لا شك أن ما رأيناه من الانقلاب والانقلابيين فاق جميع تخيلاتنا، من أناس من بني جلدتنا يتحدثون لغتنا ويدّعون أنهم مسلمون.. لقد مورست ضد الموحدين شتى أنواع القتل والتنكيل فيما يشبه الإبادة العنصرية.. ومنذ وقوع هذا الانقلاب الغادر لا يكف هؤلاء الدمويون عن جرائمهم التي لم تستثن شيخًا أو طفلاً أو امرأة.. لكن رغم كل ما جرى يبقى لهذا الانقلاب فوائد، نشير إلى بعضها فيما يأتي:

 

- علم الناس- لأول مرة- أن من يحكموننا على مدار عقود، لم يهمهم يومًا مصلحة البلد أو أمنه القومي، قدر ما يسعون لأجل مخصصاتهم ومراكزهم الشخصية، وأنهم يأتمرون لذلك بأمر أعدائنا.. وهذا (السر) لولا الانقلاب وما تبعه من كوارث ما علمه أحد؛ إذ كانت المؤامرة على الحاكم المسلم المنتخب والمظاهرات المسلحة ضده، والاعتداء على المساجد وانتهاك حرماتها وتواطؤ الشرطة، دليلاً على تورط (الجهات السيادية!!) في هذه الجرائم؛ من أجل استبعاد الإخوان- والإسلاميين عمومًا- بناء على رغبة الأسياد في واشنطن وتل أبيب وباقي عواصم الغرب.. أما فائدة كشف هذا (السر) فإن الناس سوف يرمون سهامهم- منذ اليوم- تجاه الهدف الصحيح، ولن يُخدعوا كما خدعوا من قبل، بل سيكون التغيير أسرع، ولن تفشل الثورة أو تتضعضع مرة أخرى.

 

- توحد التيار الإسلامي والوطنيون من أبناء هذا البلد كما لم يتوحدوا من قبل؛ إذ أزاحت الأحداث- خصوصًا المجازر التي وقعت وعمليات الملاحقة والتنكيل- عن عدو للدين والوطن، متربص بهذه القطاعات المخلصة من المصريين، يستخدم لذلك كل سلطات وإمكانات الدولة، بل سلطات وإمكانات دول أخرى، عربية وغير عربية؛ لأجل ألا يكون للأحرار صوت، ولكي يبقى المصريون عبيدًا لهم، ومن ثم عبيدًا للصهاينة والأمريكان.. وهذا التوحد وذلك الاجتماع جعل هذا القطاع مستعصيًا على الكسر، قادرًا على تحدي هذه السلطات وتلك الإمكانات.. ولن يمر وقت طويل- إن شاء الله- إلا وستكون الغلبة لهؤلاء الوطنيين، وسوف يحكمون مصر وسائر بلاد العرب، محققين أحلام الناس في العيش والحرية والكرامة الإنسانية.

 

- كشف الانقلاب عن معادن الناس، ودينهم وأخلاقهم وعواطفهم، ولو قعد الدارسون يرصدون صفات هذا المجتمع لسنين ما استطاعوا استخراج ما استخرجته أحداث الانقلاب.. وهذا الأمر يفيد الدعاة والمخلصين من أبناء الوطن الذين نلقي عليهم عبء تحرير البلاد، في اتخاذ القرارات، وفي الرصد والاستطلاع، وفي بناء الخطط والإستراتيجيات، وألا يعتمدوا على ما كانوا يعتمدون عليه من قبل من أن هذا الشعب (متدين بالفطرة) وغيرها من المسلمات.. بل الواقع أن المتدين من هذا الشعب لا تجد له مثيلاً في العالم، في إخلاصه وفهمه واستعداده للتضحية، أما غير المتدينين، فهم من يفرطون ويرضون بالدون ويرحبون بالحاكم الظالم الجائر الغشوم.

 

- اتخذ الله الذين قُتلوا شهداء- بإذنه- فتميز لذلك كثير من الناس: الذين قُتلوا وأهاليهم الذين يشفّعون فيهم، فضلاً عن تميز هذا المجتمع الذي لم يحظ بهذا الشرف- شرف الاستشهاد- منذ زمن، فكأنها رسالة من الله- تعالى- تملأ صدرونا غبطة وسرورًا، كما تملؤها صبرًا وحبورًا.. لقد فوجئنا بفقه الناس لمعاني الشهادة والاستشهاد، ما يؤكد أن أهل مصر سيكونون قاطرة تحرير المسلمين مما ابتلوا به من استبداد وفساد، وأن دماءهم هي وقود هذا التحرر.

 

هذه بعض فوائد وخيرات الانقلاب، غير فوائد أخرى كثيرة لا يتسع المقام لذكرها جميعًا.