية تضع في اعتبارها هذه الشروط المبدئية من دون تنازل، وهو آخر ما صدر عن د. عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة قبل أيام.

 

ـ نجح التحالف في قيادة الحشد الجماهيري غير المسبوق في أعقاب الانقلاب، وأشارت العديد من التقارير الإعلامية والأمنية إلى تجاوز الأعداد المشاركة في بعض المليونيات رقم الثلاثين مليونًا، وعبر حوالي سبعة أسابيع من الاعتصام في ميداني رابعة العدوية (شرق القاهرة) والنهضة (أمام جامعة القاهرة بالجيزة) نجح التحالف في بناء ثقافة شعبية تربط بين الإسلام والشرعية والحرية ورفض الانقلاب، كما أدار منصة الاعتصام بطريقة أدت إلى اجتذاب وتعاطف أعداد كبيرة من عامة الناس، غير المنتمين للتيارات الإسلامية أو السياسية.

 

ـ أيضًا نجح التحالف، في أعقاب مجزرة الفض الدموي الهمجي لميداني رابعة العدوية والنهضة، في نقل المعركة السلمية ضد الانقلاب إلى الشوارع الجانبية في المدن والقرى، تواصلاً مع السكان في البيوت، الذين لا يرون صور هذه الاحتجاجات السلمية عبر شاشات التليفزيون الرسمي أو الصحافة، الخاضعة للرقابة العسكرية الصارمة، وهو الأمر الذي أسهم في زيادة الوعي المجتمعي العام بسلمية وأهداف المظاهرات، ما أدى إلى دخول قطاعات جديدة من الشعب زادت من زخمها، وعلى سبيل المثال تراوحت التقارير عن أعداد المشاركين في مليونية جمعة (الشعب يسترد ثورته) في 30/8، ما بين 16 و21 مليون شخص، وهو بالتأكيد رقم مذهل بعد نحو شهرين من وقوع الانقلاب، يدل على أن جذوة رفض الانقلاب لدى الشعب لم تنطفئ بعد.

 

ـ تحالف دعم الشرعية بدأ كذلك يطور من فعالياته وآلياته، عبر دراسة إمكانية الدخول في عصيان مدني جزئي يؤدي إلى انهيار الانقلاب، مثل دعوة الناس لعدم سداد مستحقات الدولة من فواتير الكهرباء والغاز والمياه وغيرها حتى سقوط الانقلاب، وهو ما دفع وزارة الكهرباء مؤخرًا إلى مناشدة جمهور المستهلكين سداد فواتير الاستهلاك، وإبعاد الوزارة عن الأمور السياسية، ولو نجح العصيان المدني أكثر فإن سقوط الانقلاب يمكن اعتباره مسألة وقت لا أكثر.

 

وفي ضوء ما سبق وغيره يمكن القول إن مستقبل الانقلاب العسكري يتلخص في تقديري في أربعة سيناريوهات:

 

1 ـ نجاح ثورة الشعب المستمرة في كسر الانقلاب وإفشاله تمامًا، وهروب قادة الانقلاب إلى الخارج، وعودة الشرعية والرئيس المنتخب (احتمال قوي جدًا).

 

2 ـ نجاح ثورة الشعب المستمرة في إرهاق الانقلابيين، وفرض اللجوء إلى حل سياسي تفاوضي، برعاية غربية، لإنقاذ الانقلابيين وإعادة الشرعية ولو جزئيًّا (الاحتمال الأقوى).

 

3 ـ استمرار صمود الانقلاب في وجه الثورة، بمزيد من الدعم الغربي والعربي سياسيًّا ودبلوماسيًّا وماليًّا، وداخليًّا بمزيد من القمع والقبضة الحديدية (احتمال ضعيف).

 

4 ـ حدوث انقلاب عسكري من داخل الجيش المصري، يزيح القادة الذين تورطوا في الانقلاب على الشرعية، وربما يغتال عددًا منهم ويفتح الباب أمام عودة الشرعية الدستورية، ومحاكمة كل من شارك في الانقلاب أو في تنفيذ عمليات القتل قبل وبعد 3 يوليو، واعتذار الجيش عما حدث من إراقة للدماء (احتمال ضعيف جدًا).