احتفال الانقلابيين بذكرى انتصار أكتوبر أزاح الستار عن أفكار وتصورات هؤلاء الدمويين، فمثلهم كمثل التتار الذين كانوا يستمتعون بالقتل والتنكيل بالخصم وهم يتناولون كئوس الشراب، وما شاهدناه الأحد الماضي لا يقل بشاعة عما فعله التتار، ففي الوقت الذي كان زعيم الانقلاب يستمتع بمشاهدة الفنانات العاريات وفي فمه علكة (لبانة) كان أشرف الناس وأطهر الشباب يقتلون برصاص جيشه وبأوامر منه، وكان البلطجية التابعون لأجهزة أمنه ومخابراته يطاردون الأخوات العفيفات في شوارع الدقي ورمسيس وقصر العيني وغيرها.
وفي الوقت الذي ضاقت فيه المستشفيات في هذه المناطق بجثث الشهداء والمصابين الذين نفدت أمام أعدادهم الهائلة المستلزمات الطبية، كان استاد الدفاع الجوى يضاء بآلاف الشماريخ لإمتاع (الزعيم!!)، وكان ميدان التحرير يعج بالعهر والخلاعة، في حماية دبابات ومدرعات جيش مصر الوطني الذي سجل انتصاراته في مثل هذا اليوم باللجوء إلى الله والهتاف بصيغة (الله أكبر الله أكبر).
رأى الناس نافذتين على شاشة قناة الجزيرة المحترمة، إحداهما لشباب وفتيات يتعرضون للذبح لمنعهم من استكمال مسيراتهم السلمية الراقية، وفي النافذة الأخرى شباب وفتيات أيضًا يمنحون الجوائز ويلقون الترحيب وتسلط عليهم الأضواء وتفتح لهم وسائل الإعلام المدعومة من الشعب، فكأن الآخرين ليسوا أبناء الوطن، بل كأنهم أعداؤه.
عندما كانت عبَّارة (السلام 98) تغرق في عرض البحر الأحمر كان مبارك يشاهد مباراة لكرة القدم، ورأينا ماذا فعل الله به، لكنه في هذا اليوم لم يكن بهذا الفُجر والعناد الذي عليه الانقلابيون اليوم، فمنذ متى وانتصارات أكتوبر يحضرها كل هذا الكم من الراقصات؟ وهل يتناسب هذا الحفل مع الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد؟ ومن يتحمل كلفة هذا البذخ في وقت اقتربنا فيه من إعلان إفلاسنا؟
لن ينسى المصريون هذه المشاهد أبدًا، ولن يغفروا لهؤلاء الانقلابيين ما فعلوه بهم، وإذا كانوا في الصورة يبدون يضحكون ويمرحون فإن الواقع خلاف ذلك، فإنما يفعلون ذلك لإقناع الشعب أن الأمور على ما يرام وأنه ليست هناك معضلات تعطل سيرهم، لكنهم- بالتأكيد- يألمون ويملأ الحقد والغيظ جوانحهم، بل لا نبالغ إذا قلنا إنهم يفعلون ذلك (حلاوة روح) بعدما ضاق عليهم الخناق وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون؛ إذ لم يكونوا يتوقعون كل هذا الصمود والثبات، ولم يكونوا يدركون أن في البلاد رجالاً مؤمنين صابرين، وأن للشرعية أسودًا لن يناموا أو يستريحوا حتى يفضوا هذا الانقلاب ويحاكموا عصابته.
لو عمل التعساء عملاً في هذه المناسبة لصالح المواطنين لاكتسبوا تعاطفهم وتعاونهم، لكنهم- لعدم توفيق الله لهم- أوقعوا أنفسهم في هذه الفضيحة التي كانت (على الملأ) والتي أكدت أن هؤلاء قوم آخرون، يبحثون عن الرقص واللهو والمجون، أما الآخرون فإنهم يبحثون عن استقلال البلد وحرية أبنائه، بدليل أنهم يقدمون أرواحهم فداءً له.