لا أحد ينكر على الإطلاق أن العدالة الناجزة هي أفضل تطبيقٍ لمفهوم العدالة، وأن الإبطاء في تحقيقها هو الظلم عينُه لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، ويطرح نفسه عند كل حديثٍ عنها هو: من المسئول عن تحقيقها ناجزة؟ أهو القاضي أم الدولة؟ أم أن كليهما شريك في تحقيقها، وإذا كان كلاهما شريك في تحقيقها، فهل يؤدي كل منهما دوره الملقى على عاتقه على الوجه الأكمل؟ إنه مما لا شك فيه أن القاضي هو حجر الأساس الذي يقوم عليه بنيان العدالة، فهو الذي يبعثها من العدم إلى الوجود، يخرجها من الظلام إلى النور، ويحفزها من السكون إلى الحراك، وهو لكي يفعل ذلك لابد له من أدواتٍ ماديةٍ يستعين بها في أداء رسالته، ولابد له من نظمٍ ملائمةٍ تزيل ما يعترض طريقه من عقباتٍ، وتيسر له الوصول إلى أفضل أداءٍ، فهو ليس إلهًا يقول للشيء كن فيكون.
كما أنه ليس من الملائكة المقربين، أو له قدرات كتلك التي جُبل عليها الجن والشياطين، وهو ليس من المرسلين الذين يتنزل عليهم الروح الأمين، لكنه بشرٌ لا يتحمل أكثر مما يطيقه البشر، لا يفعل المعجزات، أو يأتي بالكرامات، ولا يمكن له بحالٍ من الأحوال أن يحقق العدالة الناجزة دون أن توفر له الدولة الأدوات اللازمة والنظم الملائمة لتحقيقها، فالقاضي ليس هو المسئول عن بناء المحاكم وتجهيزها وتعيين الموظفين الذين يعاونونه في أداء رسالته وتدريبهم، كما أنه ليس هو المسئول عن وضع النظم التي تكفل جودة الأداء في جهاز العدالة وسرعته، وتكفل التناسب بين عدد القضايا المطلوب إنجاز الفصل فيها في الزمن المحدد- بما يضمن الارتقاء بالعمل القضائي إلى أقصى مستويات الجودة والإتقان، ويحصن القاضي من الزلل والخطأ- بل إن الدولة هي المسئول الأوحد عن توفير الأدوات اللازمة والنظم الملائمة لتحقيق العدالة الناجزة، ولو استطردنا في سرد ما ينبغي على الدولة توفيره منها، لاستلزم ذلك جهدًا كبيرًا في إحصائه وعناءً من القارئ في الإلمام به، لكن حسبنا ما نقدمه ونركن إليه للوقوف على أهم المشكلات التي تواجه القاضي في سبيل أداء رسالته:- فإذا كانت الدولة قد قامت ببناء وتحديث عدد من المحاكم، فإنه لا يزال عدد المحاكم التي تدير الدولة من خلالة السلطة القضائية عن طريق القضاة لا يتناسب البتة مع الزيادة المضطردة في عدد القضايا بسبب الزيادة السكانية المتنامية بمعدلات كبيرة وغير ذلك من العوامل التي نذكرها فيما بعد، كما أن كثيرًا من تلك المحاكم لا يزال بحالةٍ يرثى لها، لا تصلح أن تكون بيوتًا للعدالة تليق بدولة عريقة كمصر، ناهيك عن عجز النظم المتبعة في إدارة تلك المحاكم عن القضاء على البيروقراطية وعلى طرق الإدارة القديمة التي لم تعد ساريةً إلا عندنا، وإحلال طرق الإدارة الحديثة محلها بما يضمن منع التلاعب في شئون القضاء وسد الثغرات أمام المتلاعبين.
وإذا كان عدد المحاكم وعتادها لا يتناسب مع الزيادة المضطردة في عدد القضايا المطلوب إنجاز الفصل فيها، فإن عدد القضاة الذين يديرون السلطة القضائية في الدولة لا يتناسب أيضًا مع الكم الهائل من القضايا الذي تتكدس به المحاكم كل يومٍ، بل إن الدولة- بما استحدثته من قوانين جديدة، وبما قامت به من تعديلات في القوانين القائمة، وبما تصدره المحكمة الدستورية العليا كل يومٍ من أحكامٍ بعدم دستورية الكثير من مواد القانون- تشكل عبأً متزايدًا على القاضي بما تتسبب فيه من زيادة هائلة في عدد القضايا المطروحة على القضاء يقف سواءً بسواء مع الزيادة الناجمة عن الزيادة السكانية، ويلقي بالقاضي في خضم رهيب من التيه يكاد يتحسس طريقه في ظلامٍ دامسٍ، ويمزق نفسه بين عملٍ لا يجد الوقت الكافي لإنجازه، وبين تلك المتغيرات المستحدثة التي ينبغي أن يحيط علمه بها، والدولة التي لم تأخذ في حساباتها كل تلك الأمور وهي تحدث كل تلك المتغيرات- تقف موقف المتفرج ولا تمد يد العون إلى القاضي، وكأن الأمر لا يعنيها من قريبٍ أو من بعيدٍ.
وليس الأمر كذلك فحسب، بل إن الطين يزداد بِلةً إذا علمت أن الدولة تنحرف بمسلكها- حين تتعامل مع المواطنين- لتخرج عن أحكام القانون والدستور، فتارةً تمتنع عن إعمال نصوصهما, وتارةً تتعنت في تنفيذ ما يصدره القضاء من أحكامٍ واجبة النفاذ، وكثيرًا ما يقوم عمالها بجباية ما ليس مستحقًا من ضرائب ورسوم بالمخالفة للقوانين واللوائح المعمول بها، وغير ذلك من صور سلوكها التي أصبحت معتادةً للكل غير خافيةٍ على أحدٍ، فيضطر أصحاب الحقوق والمظالم إلى مقاضاتها بإقامة دعاوى أمام القضاء، يختصمونها فيها، بما يشكل عبأً جديدًا كان القضاء في غنى عنه لو أن الدولة تلتزم في مسلكها بما يفرضه عليها واجبها تجاه مواطنيها من إنزال صحيح القانون على تعاملاتها معهم وكفالة احترام أحكام القضاء الواجبة التنفيذ.
وكثيرًا ما يلجأ المواطنون لتوثيق تصرفاتهم- لاسيما التي يكون محلها حقوقًا عينية عقارية- إلى القضاء تهربًا من الرسوم الباهظة التي تفرضها قوانين الشهر والتوثيق، فيستغلون القضاء للوصول إلى مآربهم بإقامة دعاوى كدعاوى صحة التوقيع وصحة التعاقد، وهم بذلك- على الأقل- يضفون قدرًا من الرسمية على محرراتهم العرفية بافراغ مضمونها في أحكام قضائية، تقيهم مغبة الإجراءات المعقدة والرسوم الباهظة التي تفرضها عليهم قوانين الشهر والتوثيق، وهذه الدعاوي لا تشكل منازعاتٍ حقيقة، وهي من الكثرة بما يشغل القضاء عن أداء وظيفته السامية في فض المنازاعات بين الناس بما يحفظ الأمن والسلامة والطمأنينة بينهم، وعلى الرغم من أن الدولة تعلم ذلك المسلك من المواطنين للتهرب من إجراءات ورسوم الشهر والتوثيق إلا أنها تتمسك بالقوانين التي تنص عليها، بل وتعض عليها بالنواجز، فلا هي تقوم بإلغائها أو بتعديلها- على النحو الذي يمنع استخدام القضاء كوسيلةٍ للتهرب منها ويثقل كاهله بسيلٍ من الدعاوي لا ينقطع- ولا هي تقدم العون إليه لكي يقوم بإنجازها.
ولا ينتهي الحديث عند هذا الحد، فبالإضافة إلى ما تقدَّم، فإن الدولة لا تنتهج سياسةً عادلةً في توزيع ذلك الكم الضخم من القضايا على قضاتها العاملين في حقل العدالة، فقد فاجأتنا بقانونٍ جديدٍ يوسع من اختصاص المحاكم الجزئية التي يتكون تشكيلها من قاضٍ واحدٍ قيميًّا ونوعيًّا، وذلك على حساب المحاكم الكلية التي يتكون تشكيلها من ثلاثة قضاةٍ، من باب أن الواحد يعدل الثلاثة، وأن ما لا يقدر الثلاثة على فعله ينجزه الواحد بمفرده، فضلاً عن سوء توزيع القضايا بين الدوائر العاملة بعضها البعض كمًا وكيفًا، وهذا لا يمكن أن يتخيله عقلٌ، فهل يستطيع أن يعمل طبيبٌ في كل فروع الطب؟ وهل يستطيع أن يبحث عالمٌ في كل فروع العلم؟ إلا إذا عدنا إلى عصر الفلاسفة، وإذا قبلنا ذلك فهل يجد القاضي الوقت الكافي ليكون فيلسوفًا قاضيًا؟ إن الدولة تتنصل من مسئوليتها في إنجاز العدالة، وتلقي بها كاملةٌ على عاتق القضاة، ويطلب القائمون على رسم السياسة القضائية من القاضي الفصل في قضايا يقدر عددها بالمئات والألوف في الجلسة الواحدة، بما يفوق ما يفصل فيه القاضي في أي دولة من الدول أضعافًا كثيرةً، بل إنهم يحاسبونه حسابًا شديدًا إذا مرض أو قرعت بابه ظروفٌ طارئةٌ حالت بينه وبين إنجاز الكم الذي يرضون عنه والذي يفوق طاقات البشر.
وهي لا تهتم بما إذا كان ارتفاع الكم يأتي على حساب الكيف، أم لا؟ بل إنها لا تسأل، كيف للقاضي أن ينجز عملاً كهذا يفصل في المئات والألوف من القضايا المطالب بالفصل فيها في زمن لا يكاد يكفي للفصل في عدة قضايا ويكون عمله على أكمل وجهٍ من الدقة والإتقان؟ تمامًا كما يفعل الرجل الذى يعطي زوجته بضعة جنيهاتٍ، ويذهب إلى عمله، ثم يعود، ليجدها قد أعدت له ما لذ وطاب من أفخم وأغلى أنواع الأطعمة التي يُقدر ثمنها بمئات الجنيهات، فيأكل ولا يسأل زوجته كيف أتت بالمال الذي اشترت به ذلك الطعام من حلالٍ أم من حرام؟ وعلى الرغم من أن القياس بين الدولة التي لا يعنيها سوى الفصل في أكبر كمٍ من القضايا- دون النظر إلى صحة ما يصدر من أحكامٍ- وبين الرجل الذي ينشغل بالتهام الطعام الذي اشترته زوجته من مالٍ لا يعلم مصدره عن السؤال عن كيفية حصولها على ذلك المال، قياسٌ مع الفارق، إلا أن أهم أوجه الشبه بينهما: هو أن كلاًّ منهما يقبل احتمال وقوع الخطأ في سبيل تحقيق غايةٍ ضررها أكبر من نفعها، فالدولة تقبل احتمال صدور أحكامٍ خاطئةٍ في سبيل تحقيق أعلى نسبةٍ للفصل في القضايا بأي شكلٍ كان، والرجل يقبل احتمال حصول زوجته على المال الذي اشترت به الطعام عن طريقٍ غير مشروعٍ، مقابل ما يحصل عليه من لذة أكل ذلك الطعام، وخسارة المجتمع في المثالين فادحةٌ، لكن خسارته أفدح بكثير في إهدار الدولة للعدالة بهذا الشكل، وتسيس القضاء وفقا لمبادئ ميكافيلية، تنتهج مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، ولا شك أن الخاسر الأول هو المواطن الذي ضاعت حقوقه ضحية تحقيق عدالة الكم على حساب عدالة الكيف التي تتخذها الدولة ذريعة للتدخل في شئون القضاء.
وإذا كانت الدولة تلقي بتبعة تراجع معدلات التنمية وغلاء الاسعار وتراجع سعر صرف الجنيه المصري بالمقارنة بالعملات الأجنبية الأخرى، وغير ذلك من المشكلات، على ارتفاع معدلات الزيادة السكانية، لتبرئ ساحتها أمام الشعب وتنفي عنها أي اتهام بالتقصير، إلا أن تلك الحجة داحضةً إذا استخدمتها الدولة للتنصل من مسئوليتها في تحقيق العدالة الناجزة.
فمن ناحيةٍ، هناك دول كثيرة يفوق عدد سكانها عدد سكان مصر، إلا أن تلك الدول لا تتكدس محاكمها بالقضايا ولا يتحمل قضاتها نصف ما يتحمله القاضي المصري من عناءٍ في العمل وتردٍ في أحوال المعيشة، لأنها أمدت جهاز العدالة فيها بالأدوات اللازمة والنظم الملائمة لإنجاز العدالة، ومن ناحية أخرى، فإن العدل هو أساس الملك، وناموس الحكم في الدولة، فالإخلال بمقتضيات العدالة فيها هو أول مسمارٍ يدق في نعشها، ويؤدي لانهيارها وقد يستغرق ذلك الانهيار وقتًا يطول أو يقصر تبعًا لمدى الإخلال الحادث فيها، وقد يحتاج الصامتون بعض الوقت كي يتكلموا مثل ما يحتاج الماء من وقتٍ لكي يصل إلى درجة الغليان.
إن الدولة تطبق مسخًا ممقوتًا لمفهوم الديمقراطية، تطبقه من جانبٍ واحدٍ، فهي تترك من يريد التعبير عن رأيه يقول ما يشاء، وفي المقابل تصم أذنيها عن سماع ما يقول، وربما لاحقته بعقابها، ونعلم أن لها أذنٌ من طينٍ، وأخرى من عجينٍ، وهي إن أرادت أن تستشير أحدًا في مشكلةٍ تتعلق بالصحة فقد تسأل مهندسًا للري، كذلك فإنها تستشير كل من ليس له صلةٌ بالقضاء في حل مشاكله، وذلك إن أدركت أن هناك مشاكل ينبغي أن تتصدى لحلها، وهؤلاء الذين تستشيرهم في كل الأمور، هم فقط في نظرها العارفون بكل شيء الذين يعلمون ما لا تعلمه، ويرون ما لا نراه، فإذا كانت الدولة لا تريد أن تسمع من أحدٍ، فإني أترك الأمر إلى الشعب، ليقول كلمته التي لا يقدر أن يردها أحدٌ، فهو صاحب المصلحة الأولى في تحقيق العدالة الناجزة.
إن العدالة كلٌ لا يتجزأ، وهي ملكٌ للإنسانية بأسرها، وقد أصبح العالم في الوقت الراهن قرية صغيرةٌ يتأذى ضميرُ الإنسانية إذا انتهكت العدالة في بقعةٍ منه، بل إن أي مساسٍ بها يعد إخلالاً بالأمنِ والسلمِ الدوليين، لأن الأنظمةَ التي لا تطبق مبادئ العدالة السليمة أرضٌ خصبةٌ للإرهاب الذي أصبح ظاهرةٌ عالميةٌ، ومن ثم فإن العدالة هي مسئولية المجتمع الدولي الذي لا بد أن يقوم بواجبه من أجل كفالة تطبيق واحترام مبادئها، وحماية استقلال القضاء وحيدته، وكفالة حقوق القاضي وحمايته، ولابد أن تبرم المعاهدات الدولية التي تنظم كل تلك الأمور، وأن تولي تلك المعاهدات اهتمامًا خاصًّا بالقاضي باعتبار أنه الحارس الأمين على العدالة على غرار ما فعله المجتمع الدولي فيما يتعلق بحقوق العمال، ولاسيما أنه توجد دولٌ كثيرةٌ ليس للقضاة فيها نقاباتٌ تدافع عن حقوقهم وترعى مصالحهم، ولا يوجد في تلك الدول ما يحمي القضاة من افتئات الأنظمة الحاكمة فيها عليهم، ويجب أن تحدد تلك المعاهدات الكم المناسب من القضايا التي يقدر القاضي على نظرها والفصل فيها في الجلسة الواحدة، والمقابل المادي الذي يحفظ كرامته وحيدته، وغير ذلك من الأمور التي تيسر له رسالته العالمية السامية، وترفع ما قد يقع عليه من ظلم، فكيف يستطيع القاضي أن يرد المظالم إلى أهلها ويعجز أن يرفع الظلم عن نفسه؟