كان العداون علي القضاء واستقلاله وبالاً على كل الطغاة أو سببًا في الإطاحة بهم؛ حيث اعتبر كل ديكتاتور العدل جريمة وتطبيق القانون نقيصة، وسعيًا لتحصين نفسه فوق الجميع، وإخضاع السلطة القضائية لقراراته مخافة وقف جبروته وهزيمة عصابته .
وكان ذلك العدوان في كل الأنظمة مهما اختلفت نهاياتها إيذانًا بمولد جيل قضائي حر يلقن هؤلاء المجرمين دروسًا في العدل والحرية والكرامة ضمن الحراك الشعبي الغاضب حتي ينتصر، وتنتصر هذه الإرادة الشعبية الحرة على عصابات الاستيلاء على الحكم واحتقار الشعوب.
ولعل عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب العسكري سيكون أحد هؤلاء الطغاة قريبًا بعد اصرار سلطاته على عداء القضاء والمحاماة واعتقال المحامين تحت رعاية الطوارئ وتدبير مذبحة للقضاة الشرفاء، وتشويه الدستور الشرعي لشل استقلال القضاء من المنبع، فضلاً عن جرائم أخرى خلال ما يزيد عن 100 يوم رصدها قضاة وقانونيون وكيانات كجبهة استقلال القضاء لرفض الانقلاب.
لقد ولد جيل قضائي جديد لمواجهة ذلك القمع الانقلابي والمذبحة التي طالت الشعب ووصلت إلى القضاء، على رأس هذا الجيل القضاة الأجلاء وليد شرابي ومحمد عوض وعماد أبو هاشم وعماد البندارى وأيمن يوسف وحازم صالح ومحمد عطاالله ومصطفى دويدار وأحمد رضوان وآخرون لن تسعهم السطور ولا نعرفهم، يرفعون راية الاستقلال بلا وجل أو كلل، استكمالاً لجهاد فرسان القضاء الكبار عبد العزيز باشا فهمي ووجدي عبد الصمد وممتاز نصار ويحيى الرفاعي وأحمد جنينة ضد سلطات كره الاستقلال والقضاة.
ولمن لا يعرف فقاضي القضاة عبد العزيز باشا فهمي هو المؤسس للنهضة القضائية الحديثة في مصر، وله جولاته في التصدي للملك وأتباعه آنذاك دفاعًا عن كرامة القاضي صمم على الاستقالة، عندما كان محمد حسنين هيكل مرشد الانقلاب العسكري الحالي يتغازل في الملك وأمجاده.
والمستشار الجليل يحيى الرفاعي هو مؤسس مدرسة استقلال القضاء في الوطن العربي تم عزله من القضاء في 31/9/1969م ضمن91 قاضيًا في المذبحة الأولى التي دبرت على عين عبد الناصر، وفي 21/12/1972م صدر الحكم بإلغاء قرار عزله، وعاد الرفاعي قاضيًا بمحكمة شمال القاهرة، بعد مرحلة من القمع والغباء وصلت لمصادرة الشرطة لمذكرات الدفاع ومنعه من السفر وحصار عمله في المحاماة، ثم اهانته بالتعيين بوزارة الاقتصاد ووقف معاشه، ولكنه أبى إلا الصمود حتي انتصر وبدأ مرحلة مميزة من ملاحم الكفاح والدفاع عن الاستقلال، امتدت لعهد مبارك، وكللت في مؤتمر العدالة الأول والأخير بتصديه لطورايء المخلوع ووضعه مشروع استقلال القضاء في مصر.
ويعد المستشار ممتاز نصار رئيس نادي القضاة الأسبق أبرز حملة راية الاستقلال وله موقف قوي في 28 من مارس عام 1968 حيث أصدر باسم النادي بيانًا طالب بدعم استقلال القضاء وإنهاء حالة الطوارئ وعدم اللجوء للمحاكم الاستثنائية وتوحيد العمل العسكري العربي في مواجهة العصابات الصهيونية، وتعبئة الشعب في موجهة العدوان.
أما المستشار أحمد فؤاد جنينة رئيس نادي القضاة فى الفترة من ١٩٧٣ إلى ١٩٧٩ تصدى للرئيس السادات في قمة غضبه السياسي وطالبه بوقف حالة الطورائ واحترام استقلال القضاء، ولم يختلف عنه المستشار وجدي عبد الصمد رئيس المجلس الأعلى للقضاء الأسبق؛ حيث واجه السادات أكثر من مرة بالحق، وطالبه بأن يطلق الحريات العامة، وأجبر النظام في عام 1984م على تعديل قانون السلطة القضائية، عندما أعلن عن تنظيم مسيرة بالأوشحة للقضاة من مقر النادي إلى قصر الرئاسة.
ومن رحم هؤلاء جميعًا تخرج المستشار حسام الغرياني أحد شيوخ القضاة الأجلاء والعقل المفكر والمحرك لانتفاضة القضاة في 2006 لتعديل قانون السلطة القضائية، والتي تصدرها قضاة بارزون في الدفاع عن استقلال القضاء، منهم المستشارون أحمد مكي ومحمود الخضيري وزكريا عبد العزيز وفؤاد راشد وأشرف البارودي ويحيى جلال وأحمد صابر وهشام جنينة وعصام عبد الجبار وناجي دربالة وأحمد سليمان.
في هذه الانتفاضة تصدى القضاة في وقفات بالاوشحة وجمعيات عمومية طارئة لعداء نظام مبارك لاستقلال القضاء، وإحالة المستشارين هشام البسطاويسي ومحمود مكي إلى لجنة إصلاحية بعد كشفهما للتزوير في الانتخابات البرلمانية، والتي وقف فيها الرئيس المختطف محمد مرسي ضمن حشود الشعب الداعمة للقضاة قبل أن يعتقل صباح 18 مايو 2006 ويقضي سبعة أشهر في السجن، وسقط مبارك في 2011 ولكن بقيت ثعابيته تعبث بالقضاء والوطن حتى الآن.
ودبرت تلك الثعابين الغادرة الانقلاب العسكري علي الرئيس الشرعي المنتخب الدكتور محمد مرسي، الذي يحسب لنظامه علي مدار عام أنه لم يتجه لإحالة قضاة شرفاء إلى التحقيق، وكل ما طلب به هو التحقيق مع القضاة المتورطين في مخالفات قانونية، وسعى لإقامة مؤتمر العدالة الثاني، ولم يمس قاضيًا جهر بغضبه ضده، حتي وصلت الحرية مدي يراه البعض فوضويًّا، استغله القضاة المحسوبون على نظام مبارك.
وللأسف، كان للمناكفات السياسية التي دارت عقب الثورة ، دورا في تفتيت جبهة استقلال القضاء وتجميدها في هذه الفترة علي يد اليساريين والليبراليين للأسف ، وهذه شهادتنا للتاريخ ، وتفاصيلها ليس وقتها الآن.
ولكن صمد القضاة الذين اعتقدوا في استقلال القضاء كمنهج حياة قضائية سليمة ، واساس سليم لبناء الوطن بعيدا عن تجاذبات الأفكار والعلاقات بالساسة وانحازوا للحقيقة، صمودا قويا وجهروا فور الانقلاب العسكري بدعم الشرعية الدستورية ونتائج الانتخابات التي اشرف عليها القضاء واعلنها من صناديق شفافة.
وبعد أن اتضحت المؤامرة علي القضاء واستقلاله والوطن ومساره ، صدع من صدع بالحق من الكتلة الصامتة بالمؤسسة القضائية ، الا انه للأسف غاب عددا من الكبار الذين في شاركوا معركة التصدي لمبارك وعصابته حتي الآن ، وهم يعرفون أنفسهم ، وأملنا أن يعيدوا حساباتهم احتراما لتاريخهم.
والآن ، نراهن علي هذا الجيل القضائي الحر في عدم خذلان الشعب ومطالب ثورته في قضاء كامل الاستقلال وقضاة أعزة كرماء ووطن حر خالي من انقلاب فاشي وقصاص سريع وعادل للشهداء من القتلة والفاسدين في ظل مشهد ثوري مهيب ، تتصاعد حلقاته يوميا ، وثقتنا كاملة في أنهم لن يخذلوا الشعب ولن يخذلهم الشعب الثائر في كل ميادين مصر.
نثق في أن ابناء يحيي الرفاعي لا يهابون الطغاة ، ولا يبيعون الكرامة ، ولا يساومون علي الحقوق ، ولا يتركون القضاء مكبلا والوطن اسيرا في أيدي سلطة انقلابية غاشمة ديكتاتورية مصيرها السقوط بلاشك ، وننتظر بركان الغضب للدفاع عن دار القضاء من الجميع ، والله غالب علي امره ولكن اكثر الطغاة لا يعقلون .