في غياب الدستور الذي يكفل للمواطنين سائر حقوقهم وحرياتهم بعد أن عطل الانقلاب- دون حقٍ- عمله، في وضح النهار على مرأى ومسمعٍ من السلطة القضائية التي أسلمت نفسها لسلطان العسكر، ووضعت أجهزتها في خدمة الانقلاب، ورعاية مصالحه الدنيا، انقلب الباطل حقًّا مكتسبًا بالقوة، وهُتكت أعراض وحريات الناس في غيبة الشرعية والقانون.

 

فأصبح التعرض للمواطنين باستيقافهم وتفتيشهم دون سندٍ من القانون أمرًا مباحًا، وفُتحت أبوابُ المعتقلات والسجون على مصاريعها لاستقبال الأبرياء، وتُركت مصائرُ نزلائها في أيدٍ لا تتورع عن اختلاب الرقاب، وإسالة الدماء، ولم يبقَ من الدولةِ سوى أطلالٍ من الماضي القريب، يطأ عليها العسكر "ببياداتهم" السوداء كلون حال الناس الآن في مجتمع "اللا دولة"، وأصبح القانون الأسمى الذي يحكم العباد هو "اللا قانون"، وانقلبت الحرية إلى "اللا حرية"، هكذا فعل الانقلاب بكلِ شيء، كلُّ شيء تسبقه- بالأمر- "لا" النفيَ، ليتحول كلّ شيء إلى "لا شيء".

إن قانون الإجراءات الجنائية "اللا معمول به" في "اللا دولة" الآن لم يبحْ لمأموري الضبط القضائي استيقاف الناس وتفتيشهم، وفقًا للمادة 46 إلا في الأحوال التي يجوز فيها الفبضَ عليهم، كما لم يبحْ لهم القبضَ على إنسانٍ- في غير وقتِ إعلان حالة الطوارئ- إلا في حالتين لا ثالث لهما: الأولى: حالة التلبس وفقًا لنص المادة 34، والثانية: صدور الأمر من السلطات المختصة بذلك قانونًا وفقًا لنص المادة 40، ومن ثم فلا يجوز لمأموري الضبط القضائي استيقاف إنسانٍ وتفتيشه إلا كلما جاز القبضُ عليه، ولا يجوز لهم القبضُ على إنسانٍ إلا إذا كان متلبسًا بجريمةٍ يُعاقب عليها بالحبس لمدةٍ تزيد على ثلاثة شهور أو صدر به أمرٌ من السلطاتِ المختصة قانونًا، فضلاً عن أن القانون قصر هذا الاختصاص- حال توافر موجباته- على مأموري الضبط القضائي دون ما سواهم من رجال السلطة العامة والجيش ممن لا ينطبق عليهم وصف مأموري الضبط القضائي، يبدو أن قانون الطوارئ قد استمر، وأن الذي ألغى هو الدولة.

---------------------------

 * رئيس محكمة بالمنصورة وعضو المكتب التنفيذي لحركة قضاة من أجل مصر وأحد قيادات تيار الاستقلال القضائي