من الواضح أن الإدارة الأمريكية- رغم عدم اعترافها بانقلاب الثالث من يوليو- تفصح عن دعمها الكامل والمطلق للانقلاب على الشرعية في مصر، وتتذرع- في تبرير ذلك الموقف المتناقض- بأن النظام الشرعي في مصر منبثقٌ عن مرجعيةٍ إسلامية لا ترغب في اعتلائها سدة الحكم، وأن الانقلابيين العسكر نفذوا ما كانت تطمح إليه من إقصاء الإسلاميين من المشهد السياسي على الصعيدين المحلي والدولي، ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن في قراءة الموقف الأمريكي المتهاتر، هو الأسس التي بني عليها، وتقييم حسابات المصالح من وجهة النظر الأمريكية .


إن الموقف الأمريكي يقطع- بما لا يدع مجالاً للشك- أن الدافع وراءه عداءٌ عنصري للإسلام، هذه العنصرية المعادية للإسلام كدينٍ ولَّدَت عداءً أكبر للإسلام كسياسةٍ ونظام حكم، ويتبلور ذلك النظر في إخفاء الإدارة الأمريكية الأسباب التي دفعت بها للعمل على إقصاء تيار الإسلام السياسي القائم على شرعيةٍ انتخابيةٍ حرة, وإحلال نظامٍ عسكري قام باغتصابِ تلك الشرعية في انقلابٍ دموي أدانت جرائمه التي ارتكبها ضد الإنسانية بفرض عقوباتٍ عليه، وإن كانت هذه العقوبات صورية إلا أنها تنبئ عن رفض تلك الجرائم وإدانتها، ووفقًا لمقتضيات العقل والمنطق كان المنتظر منها أن تقف في جانب الضحايا المجني عليهم ضد الجناة من العسكر وسائر الانقلابيين، وليس العكس، إلا أن خروج الإدارة الأمريكية عن المألوف وإهدارها مبادئ الديمقراطية على هذا النحو السافر وغير المسبوق، لا مبرر له سوى عدائها الصارخ للإسلام .


ومن الجدير بالذكر أن النظام الشرعي في مصر كان سيقف حجر عثرةٍ في طريق الغرب للقضاء على الترسانة العسكرية الإيرانية التي تؤرق أمريكا والصهاينة، وفي القضاء على حركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان وتمييع القضية الفلسطينية؛ تحقيقًا لأمن الصهاينة في المنطقة، ولعل الثمن الذي دفعه الانقلابيون لاقتناص الدعم الأمريكي، هو وضع الترسانة العسكرية المصرية تحت تصرف المشروع الأمريكي للخلاص من إيران وحماس وحزب الله، وقد بدأ ذلك العداء بكيل الاتهامات المرسلة إلى رئيس الدولة بالتخابر مع حماس في أول سابقة اتهامٍ من نوعها في تاريخ القضاء المصري، وكأن دعم القضية الفلسطينية أصبح جرمًا يحاسب عليه المصريون، ليكون كل رئيسٍ يأتي- في ظل ذلك الانقلاب- ملزمًا بألا يدعم قضية فلسطين وإلا اتهم بالتخابر مع الفلسطينيين أو مع حماس، وهذه الإستراتيجية الأمريكية موجهةٌ في- المقام الأول- للنيل من الإسلام وإضعافه، في إطار العنصرية الأمريكية المعادية للإسلام .


إن هذا العبث الأمريكي الفج والاستخفاف البين بالإسلام، الذي انكشف عنه الموقف الرسمي للإدارة الأمريكية برفض أي نظامٍ قائمٍ على مرجعيةٍ إسلامية، يستوجب الرد السريع على كل الأصعدة المحلية والدولية، ويضع إلزامًا على جميع الحكام المسلمين بإدانة الموقف الأمريكي المعادى للإسلام، لتأكيد تمسكهم بمرجعيتهم الإسلامية باعتبارهم حكامًا لدولٍ إسلامية، كما أن على المنظمات الإسلامية والحقوقية المحلية والدولية التنديد بذلك الموقف، ولاسيما أن فيه خرقًا لمبادئ الديمقراطية، وللقانون الدولي- وفقًا لميثاق الأمم المتحدة- الذي يحظر التدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء، وعلى الشعوب الإسلامية توقيع العقاب على أمريكا بمقاطعة منتجاتها.

رئيس محكمة وأحد قيادات تيار الاستقلال القضائي في مصر