لا أستطيع أن أتوجه بالشكر إلى مجلس القضاء الأعلى؛ لقراره البدء في إجراءات التحقيق مع قضاة الزند في الشكاوى التي تقدم بها- ضدهم- عددٌ من قضاة تيار الاستقلال بسبب مشاركتهم في مظاهرات الثلاثين من يونيو لتقويض الشرعية الدستورية القائمة في البلاد؛ لأنه لا شكر على واجب، وإن كان قرار المجلس هذا قد تأخر كثيرًا، حيث تعاصر تقديم الشكاوى ضد قضاة الزند مع الشكاوى التي تقدموا بها ضد عددٍ من قضاة الاستقلال وقضاة من أجل مصر، إلا أن إجراءات التحقيق في الأولى سارت كالبرق الخاطف وانتهت بانتداب قاضٍ للتحقيق ما زال يلاحق رموز القضاء أنصار الشرعية، كما أسفرت عن إحالة عددٍ منهم إلى لجنة التأديب والصلاحية، على عكس الأخيرة، التي ظلت مجمدة  شهورًا طويلة، برغم تقديم الأدلة الدامغة- من تسجيلاتٍ مرئيةٍ ومسموعةٍ- على صحة نسبة ما جاء فيها إلى المشكو فيهم .

 

وإن كنت لا أجد مبررًا لهذا المطل في إرجاء البت فيها، ثم الشروع- فجأةً- في إذابة الثلوج من عليها، فإنني لا أجد المبرر للإصرار على تجميد البلاغات والشكاوى المقدمة ضد الزند الذي حرض القضاة على المشاركة في تلك التظاهرات، ومن قبلُ، محاصرة مكتب النائب العام وإجباره على الاستقالة، والاستقواء بدولةٍ أجنبيةٍ ضد مصالح الوطن العليا، ودعوة القضاة إلى عدم تنفيذ ما يصدر عن مجلس الشعب من قوانين، كما لا أجد المبرر لامتناع المجلس عن البتِ في طلب النيابة العامة رفع الحصانة عنه لاتخاذ إجراءات التحقيق في البلاغات المقدمة ضده بالاستيلاء على أراضي الدولة قبولاً أو رفضًا، وكذلك البلاغات المقدمة ضد عبد المجيد محمود النائب العام السابق وعددٍ آخر من القضاة.

 

لا أعلم حقيقة ما ستسفر عنه التحقيقات مع قضاة الزند، رغم أنني- كرجل قانون أتعامل بالأدلة والبراهين- على يقينٍ من صحة ما نسب إليهم، لكنني أنظر إلى تحريك التحقيقات ضدهم قبل أيام قليلة من جلستنا أمام لجنة التأديب بنوعٍ من الاستغراب والترقب لما سيحدث معنا، وما سيتخذ من إجراءاتٍ- بعد صدور قرار لجنة التأديب حيالنا- قبل قضاة الزند في تلك الشكاوى، هل سيحالون للتأديب مثلنا؟، أم ستتجمد التحقيقات معهم؟، أم ستحفظ الشكاوى ضدهم؟ الأيام القادمة ستجيب عن كل هذه الأسئلة، وستزيل اللثام عما أخفته اليوم عنا .

 

وفي السياق ذاته، يقف- اليوم- الزند وقضاته، ليدافعوا عن واحدٍ منهم؛ أسلمه مجلس القضاء إلى مقصلة التفتيش القضائي؛ لأنه تجاوز الخطوط الحمراء بالسؤالِ عن ميزانية مجلس القضاء الأعلى، وكيف يتم توزيعها، وعن رواتب أعضاء المجلس، متساندين في دفاعهم إلى حرية إبداء الرأي، الذي حرموه علينا، اليوم يجهرون بحله لهم، وإن كنت لا أجد غضاضةً في هذا  السؤال، فلا أجد مبررًا للتحقيق مع من أثاره بل أنضم إليه في سؤاله، وأزيد على ما تساءل عنه تساؤلاً جديدًا عن ميزانية نادي القضاة كيف تصرف وفي أي غرض، لمصلحة القضاة، أم لأغراضٍ سياسيةٍ لا تتفق مع طبيعة العمل القضائي؟ إن من حقنا جميعًا أن نعرف الإجابة على كل ما يدور برءوسنا من أسئلةٍ تمس القضاء، أم أن القضاء أصبح كهنوتًا وأضحت أعماله طلاسم ومسلماتٍ من أسرار المعبد؟، أم أن شمس الحقيقة تحجبها غيوم الانقلاب على الشرعية، وتأسرها غياهبُ معتقلاته عن أن يبزغ فجرها؟ .

 

-------

رئيس محكمة المنصورة وعضو المكتب التنفيذي لقضاة من أجل مصر