بصورة مفاجئة تمامًا خرجت بعض القيادات القبطية الدينية والمدنية لتطلب تخصيص حصة محددة في المجالس المنتخبة للأقباط، "كوتة" على غرار كوتة المرأة والعمال والفلاحين، وحدد بعضهم هذه الكوتة بـ15% من جملة الأعضاء المقرر انتخابهم.
لم يثر الاقباط هذا المطلب من قريب أو بعيد أثناء وضع دستور 2012 رغم تمثيل الكنائس الثلاث في الجمعية التأسيسية، بل لم يثيروا هذا المطلب سواء قبل 25 يناير أو بعدها بشكل جدي، كل ما يذكر في هذا المجال أن شخصية قبطية منبوذة كارهة للوطن ولمواطنيه هو المحامي موريس صادق اللاجئ في أمريكا هو من كان يتبنى هذا المطلب وربما ساندته بعض الشخصيات الهامشية، لكن الشخصيات القبطية الرئيسية، سواء المدنية أو الدينية كانت دائمًا ترفض هذا التوجه، تواصلاً مع رفض الجماعة القبطية لمبدأ التمثيل النسبي منذ تم وضع دستور 1923، ففي جلسة لجنة وضع الدستوريوم 25 أغسطس 1922 التي كانت مخصصة لحسم مسألة التمثيل النسبي للأقباط صوتت اللجنة بأغلبية أعضائها ضد التمثيل النسبي للأقباط تأكيدًا على تماسك الأمة المصرية وتوحيد الضمانات الانتخابية بحيث يكون المصريون سواء أمام القانون الانتخابي.
إذن ما الجديد الذي دفع قيادات قبطية لإشهار هذا المطلب الآن والتهديد في حال رفضه بتصعيد الأمور، وتحريك التظاهرات والاحتجاجات والتصويت برفض الدستور الجديد؟ هل كان الأقباط موعودين بشيء ما لم يحصلوا عليه نتيجة مباركتهم لانقلاب 3 يوليو ومشاركتهم الواسعة قبله في مظاهرات 30 يونيو؟ هل اكتشفوا فجأة أن هذه فرصتهم التاريخية لتسجيل مكسب سياسي في ظل دولة رخوة يحكمها انقلابيون محاصرون شعبيًّا ودوليًّا؟ هل اكتشفوا أن لجنة الدستور بتشكيلها الحالي (لايمثل التيار الإسلامي فيها إلا شخص واحد) سوف توافق على ذلك المطلب في ظل صفقات أخرى مع ممثل الكنيسة تخص الجيش أو مواد الهوية والشريعة؟ هل حدثت تدخلات خارجية أقنعت هذه القيادات القبطية بالتحرك العاجل قبل فوات الآوان؟ هل اقتنع الأقباط فعلاً بأن التيار الإسلامي في مصر أصبح خارج اللعبة السياسية، وغير قادر على الحركة وبالتالي فهذه فرصتهم لفرض ما يريدون ولو كان غير مبرر؟ هل هو صعود مفاجئ للتيار المتطرف في الكنيسة وفي الأوساط المدنية القبطية في مقابل تيار الاعتدال الذي رفض من قبل فكرة التمثيل النسبي؟ أم هي مجرد مناورة قبطية بهدف تحقيق مكاسب أخرى مثل إلغاء المادة 219 المفسرة للشريعة والمادة الرابعة المحددة لدور الأزهر؟ أسئلة مشروعة ربما تفسر الإجابة عليها حالة الظهور المفاجئ لمطلب الكوتة القبطية في المجالس النيابية على ألسنة صقور قبطية في غياب أو صمت غريب من غالبية العناصر التي توصم بالاعتدال والتعقل، وكان هذه العناصر راضية عن هذا الطرح الذي رفضته من قبل.
لا شك أن تمثيل الأقباط في البرلمانات والمجالس المحلية طوال الستين عامًا الماضية كان ضئيلاً قياسًا بعددهم في المجتمع، وربما تبدو الدعوة للتمثيل النسبي مقبولة لإنهاء التوتر الطائفي شريطة أن تتم مناقشتها في ظل ظروف طبيعية وفي ظل معطيات ومعلومات شفافة، ولا يدعين أحد أن هذا التمثيل الضعيف للأقباط حدث بسبب تنامي التيار الإسلامي في مصر، فهذا الضعف كما ذكرت منذ بداية انقلاب يوليو 1952 الذي فرض حكمًا علمانيًّا، ومع ذلك شهد برلمان 1957 أول غياب كامل للتمثيل المسيحي وهو ما دعا عبد الناصر لتخصيص عشرة مقاعد للتعيين كان يخصص الجزء الأكبر منها للمسيحيين تعويضًا لهم عن عدم انتخابهم.
من جهة أخرى كان الإخوان هم من حملوا أول نائب قبطي منتخب على قائمتهم عام 1987 (جمال أسعد عبد الملاك) في دائرة ما كان له أن يفوز منفردًا بسبب تصاعد الروح الطائفية فيها وهي منطقة أسيوط، والتي رغم تمتعها بوجود كثافة قبطية إلا أنها لم تمنح صوتًا واحدًا لجمال أسعد، بل توجهت لقوائم حزبية أخرى.
السبب من وجهة نظري تمثل في انطواء الأقباط وتقوقعهم داخل جدران كنيستهم التي تحولت مع الوقت لتصبح الممثل الرسمي للأقباط في شئونهم الدينية والسياسية، وهو ما يخالف مبادئ المواطنة التي تعتبر الأقباط مواطنين مصريين تمثلهم الدولة سياسيًّا وتمثلهم الكنيسة روحيًّا، وهذا التقوقع والانطواء حد من ظهور شخصيات مسيحية شعبوية مناضلة قادرة على المنافسة ضمن التنوع الحزبي والسياسي، ورأيي أن هذا السبب قد زال بعد ثورة 25 يناير، وبعد خروج الأقباط من عزلتهم الاختيارية داخل جدران الكنيسة إلى رحابة الشارع السياسي المصري، ما أفرز الكثير من الكوادر المسيحية القادرة على المنافسة، والمنضوية في عضوية أحزاب مدنية من المفترض أن تعطيها أولوية على قوائمها الانتخابية، أضف إلى ذلك امتلاك الأقباط للعديد من أوراق التأثير سواء المادي أو الإعلامي التي تؤثر بالتأكيد في العملية الانتخابية، ومن هنا لم يعد الأقباط بحاجة إلى كوتة تعيدهم إلى عهد "الملة" العثماني.
يا سادة "الكوتة" تتنافى مع المواطنة التي ألححتم على وضعها في الدستور، استقيموا يرحمكم الله إما المواطنة وإما الكوتة.