كان البعض يستغرب جدًا من الشعب الأمريكي، كيف يترك أصل موضوع (كلينتون– مونيكا) وهو الانحراف الجنسي لرئيسه، ويركز في موضوع فرعي وهو كذب الرئيس على شعبه!!
وكان البعض يصور الشعب الأمريكي على أنه شعب أهبل وليس عنده نخوة.
ولكن هذا الموقف يدل على وعي الشعب الأمريكي.
فانحراف الرئيس الجنسي أمر يشينه هو فقط، أما الكذب فهو يشين الرئيس، ويهين الشعب في نفس الوقت!! كيف؟
لأن الكاذب يتصور فيمن يكذب عليه، أنه مغفل وسيصدقه.
فكون السلطة التنفيذية رئيسًا أو حكومة، تعامل شعبها بالكذب، معناه أنها تعتبر شعبها قطعيًّا من المغفلين.
هذا فضلاً عن تناقض الكذب مع مبدأين أساسين من مبادئ الحكم الرشيد وهما الشفافية والنزاهة.
هذه هي الشعوب الواعية.
أما الشعوب الأخرى، فحكامها يعاملونها على قاعدة الاستغفال.
فتستطيع أن تحصي في خطاب واحد لمدة دقائق معدودة ثلاث كذبات يشهد عليها شهود عدول، ولا يكون ذلك سببًا للاعتذار، لأن (شعب الحكومة) لم يشعر بالمهانة، فلم الاعتذار إذن؟؟!!
وإذا عم في الشعب الكذب، فشا فيه الهزل، وإذا فشا الهزل في الأمة، صارت أمة هينة لينة في يد طغاتها.
ولذلك يتحول الكذب والهزل إلى صناعة حكومية يرعاها الطغاة.
ويستخدمونها أداة لتحويل طاقات الأمة نحو الهزل.
فالفنان الهازل والفنانة الهازلة لهم الدرجات العلى في المجتمع، ويعتبر هزلهم رفعًا لاسم الأوطان عاليًا!!!
والنصر في مباراة كرة قدم، هو نصر مبين، وفتح من رب العالمين، وهدية السماء للجوعى والمقهورين والمحرومين!!!
بل تتحول مقياسًا للوطنية!!
فليست الوطنية: كم ضحيت وكم بذلت وعملت وفكرت وأعطيت؟
بل تصبح: كم صفقت وشجعت ورقصت وزمرت؟!!
هذا هو الشعب المثالي والبيئة الخصبة لنمو الطغيان.
طغاة يقودون شعوبهم بالشعارات الزائفة، وشعوب تطرب لتلك الشعارات، فإذا هزءوا بالعدو في شعار، فكأنهم هزموه في معركة.
إن حياة الهزل ظريفة لطيفة، تركن إليها النفوس الضعيفة– وما أكثرها– فلا تضحية فيها ولا عمل ولا عطاء.
ولكن الكتلة الحية الواعية من الشعب– وإن قًلًّت– هي من سيقود مستقبل هذه الأمة: بالجد لا بالهزل، وبالعمل لا بالشعارات، وبالتضحية لا بالتصفيق.
إن معركتنا نحو الحرية والتقدم لن تمر إلا على جثة الكذب والهزل.
معركة: إن لم يقتل فيها الهزل، قتل فيها الحلم والأمل.